الخميس، 19 يوليو 2012

ملاحظات حول بحث العلامة السيد سامي البدري : النجف مرسى سفينة نوح

باسم محمد حبيب
نشرت مجلة تراث النجف في عددها (1) 2009 بحثا بقلم السيد سامي البدري تناول فيه موضوعة الطوفان التي مثلت إحدى الجوانب الهامة في تراث حضارة وادي الرافدين وبقدر ما أعجبت
بهمة الباحث وبجهوده الكبيرة وقدراته البحثية العالية ومثابرته على استقصاء المعلومات عن موضوع يعد من اعقد المواضيع التي واجهت الباحثين فان لدي بعض الملاحظات عن بعض فقرات البحث التي أود طرحها هنا خدمة للحقيقة والبحث العلمي ، فقد كتب الكثيرون عن موضوعة الطوفان وحاول الكثير من هؤلاء تأويلها بما يناسب رؤاهم وانتمائاتهم وليس أدل على ذلك من القصة التوراتية الشهيرة [1] التي حاكت إلى حد كبير أساطير الطوفان العراقية ، فالأمر المهم ليس أن تقرا الطوفان قراءة مغايرة منسجمة مع فكر معين أو رأي معين بل ما توفره القراءة من فرصة أخرى لفهم الطوفان بشكل أكثر دقة  ، والأساس برأيي المتواضع هو معرفة أن كان هذا الطوفان طوفان كوني أي شمل العالم بأسره أو انه اقتصر على بلاد الرافدين وحسب ، فمن شان هذه المعرفة حسم الكثير من الإشكالات حول هذه القضية العويصة ، إذ لو كان الطوفان قد شمل الأرض بأسرها فلا يمكننا والحالة هذه تصور أن جبال العراق ستكون مرسى لسفينة الطوفان لوجود جبال أخرى أعلى بكثير منها ، وربما سيكون علينا عندئذ أن نعتقد أن جبال الهملايا في الهند هي المكان الذي رست فيه السفينة  لكونها أعلى جبال العالم ومن الطبيعي أن تذهب السفينة إلى أول مكان يظهر بعد انحسار الماء ، أما لو اقتصر الطوفان على ارض العراق فليس لنا إلا أن نتصور إلى انه واحد  من تلك الطوفانات ( الفيضانات ) التي يتعرض لها العراق باستمرار ومن الطبيعي أن تكون المرتفعات الأقرب هي المكان الملائم لرسو السفينة بما في ذلك طار النجف الذي أشارت إليه الدراسة [2]  ،أي أن استنتاج الدراسة حول مكان رسو السفينة سيكون مقبولا بشرط اعتبار الطوفان واحدا من الطوفانات المحلية لا الكونية كما تشير إلى ذلك بعض الدراسات  ، وبالتأكيد فان أمرا كهذا لا يتناقض مع وجهة النظر الدينية التي ترى في الطوفان عقاب كوني للبشر جميعا وليس لقسم منهم ، فمادامت بلاد الرافدين تمثل مركز الحضارة البشرية وربما المركز الوحيد وقت حدوث الطوفان فمن الطبيعي أن ينظر لها على أنها العالم كله مادامت بقية أرجاء العالم مهجورة أو تعيش تحت ظل حضارات بدائية ، لكن المشكلة ليست فقط في تأويل اتساع الطوفان وفقا للنظرة الدينية بل في القراءة الميثولوجية أيضا لوجود العديد من الأساطير التي تناولت الطوفان في الكثير من مناطق العالم ، وليس هناك من سبيل لتفسير ذلك إلا بأحد أمرين : إما أن يكون الطوفان محلي ثم جرى تداول قصته عالميا كما حصل عند انتقال الكثير من القصص والأساطير من مكان إلى آخر أو أن الطوفان هو طوفان كوني ثم جرى إضافة الكثير من الرؤى المحلية عليه انطلاقا  من ثقافة السكان ورؤاهم الأمر الذي يفسر وجود قصص الطوفان المختلفة في أكثر من مكان من العالم ، إلا أن مثل هذا الرأي يواجه مشكلات كبيرة أبرزها افتقارنا للتأكيدات الأثرية وصعوبة تفسير ذلك وفقا للرؤية المناخية والعلمية ، وبالتالي ربما يمكننا اعتبار انتشار قصص الطوفان على انه دلالة على حصول عدة طوفانات محلية وليس طوفانا واحدا كونيا على أن واحدا من هذه الطوفانات هو الذي حاز على تلك الشهرة الطاغية بفعل حصوله في منطقة حضارية مهمة ، وهو ما يؤيد الأصل العراقي لقصة الطوفان الواردة في الكتب المقدسة ومنها القران الكريم مع اختلاف بعض التفاصيل بين قصة وأخرى ، ففي علم المثولوجيا يجري التركيز بشكل خاص على الاحافير الميثولوجية أي مناقشة أي الأصول أقدم وما مدى توافق ذلك مع المعطيات الأثرية والتاريخية وبخصوص قصة الطوفان المعروفة ، لدينا حولها عدة أصول مؤكدة هي[3] :

