الخميس، 19 يوليو، 2012

صلات العراق مع بلاد الشام حتى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد

باسم محمد حبيب

المقدمة  
اتسمت صلات العراق ببلاد الشام بميزتين مهمتين : أولا قدمها حيث تمتد عميقا في عصور ما قبل التاريخ ، وثانيا التواصل والاستمرارية حيث لم تنقطع هذه الصلات
بتوالي العصور ولم  تختفي رغم ما واجهه البلدان من صعوبات ومحن صبغت تاريخهما بلون الدم  .
لقد كان للتجاور الجغرافي الدور الحاسم في بناء هذه العلاقة  بحيث جعل من كل منهما امتداد للأخر ، فالأقوام التي ترتاد بلاد الشام سرعان ما تضع نصب أعينها العبور إلى العراق الذي يمثل آنذاك قلب العالم القديم ومركز الحضارة الإنسانية ، فيما جعلت الدول التي نشأت في العراق القديم من بلاد الشام مركزا لنشاطها السياسي والعسكري ، بحيث عدت بلاد الشام خلال معظم فترات التاريخ القديم جزءا من نسيج الحضارة العراقية وذراعها السياسي الإمبراطوريات التي نشأت على أديم الأرض العراقية .
لقد حتمت الظروف الجغرافية لبلاد الشام ووقوعها في قلب منطقة الشرق الأدنى القديم جعلها ممرا للشعوب والأديان والحضارات ، فمنذ قديم الزمان أصبحت هذه البلاد ساحة للتنازع بين الحضارتين العراقية والمصرية ، وتحولت إلى مركز للصراع بين القوى العظمى التي حكمت منطقة الشرق الأدنى القديم ، الأمر الذي سبب لسكانها وشعوبها الكثير من الآلام إضافة إلى ما تواجهه من تخريب بفعل عبث تلك القوى . 
لكن رغم ذلك لم تبقى بلاد الشام قانعة بمصيرها كلقمة سائغة لهذا الطرف أو ذاك بل لقد أنتجت نسقها الخاص الذي جمع بين ما جاورها من حضارات وثقافات وأبرزت لنفسها كيانا حضاريا يتمتع بالكثير من السمات الأصيلة ، فيما نجحت خلال مراحل مهمة من تاريخها من تكوين كيانات سياسية كان لها دور فاعل في تاريخ منطقة الشرق الأدنى القديم وكانت لها صولاتها وجولاتها في الحياة السياسية والعسكرية لتلك الفترة  .
لقد انقسم تاريخ بلاد الشام بين عهود كانت فيها خاضعة كليا أو جزئيا للنفوذ الأجنبي ، وعهود تكونت فيها دول خاصة بهذه البلاد كان لها دورها في مواجهة التحديات والظروف الصعبة التي لم تنفك تحيق ببلاد الشام وتنشر بضلالها عليها .
ونحن في هذا البحث غير معنيين بدراسة تاريخ بلاد الشام بجملته ، بل بدراسة تاريخ الصلات بين العراق وبلاد الشام وما نتج عنها من متغيرات  كان لها التأثير الحاسم في حضارة بلاد الشام وتاريخها .


(1)           صلات العراق مع بلاد الشام في عصور ما قبل التاريخ

رغم أن للعراق صلات قوية مع مجمل محيطه الجغرافي بحكم كونه مركزا للحضارة الأصيلة حضارة بلاد الرافدين الأولى إلا أن لصلاته ببلاد الشام طعم خاص حيث أصبحت بلاد الشام طوال حقبة حضارة بلاد الرافدين امتدادا سياسيا وحضاريا لبلاد الرافدين ، وهناك عاملين مهمين ساعدا على ذلك ، أولهما بحكم كونهما بلدين متجاورين لا تفصل بينهما فواصل طبيعية كبيرة ، وثانيهما لان أصول الكثير من سكانهما تعود إلى أرومة واحدة هي الأرومة السامية أو كما تسمى أخيرا بالأرومة الجزرية  ، وبالتالي شاهدنا تواصلا كبيرا وصلات مهمة بين البلدين عبر مختلف الحقب الزمنية حيث لا تقتصر هذه الصلات على المرحلة التاريخية بل تتعداها إلى تلك العصور الموغلة بالقدم أي عصور ما قبل التاريخ ، وسبيلنا لأدراك هذه الصلات وإيضاحها هي الآثار المادية التي تعد المصادر الأساسية لدراسة تاريخ تلك الحقبة .   
على أن من الضروري أن ندرك أن وسم الصلات بأوصاف حديثة وتحميلها صفة العلاقة بين بلدين مختلفين هو في الحقيقة أمر تجاوزي ولا علاقة له بالواقع الحقيقي الذي عاشت في ظله تلك الصلات  ، فنحن نتكلم عن هذه الصلات من وجهة نظرنا الخاصة أو بحسب مرجعياتنا الثقافية الحالية   ، وبالتالي ربما يمكننا عد سوريا امتداد سياسيا وثقافيا واقتصاديا مهما لحضارة وادي الرافدين منذ أن تحددت هذه الحضارة ببعدها الجغرافي المعروف على مدى الهلال الخصيب .
لكن إذا كان البلدان قد شهدا تلاقيا حضاريا كبيرا في فترة ما من فترات الحضارة فان هذا الأمر قد ينصرف على الأدوار التاريخية التي تلت العصر الحجري الحديث أما ما قبل ذلك فقد سار البلدان في سلم التطور بشكل منفصل ، وبالتالي سنجد أن هناك اختلافات في تطور كل منهما اخذ ينعكس على مسارهما اللاحق ، ومن اجل فهم هذه التطورات الحضارية سنقسم عصور ما قبل التاريخ إلى قسمين نتناول في الأول العصرين الحجريين القديم والوسيط حيث سنستعرض تاريخ البلدين خلالهما بشكل مستقل ، وفي القسم الثاني سنتناول العصر الحجري الحديث من خلال دراسته في البلدين معا :

أ - العصر الحجري القديم والعصر الحجري الوسيط

يشكل العصر الحجري القديم حقبة حضارية طويلة تمتد منذ أقدم فترات وجود الإنسان قبل ملايين السنين وتنتهي قبل اثنا عشر سنة تقريبا  حيث يفصله عن العصر الحجري الحديث عصر انتقالي يسمى العصر الحجري الوسيط [1] ، ولطول هذه الفترة فقد دأب المؤرخون على تقسيمه إلى فترات اقصر تبعا لبعض الاختلافات في صناعة الأدوات الخاصة بذلك الإنسان ، ومن المرجح أن عيشة الإنسان في غالب هذه الحقبة الطويلة كانت متشابهة وطرقه في التعاطي مع الأشياء كانت متماثلة بقدر ما  إلى فترات لاحقة  ، لكن الأمر تغير في الأدوار المتأخرة من هذا العصر بعد أن نمى عقل الإنسان ونمت قدرته على التكيف فأصبح مرتبطا بالبيئة  التي يعيش فيها ، ومن اجل تسهيل دراستنا سنتناول التطورات في كلا البلدين بشكل منفصل :  

العراق

لم تكشف لنا التحريات الأثرية عن مستوطنات تعود للعصور الحجرية في جنوب العراق الذي رجح البعض انغماره بالمياه خلال معظم عصور ما قبل التاريخ ، فيما عزى البعض الأخر عدم العثور على مخلفات الإنسان في جنوب العراق  إلى انغمار تلك المخلفات بمياه الاهوار وبالتالي  اقتصر الاستيطان في العراق على شماله  الذي نشأت فيه مستوطنات مهمة بعضها يعود إلى عصور موغلة في القدم ، وربما يمثل كهف شانيدر أهم مكان لاستيطان الإنسان في تلك الحقبة القديمة حيث عثر على مخلفات وهياكل عظمية تعود لإنسان نياندرتال [2] الذي سبق الإنسان الحديث بالظهور ، وربما يعد العراق من المراكز القليلة التي شهدت تواجه هذين النوعين من الإنسان في مكان واحد  كما يعد من الأماكن القليلة التي يظهر فيها بوضوح العصر الانتقالي بين العصرين الحجريين القديم والحديث حيث وجدت أثار هذا العصر الانتقالي في كهف شانيدر [3] ، كما يعد العراق مركزا من مراكز الثورة الاقتصادية الأهم في التاريخ القديم وهي الثورة الزراعية  إلى جانب مناطق أخرى في الشرق الأدنى القديم ومن بينها سوريا وفلسطين [4] ، ويرجح معظم الباحثين أن هذا الاختراع لم يأتي نتيجة تراكم معرفي بل بالصدفة وحصل ذلك في العصر الحجري الحديث ، لكن هناك آراء أخرى ترى أن الاهتداء إلى الزراعة تم قبل هذا الزمن وفي نطاق محدود [5] ، وهذا الرأي تعوزه الشواهد وحتى لو ثبت علميا فربما لم يطل أمده كثيرا ، فالزراعة كحدث اقتصادي كبير لابد أن تجد لها صدى سريع في الأماكن القريبة وسيكون انتشارها أمرا حتميا انطلاقا من ضرورتها الاقتصادية ، وبالتالي يميل كثير من المؤرخين إلى عد اكتشاف الزراعة نتاجا لمنطقة بأسرها هي  منطقة الشرق الأدنى القديم   وهو أمر يتفق جزئيا مع المكتشفيات الأثرية الحالية  ، لكن هل هذه هي الحقيقة أم أن الأمر يحتاج إلى المزيد من البحث والتقصي فمما لا شك أن دور العامل الفردي هو دور لا يمكن إغفاله على الإطلاق ، فظهور الزراعة قد ينظر له كنتاج لمرحلة كاملة أو منطقة جغرافية واسعة إلا أن هذا الأمر  مرتبط  بمنظارنا الذي لا يسعفنا على البحث في نطاق السنوات والشهور التي هي مهمة  وحاسمة في إثبات البداية والريادة  .     