أ-  أسطورة اتراحاسيس
ب-  أسطورة الطوفان الواردة في ملحمة  جلجامش 
ج-  ملحمة زيو سدرا

وبالتالي ليس من المنطقي دراسة الطوفان من خلال متون القصص الأحدث زمنيا بما في ذلك القصص الواردة في الكتب المقدسة انما لا بد ان نعتمد تلك القصص التي تعود إلى ازمان غابرة وفي مقدمتها قصص بلاد الرافدين ، ومن خلال دراستنا لقصص بلاد الرافدين الخاصة بالطوفان نلاحظ ما يلي :
اولا :  إن أقدم ذكر لقصة الطوفان وردت في الآداب السومرية ما يعني أن مصدر القصة هي المنطقة التي سكنها السومريون أي جنوب العراق .
ثانيا :  أجمعت أساطير الطوفان الرافدينية المختلفة على أن موطن بطل الطوفان هي مدينة شروباك (تل فارة ) التي تقع بالقرب من الوركاء أي في موطن السومريين في جنوب العراق .
ثالثا :  أشارت الأساطير إلى أن مسكن بطل الطوفان كان من القصب أي مثل أكواخ سكان الأهوار الحاليين ، فكل شعب يبني منازله وفق المواد المتوفرة في بيئته والقصب هو النبات الذي تشتهر به الاهوار منذ أقدم العصور ومن الطبيعي أن يبني سكان الاهوار منازلهم منه ، فيما نجد أن المادة التي تتوفر في منطقة النجف هي الصخور ما جعلها المادة المفضلة في البناء هناك .
 رابعا :  ورود أسماء الآلهة السومرية كـ آنو انليل وأنكي  ( أيا ) في متن القصة هو دليل آخر على أن القصة ذات أصل سومري أو على الأقل أن السومريين هم أول من نقلوها من التراث الشفوي ، فيما تعد القصة الاكدية محاكاة أو ترجمة لها لا اكثربدليل عدم وجود أي ذكر لمردوخ اله مدينة بابل التي جاءت من عصرها مختلف النسخ المتوفرة عن قصة الطوفان .