بلاد الشام

  شهدت بلاد الشام استيطانا مبكرا للإنسان ، حيث وجدت آثار هذا الاستيطان في جملة مواقع مهمة  أبرزها ست مرخو والعبيدية وموقع اللطامنة على بعد 40 كيلو مترا إلى الشمال من حماة [6] ، وفي العصور التالية غدت سوريا من ابرز الأماكن التي تضم كثافة سكانية كبيرة ، ومن ابرز الأمثلة على ذلك انتشار المستوطنات على عموم سوريا  كأريحا وجلجال على الساحل الكنعاني ووادي الفلاح في داخل بلاد كنعان وأبو سالم في النقب وتل اسود في غوطة دمشق وتل الشيخ حسن على الفرات ، هذا إضافة إلى مواقع عين ملاحة وأبو هريرة وتل المريبط الذي يعد أشهر هذه المواقع على الإطلاق لأنه شهد استيطانا متواصلا للإنسان امتد حتى الألف الثامن قبل الميلاد [7] ، ونتيجة لهذا الاستقرار المتواصل فقد تطورت الحياة في تل المريبط تطورا كبيرا حيث تعرف على تقنيات ومعارف مهمة  كبناء منازل من الطين وطلي الجدران والمواقد وصنع دمى الآلهة الأم ثم اختراع الفخار[8] حيث تعاصر هذه التطورات نجاحات مماثلة في شمال العراق ، لكن التماثل مع العراق لم يشمل كل سوريا ففي أريحا نشأت حضارة فيها الكثير من الاختلاف عن حضارة المنطقة السورية الشمالية حيث تعقد النظام الاجتماعي وتطور البناء الذي دفع البعض إلى عد أريحا طليعة القرى الزراعية في المنطقة [9]

ب - العصر الحجري الحديث

من ابرز المواقع التي ظهرت فيها مظاهر العصر الحجري القديم موقعي جرمو في شمال العراق وأريحا في فلسطين ، وبخصوص جرمو التي تقع بالقرب من كركوك كشفت التحريات الأثرية عن مجتمع فيه قدر كبير من التعقيد والتطور حيث البيوت المبنية من الطين المكبوس والمدعومة بأسس من الحجر الذي يؤكد تطور فن العمارة كما يؤكد العثور على دمى لنسوة بارزات الأثداء على وجود اعتقاد ديني  له علاقة بطقوس الخصب ، ويرى البعض أن جرمو هي المكان الذي شهد الانقلاب الحضاري والاقتصادي الكبير اكتشاف الزراعة استنادا لبقيا بذور القمح التي وجدت بكثرة في الموقع وللعثور على آلات تستخدم في الزراعة كالمنجل والفأس والرحى كما استأنسوا الحيوان [10] ، أما أريحا فقد شهدت مظاهر مماثلة فقد كانت لهم مساكن متطورة ويحيط بها سور مع وجود برج ارتفاعه 30 قدما يوصل إلى أعلاه بسلم ارتفاعه 22 عتبة [11] كذلك وجدت في الموقع  تماثيل الآلهة الأم التي تؤكد وجود عبادة مماثلة للعبادة الرافدينية [12] ، ومما يؤكد وجود نوع من الحياة الروحية لديهم قيامهم بفصل الجمجمة عن الرأس ولا يعرف الغرض من ذلك فهل له علاقة بعبادة الجمجمة أم هي دلالة على أن أهل أريحا  من النوع الذي يقتات على أدمغة الإنسان ، كما أثار العثور على تمثال لأب وأم وطفل جملة من التساؤلات عن طبيعة هذا التمثال وهل هو مقدمة لعبادة الثالوث الذي انتشرت في المنطقة في العصور التاريخية أم له علاقة بفكرة الإنتاج بشكلها الكامل [13] ، وبالتالي فان أهل أريحا قد وصلوا إلى قدر عال من التطور مكنهم من بناء أقدم القرى الموسعة التي يشار لها أحيانا بمدينة ويستدلون في ذلك إلى وضوح مظاهر هذا العصر فيها  ، ولعل أهم انجاز ينسب لأريحا أنها ربما تعد أقدم قرية امتهن أهلها الزراعة  وهي بالتالي ربما تكون أقدم من جرمو في هذا الخصوص  ، لكن ما يعيد اللبس في الأمر أن التقديرات الزمنية لجرمو متباينة نوعا ما وإذا أخذنا أعلى التقديرات فربما تترجح كفة جرمو ناهيك عن أن الآثار الزراعية من جرمو أكثر وضوحا ودلالة  مما في أريحا   ، وقد قسمت ادوار جرمو إلى  قسمين ادوار خالية من الفخار وتشمل الطبقات الأحد عشر العليا من الموقع ولقسم الأخر هو القسم الذي ظهر فيه الفخار ويشمل الطبقات الخمس الدنيا من الموقع  حيث امتازت صناعة الفخار بالبدائية والبساطة في غالب طبقات الموقع .

حضارة حسونة

يمثل موقع حسونة من المواقع المهمة التي تعود إلى العصر الحجري الحديث وهو تطوير لمرحلة جرمو حيث تطورت المساكن وغدت أكثر اتساعا  كما تطورت صناعة الفخار لاسيما في القسم الثاني من هذا الدور وقد استمرت عبادة الخصب بدليل العثور على دمى أكثر تطورا من الدمى السابقة ، وقد امتدت حضارة حسونة إلى سوريا التي نشأت فيها حضارة العمق لتي أخذت الكثير من سمات حضارة حسونة [14]  ، وقد امتدت حضارة العمق من مركزها في سهل أنطاكيا على نهر العاصي لتشمل مواقع رأس شمرا وحماة وتل جديدة  ، ومما امتازت به هذه الحضارة بناء المساكن من الحجر وعلى شكل مستطيل مع طلاء الأرضية بالجص مع معرفتهم بصناعة الأختام الحجرية ووجود تماثيل الآلهة الأم كما تؤكد الآلات الزراعية المكتشفة في الموقع معرفتهم بالزراعة  [15] ، وقد أعقب دور حسونة دور آخر سمي بدور سامراء لأنه تركز في تلك المنطقة وقد بقي التأثير العراقي ماثلا على سوريا خلال هذا العصر [16]

حضارة حلف

وهي حضارة أعقبت دور سامراء التالي لحضارة حسونة حيث يعود زمن حضارة حلف إلى 5000 سنة قبل الميلاد ، ويقع مركز الحضارة قرب الموصل وليس في سوريا كما يشير إلى ذلك الاسم إلا أن حضارة حلف قد انتشرت لتشمل شمال العراق وسوريا وبعض المناطق في الأناضول حيث توجد آثارها في اربجية وتبة كورا وجرابلس وغيرها ، ومن منجزات هذه الحضارة تطور صناعة الفخار ليظهر بأفضل ما يكون من حيث الألوان والرسوم والإتقان حيث يرجح أن تكون سوريا قد استوردت تقنية صنع الفخار الحلفي من العراق[17] هذا بالإضافة إلى وجود احتمال باعتماد حضارة حلف على المركبات في النقل انطلاقا من رسم لمركبة وجد على إحدى الفخاريات ، وقد توسع الحلفيون في صناعة الأختام المنبسطة التي ابتكرت لأول مرة في عصر حسونة لاستخدامها في التبادل وامتازوا بطابع معماري خاص بهم حيث الحجر المستديرة من الاربجية التي أساسها من الحجر وبنائها من الطين ، كذلك تعد حضارة حلف نهاية مرحلة العصر الحري الحديث لأنها شهدت صناعة أدوات معدنية وبالذات من النحاس [18] .