(5) أشارت قصة الطوفان الواردة في ملحمة جلجامش إلى الريح الجنوبية بكونها المسببة أو المرافقة للطوفان ، وهي الريح التي يسميها سكان جنوب العراق ب ( الشرجي ) حيث تهب من المناطق الجنوبية الشرقية وتكون مصحوبة بأمطار كثيفة وقد تتسبب بفيضانات صغيرة أو كبيرة حسب الظروف المناخية السائدة .
أما الموضع الذي رست عليه السفينة فهو بحسب بعض الترجمات (جبل نصير) الذي رجح طه باقر دلالته بان معناها جبل الخلاص ، وربما رست السفينة عند الحواف الغربية للسهل الرسوبي أي تلك المنطقة التي يشار عليها بالطار كما طرح ذلك بحث السيد البدري ، علما ان لفظة الطار المستخدمة في لهجتنا الدارجة مأخوذة من التراث اللغوي للسومريين حيث يعبر عن الجبل او المكان المرتفع بلفظة ( كار ) السومرية وهي لفظة مازال سكان الجنوب يستخدمونها عند الاشارة للمكان المرتفع والمقفر ، ومن الطبيعي أن مفهوم الجبل يختلف عن مفهومه عندنا وليس هناك من شك بان طار النجف وكربلاء كان ينظر إليه من قبل سكان السهل على انه جبل أو جبال ، واذا كنا قد اتفقنا مع البحث أو اقتربنا من رأيه حول مكان رسو السفينة فهذا لا يعني أن هذه المنطقة كانت مسكونة  قبل هذا الوقت ، فمدينة النجف لم تأخذ مكانتها التاريخية والدينية إلا بعد إيوائها لجثمان الإمام علي بن أبي طالب (ع)  وحتى الكوفة التي قد لا نختلف على وجودها قبل مجيء العرب المسلمين لم تأخذ شهرتها إلا بعد عدها عاصمة للعرب في العراق ومركزا لخلافة الإمام علي ، وقد لا أغالي إذا قلت أن الإمام علي بن أبي طالب (ع) هو الذي أعطى لهذه المنطقة مكانتها وقدسيتها التي عرفت بها فيما بعد حيث أصبح ضريح الإمام علي محجا لأتباعه ومناصريه ومكانا يؤكدون فيه معارضتهم للحكم الأموي أولا والعباسي بعد ذلك ، وهذا لوحده كاف لإعطاء النجف مكانتها وأهميتها في التاريخين الإسلامي والإنساني لكونها أنتجت أول شكل من أشكال المعارضة ضد الهيمنة الاستبدادية  للحكام الذين تولوا إدارة الدولة العربية الإسلامية ، أما ذلك الطرح الذي يبرز هذه المنطقة كحاضرة حضارية أقدم عهدا من الإسلام فيعوزه الكثير من الأدلة  وبشكل أساس الأدلة الأثرية و الكتابية المباشرة ، فاعتماد المقارنات أو الشواهد غير المباشرة لا يمثل نهاية المطاف في تحديد الحقائق ، وما قدمه البحث من قراءة جديدة واستنتاجات متميزة هو تأكيد للحاجة إلى مزيد من البحث والتقصي لمعرفة الكثير من الجوانب الغامضة في تاريخنا وموروثنا ولا يحسم بأي حال الجدل حول الكثير من حقائق الطوفان التي مازال يكتنفها الغموض ، لقد طعن البحث بالكثير من القناعات والاجتهادات التاريخية التي تحتمل الصواب والخطأ ولكن ليس بالاستناد إلى أدلة باتة دامغة بل إلى تأويلات واجتهادات تحتمل هي الأخرى الصواب والخطأ ، ومن الأمثلة على ذلك ماعرضه عن أصل إبراهيم الخليل والذي أشار البحث إلى انتمائه إلى مدينة بابل ومنطقة بابل وبابل كما هو معلوم غير النجف ولا يمكن أن تقترن بها على الإطلاق ، فوجود مدينة قديمة على مقربة من مدينة جديدة لا يعني أن إحداهما امتداد للأخرى فلا يمكن القول مثلا أن مدينة أور هي مدينة الناصرية الحالية أو أن الوركاء هي مدينة السماوة ، ناهيك  عن أن الجدل حول أصل إبراهيم ليس بالجديد فقد وردت عدة آراء حول أصله ، فإضافة إلى الرأي التوراتي والمسيحي الشهير الذي يجعل أور المدينة السومرية الشهيرة موطنا له ، هناك عدة آراء واجتهادات أخرى منها رأي الباحث المصري سيد القمني حول الأصل الارمني لإبراهيم الخليل [4]وهناك من ينسب إبراهيم إلى جزيرة العرب أو إلى بلاد الشام وقد ادلوت بدلوي ذات مرة واعتبرت جزءا مهما من قصة إبراهيم الخليل ذات علاقة بقصة الرامايانا الهندية دون نكران لحقيقة إبراهيم التاريخية  ، فإذا لم تكن أور هي الموطن الحقيقي لإبراهيم الخليل وهو أمر فيه نظر فان النجف أو بابل ليسا بأكثر ارجحية منها لان أدلتهما مبنية على المقارنات والتأويلات  ، ونفس الشيء في ما يخص فرضية أن كيش هي الكوفة لان موضع كيش معروف وقد أجريت فيه عدة تنقيبات أثرية ولا يمكن بأي حال أقرانها بمدينة الكوفة التي ازدهرت كمدينة معروفة في العصر الإسلامي ، ونفس الشيء بالنسبة لدلمون فهي بحسب النصوص المسمارية ومنها نصوص سلالتي أكد وأور الثالثة تقع إلى الجنوب من أور وليس إلى شمالها كما تفترض الدراسة ، ولذلك لا مجال لأقران دلمون بمدينة النجف أو الكوفة ولا بأي منطقة تقع إلى الشمال من مدينة أور وبالتالي لابد أن نقف عند ما يلي :