حضارة العبيد

ظهرت حضارة العبيد في حدود عام 4500 قبل الميلاد ومركزها جنوب العراق حيث تعد أقدم استيطان للإنسان في الجنوب ، ولا يعرف أصل صانعيها وهل هم من سكان العراق الأصليين أم قادمين جاءوا إلى البلاد من منطقة ما سواء من الشرق كما يرى البعض أو من سوريا [19] كما يرى البعض الآخر ، وبغض النظر عن أصل منشئي حضارة العبيد  فان هذه الحضارة كانت من القوة بحيث امتدت إلى معظم أرجاء الشرق الأدنى القديم ومنها سوريا التي شابه فخارها فخار عصر العبيد [20] ، إضافة إلى تأثيرات حضارية أخرى ربما  يكون وراءها عوامل سياسية إذ ربما عرفت حضارة العبيد شكل الدولة  التي امتد نفوذها إلى خارج بلاد الرافدين ، ومن أهم انجازات هذه الحضارة تطور الفخار  ونمو طلائع المدن وبناء أقدم أشكال المعابد ذات المصاطب وإنشاء نظام الري إضافة إلى نماذج مهمة من قطع النحت  .

حضارة الوركاء حدود 3800 إلى 3200 قبل الميلاد

وتقسم إلى قسمين حضارة الوركاء ما قبل الكتابة وحضارة الوركاء ما بعد الكتابة ، ففي ما يخص حضارة الوركاء ما قبل الكتابة  تحققت انجازات مهمة ابرزها انتشار استخدام دولاب الفخار في صنع اشكال راقية وجميلة من الفخار وتوسع الوركاء وتحولها إلى واحدة من المدن المهمة والكبيرة في بلاد سومر ، كذلك تطور فن العمارة تطورا كبيرا وبنيت المعابد التي تتسم بأنماط معمارية وفنية متميزة فيما ظهر نموذج الزقورة التي لم يتم حتى الان تحديد وظيفتها الدينية او الاجتماعية ، ومن التطورات التي لها علاقة بالواقعين الاجتماعي والاقتصادي التحول نحو استخدام الاختام الاسطوانية بدل الاختام المنبسطة الاقل مرونة في الاستخدام ، كما شهد هدا العصور تطور فن النحت حيث اكتشفت منه نماذج مهمة ذات قيمة فنية وتأريخية  .
أن أهم ما في حضارة الوركاء انتشار تأثيراتها في خارج بلاد الرافدين لا سيما سوريا التي أثبتت التحريات الأثرية تأثرها بحضارة الوركاء لا سيما طرز بناء المعابد كما هو الحال في معبد وجد في موقع حبوبة الكبيرة [21] إضافة إلى أشكال الفخار وصناعة الأختام وغيرها ، أما حضارة الوركاء ما بعد الكتابة فمن اسمها هي حضارة كتابية حيث تمكن سكان بلاد الرافدين من اختراع أقدم وسيلة للتدوين معروفة حتى الآن وهي الكتابة الصورية التي تم تطويرها بعد ذلك إلى الشكل المسماري وبذلك عبر الإنسان من مرحلة ما قبل التاريخ إلى العصور التاريخية .

حضارة جمدة نصر حدود 3000 إلى 2900 قبل الميلاد

تعد حضارة جمدة نصر أخر حضارات ما قبل التاريخ حيث ارتبطت بتطورات على درجة عالية من الأهمية أهمها تطور الكتابة ومرورها بعدة مراحل حتى استوت بالشكل المقطعي إضافة إلى استمرار بناء المعابد التي استخدمت مادة الطابوق وتطور صناعة الأختام الاسطوانية والعثور على أرقى نماذج النحت العالمية كراس الفتاة من الوركاء والإناء النذري ، وقد انتشرت حضارة جمدة نصر إلى معظم أرجاء العالم المعروف آنذاك بما في ذلك مصر وبخصوص سوريا استمر التأثير العراقي ماثلا خلال هذا العصر من خلال وصول الكتابة إلى تل براك إضافة إلى نماذج النحت والفخار وصناعة الأختام الاسطوانية والعمارة [22] .

(2)           صلات العراق مع بلاد الشام في العصور التاريخية

أطلق على العصور التي تلت ابتكار الكتابة  اسم العصور التاريخية لأنه أصبح بالإمكان معرفة تاريخ الشعوب استنادا إلى النصوص المدونة ، وتعد سومر المكان الذي نشا فيه هذا التحول الحضاري الكبير ثم انتشر منها إلى الشعوب الأخرى [23] إذ بدا استخدام الكتابة يتوسع ليغطي شتى مجالات الحياة ، وفي هذه الفترة ظهرت ما يعرف بدول المدن السومرية التي توزع نفوذها على معظم جنوب العراق وقد انقسم هذا العصر إلى ثلاث حقب هي :

(1)     عصر فجر السلالات الأول ويحدد البعض زمنه ما بين 3000 أو 2900  و 2700 قبل الميلاد ، وفي هذا العصر تطورت الحياة في سومر في شتى المجالات الاقتصادية والعلمية والفنية والثقافية والسياسية  وتوزع حكم البلاد بين ثلاث سلالات هي السلالات الأولى في كيش وأوروك وأور .
(2)     عصر فجر السلالات الثاني ما بين 2700 و2550 قبل الميلاد ، وفي هذا العصر حصل حكمت جملة من السلالات الجديدة أبرزها السلالات الثانية في كيش وأوروك وأور إضافة إلى سلالات أخرى  .
(3)      عصر فجر السلالات الثالث ما بين 2550 و2350 قبل الميلاد ، وفي هذا العصر احتكت دول المدن السومرية بدول المدن الشامية وأبرزها ماري و ايبلا ، ومن اجل معرفة أحوال بلاد الشام في هذا العصر سنتناول تاريخ هاتين المدينتين كل على انفراد .


ماري

وتقع أطلالها في البوكمال على الطرف السوري من الحدود العراقية السورية ، وهي من الناحية الحضارية جزء من تاريخ بلاد الرافدين حكمت فيها سلالة حاكمة تمكنت من التدخل في شؤون بلاد سومر خلال عصر فجر السلالات الثالث وكان لها الغلبة أحيانا ولكنها في أحيان أخرى كانت تتعرض للهزيمة وقد كانت لها علاقات حربية وتجارية مع المدينة الشامية الأخرى ايبلا ، وقد كشفت بعثات التنقيب عن تماثيل ولقى أثرية اتسمت بالسمات السومرية ما يدل على تأثر المدينة الكبير بالحضارة السومرية  على الرغم من أن معظم سكانها من الساميين [24] ، وقد خضعت ماري لحكم لوكال زاكيزي ملك اوما وأوروك الذي  فرض سيادة سومر على كل البلدان من البحر الأعلى إلى البحر الأسفل كما يقول هو في النص " عندما أعطى انليل ملك البلدان كلها ملوكية البلاد إلى لوكال زاكيزي فقد وجه إليه أنظار البلاد كلها من شرقها إلى غربها واخضع جميع الناس من البحر الأعلى على امتداد دجلة والفرات إلى البحر الأسفل ... " [25] .

ايبلا

وتقع أطلالها في تل مرديخ جنوب مدينة حلب حيث أثبتت التحريات الأثرية في هذا الموقع وجود حضارة متميزة في هذه المدينة يعود تاريخ ازدهارها  إلى الفترة من 2350 إلى 2250 قبل الميلاد    ، تميزت بمكانتها الزراعية المتميزة حيث اشتهرت بزراعة الكروم والحبوب والتين والزيتون كما امتازت بصناعة الأثاث والملابس وصدرتهما ، أما سكانها فيغلب عليهم الطابع السامي حيث يتكلمون لغة لها صلة بالشعوب السامية وهي اقرب ما يكون إلى الاكدية  ناهيك عن أن 80 بالمائة من مفردات لغتهم تعود لأصول سومرية ما يعني خضوع المدينة للتأثير الحضاري السومري ، ابرز ما تميزت به أرشيفها الملكي الذي يحوي آلاف النصوص المسمارية والذي قدم لنا بعد حل رموز لغتها معلومات وافية عن ذلك العصر ، حيث كشف لنا عن صلات ايبلا التجارية والحضارية لا سيما مع بلاد الرافدين حيث هناك تشابه كبير في نمط الحياة والأدب والديانة واللغة ... الخ وفي ما يتعلق بالديانة يحوي البانثيون الديني لماري آلهة سومرية شهيرة كانليل وعشتار ونركال وغيرها ، وقد أبرزت لنا النصوص أن ايبلا عرفت نموذج المدرسة الشائع في بلاد سومر حيث كانت مدارس ماري على صلات وثيقة بمدارس العراق القديم لا سيما مدارس فارة وأبو الصلابيخ والوركاء ، ومما يدل على هذه الصلات أن احد الأساتذة السومريين واسمه ( أشما – يا ) وضع كتيبا في مادة الرياضيات وهو يزور ايبلا وهو من مدينة كيش الرافدينية [26] ، وقد وصل التأثير السومري حد تسمية موظفي المدينة بتسميات سومرية حيث يسمى الملك ب لوكال وديكو القاضي وأب – أب موظف أدنى درجة ... الخ  [27] كما عثر على أقدم معجم لغوي في العالم وهو معجم يعطي ألفاظ ايبلاوية وما يقابلها بالغة السومرية  .
من ملوك المدينة اركب دامو ودار ايتوم  ودينار – دجن  الذي كان معاصرا لملك ماري أيلول أيل حيث انتصر ملك ايبلا [28] ، ثم يلي ذلك ملكان آخران هما ابر يوم الذي ربما كان معاصرا ل شارو – كين ( سرجون ) ملك أكد وابنه دوبوكو – اداد الذي دحرت المدينة في عهده على يد نارام – سن الاكدي [29].