1-    أن قصة الطوفان مازالت محكومة بالإطارين الديني والميثولوجي أي أنها مازالت  عصية على الطرح التاريخي الحاسم ، وبالتالي لا يمكننا تجاهل القراءة التي تقدمها النصوص الميثولوجية بشان تقديرات المكان
2-   بما أن أقدم ظهور لقصة الطوفان مرتبط بالنصوص المسمارية واللغة السومرية  و أن المكان الذي عاش فيه بطل الطوفان يقع في جنوب العراق ناهيك عن ذكر الآلهة السومرية وبعض الإشارات التي لها علاقة ببيئة الاهوار ككوخ القصب والريح الجنوبية ، فلا يمكن بأي حال تجاهل أصلها السومري أو انتماء القصة لجنوب العراق .
 3-  بغياب أي تأكيدات أثرية أو كتابية ( مسمارية ) يصعب اعتبار مدن كيش أو دلمون وغيرها ذات علاقة بمدن حوض الفرات الأوسط التي ارتبطت تاريخيا بمجيء العرب المسلمين أو بحكم الإمام علي (ع) ودفنه في المنطقة .
4-  ما طرحه البحث بشان عدم انتماء إبراهيم الخليل لمنطقة أور في الناصرية ليس بالأمر الجديد فهناك الكثير من الدراسات التي تناولت ذلك بل واعتمدت على مختلف القرائن اللغوية والأثرية والتاريخية والمنطقية والأدلة المقارنة  لتأكيد طرحها ، ومع ذلك لم تتمكن تلك الدراسات من إنهاء الرأي الذي يربط إبراهيم الخليل بأور ليس لارتباط ذلك بالإرث الديني وحسب بل ولعدم تمكن تلك الدراسات من إعطاء براهين دامغة لترجيح رأيها على الآراء الأخرى .


  الهوامش

(1)  التوراة / من الإصحاح السادس إلى التاسع .
(2)  السيد سامي البدري ، النجف مرسى سفينة نوح ، مجلة تراث النجف ، العدد (1) لسنة 2009  ، ص 65   
(3)   فاضل عبد الواحد علي ، الطوفان في المراجع المسمارية ، (بغداد ، دت ).
(4)  سيد محمود القمني ، النبي إبراهيم والتاريخ المجهول ، ط1 ، ( القاهرة ، 1990 ).

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969