بلاد الشام تحت الحكم الاكدي

شهدت بلاد سومر ظهور قائد أكدي الأصل سومري النشأة والتربية هو شارو – كين ( سرجون ) الذي تمكن من توحيد دول المدن السومرية  بعد هزيمته للملك لوكال زاكيزي الذي اشرنا إليه في الصفحات السابقة ، ولم يكتفي شارو كين بالسيطرة على بلاد سومر بل قام بفتوحات واسعة شملت معظم أرجاء العالم المعروف آنذاك ، حيث سيطر على عيلام في الشرق ودلمون وميلوخا في الجنوب وكبادوكيا في الشمال أي في الأناضول إضافة إلى المدن الواقعة على الفرات وصولا إلى غابات الأرز في لبنان [30] ، وقد أشارت نصوص سرجون إلى سيطرته على ماري وايبلا إلا أن المرجح أن حكمه لم يستقر فيهما بدليل اضطرار حفيده نارام سن إلى إعادة فتحهما حيث سقطت السلالة الحاكمة في ايبلا في حدود 2250 قبل الميلاد [31] ، ومن المرجح أن الحكم الاكدي استمر إلى نهايته على يد الكوتيين بعد ذلك بمائة سنة ، ولا يعرف بالضبط ماذا حصل بعد ذلك إلا أن من المرجح أن بلاد الشام ربما عادت إلى الانقسام من جديد تحت حكم مدن معينة كما هو الحال في العصر السابق .

بلاد الشام تحت حكم سلالة أور الثالثة

سيطر الكوتيين الجبليين على أجزاء من بلاد الرافدين لمدة طويلة حتى انبرى احد قادة سومر وهو اوتو حيكال ملك أوروك الذي تمكن  من جمع القوة اللازمة لهزيمتهم وطردهم خارج البلاد ، إلا أن حكمه لم يستمر طويلا فتولى الحكم من بعده  حاكم أور ( أور نمو ) الذي استطاع توحيد البلاد وإخضاع الكوتيين ومن ثم القيام بفتوحات جديدة امتدت على حد قول احد النصوص من البحر الأسفل إلى البحر الأعلى [32] أي انه ضم معظم بلاد الشام على عادة الملوك الاكديين ، وللأسف لا توجد تفاصيل عن فتوحاته في هذا الجانب ، كذلك بقيت بلاد الشام خاضعة لحكم سلالة أور الثالثة في عهد حكم الملك شولكي ابن اور - نمو  والملوك الآخرين ما يعني استمرار التأثير الحضاري الرافديني ، إلا أن بلاد الشام التي غدت إقليما تابعا لسلالة أور الثالثة كانت السبب على ما يبدو في سقوط السلالة ذاتها بعد أن قدم إليها الاموريون والكنعانيون الذي يرجح كثيرا أنهم من الأقوام الجزرية ، وبعد سيطرتهم على بلاد الشام بدا تدفقهم باتجاه العراق ولم ينفع السور الذي وضع لصدهم في منع تغلغلهم في البلاد وإقامة سلالات حاكمة في بعض مناطق العراق ، وقد سبب تدخلهم اضطراب الأحوال في البلاد فاستقل حكام المقاطعات في مناطقهم واخذ كل طرف يعمل بمفرده ، وقد انتهز العيلاميون هذه الفرصة فهاجموا أور وقضوا نهائيا على سلالتها الحاكمة فكان هذا إيذانا بنهاية الوجود السياسي للسومريين [33]


الخاتمة  

وهكذا يتبين لنا ما يلي :

(1)    أن بلاد الشام كانت من أهم المراكز التي لها علاقات سياسية وحضارية واقتصادية واجتماعية مع بلاد الرافدين حيث بدأت هذه العلاقات منذ عصور موغلة في القدم .
(2)       كان للعراق وبلاد الشام دور بارز في إحداث الانقلاب الزراعي الذي ساهم في تغيير نمط الحياة البشرية  بغض النظر عن ايا منهما سبق الآخر في هذا الانقلاب لان الفارق في الزمن ليس كبيرا وربما ليس مهما أيضا .
(3)   أصبحت بلاد الشام خاضعة للتأثير الحضاري القادم من بلاد الرافديني منذ العصر الحجري الحديث واستمر هذا التأثير قائما خلال الأدوار الحضارية التالية حسونة وسامراء وحلف والعبيد والوركاء وجمدة نصر .
(4)      في العصور التاريخية برزت في بلاد الشام مراكز سياسية مهمة مثل ماري وايبلا كانت لها علاقات وثيقة بحضارة بلاد الرافدين ومراكزها السياسية القائمة آنذاك .
(5)     خضعت بلاد الشام لحكم الإمبراطورية الاكدية التي قامت في بلاد الرافدين على أنقاض حكم دول المدن السومرية .
(6)      بعد سيطرة سلالة أور الثالثة على مقاليد الحكم في بلاد الرافدين مدت نفوذها على بلاد الشام وبقي هذا النفوذ قائما إلى مجيء الكنعانيين والاموريين الذين انقضوا على المراكز الحضارية القائمة والعائدة إلى سلالة أور الثالثة  قبل الإطاحة بحكمها نهائيا .
  

[1] . طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ج 1 ، الطبعة  الثانية ، ( بغداد ، 1986 ) ، ص 163 – 203 
[2]  . طه باقر ، مقدمة  ، ص 182- 183 
[3] . عبد اللطيف احمد علي ، محاضرات في تاريخ الشرق الأدنى القديم ، ( بيروت ، دت ) ، ص 61
[4] . يمكن حصر أهم مكتشفات الإنسان خلال عصور ما قبل التاريخ بالاتي : (1) اختراع الكلام و اللغة  (2) اكتشاف النار  (3) اكتشاف الزراعة  (4) اختراع الدين  (5) اختراع الكتابة  (6) نشوء الدولة
[5] . عبد الفتاح وهيبة ، مصر والعالم القديم ، ( بيروت ، 1971 ) ، ص 125 – 126
[6] . عبد الحكيم الذنون ، تاريخ الشام القديم  ، ( دمشق ، 1999 ) ، ص 43 – 45
[7] . المصدر نفسه ، ص 41
[8] . المصدر نفسه ، ص 61 – 62
[9]  . المصدر نفسه ، ص 65
[10]  . عبد اللطيف احمد علي ، المصدر السابق ، ص 75
[11]  . سامي سعيد الأحمد ، تاريخ فلسطين القديم  ، ( بغداد ، 1979 ) ، ص 61
[12]  . المصدر نفسه ، ص 72
[13]  . رشيد الناضوري ، جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا ، ( بيروت ، 1968 ) ، ص 163 
[14] . عبد اللطيف احمد علي ، المصدر السابق  ، ص 75
[15] . المصدر نفسه ، ص 78
[16] . طه باقر ، مقدمة ، ص 218
[17]  . طه باقر ، مقدمة ، ص 220 – 221
[18]  . عبد اللطيف احمد علي ، المصدر نفسه  ، ص 89
[19] . أطلق الدكتور احمد سوسة رأيا حول أصل حضارة العبيد معتبرا هذه الحضارة جزءا من حضارة  العرب القديمة التي انبثقت من جزيرة العرب وان أصحابها من قاطني سوريا ، للمزيد حول هذا الرأي انظر : احمد سوسة ، تاريخ حضارة وادي الرافدين ، ج 1 ،    (  بغداد ، دت ) ، ص 140 
[20]  . طه باقر ، مقدمة ، ص  228
[21] . احمد سوسة ، المصدر نفسه ، ص  401
[22]  . نعيم فرج ، موجز تاريخ الشرق الأدنى القديم  ، ( دمشق ، دت ) ، ص 23
[23]  . طه باقر ، مقدمة ، ص 248
[24]  . طه باقر ، مقدمة ، ص 312 – 313
[25]  . فاضل عبد الواحد علي ، سومر أسطورة وملحمة ، ( بغداد ، 2000 ) ، ص 67
[26] . عبد الحكيم ذو النون ، المصدر السابق ، ص 104 
[27]  . المصدر نفسه ، ص 108
[28] . المصدر نفسه ، ص 106
[29]  . المصدر نفسه ،  ص 80
[30]  . طه باقر ، مقدمة ، ص 365
[31] . عبد الحكيم ذو النون ، المصدر السابق ، ص 97
[32]  . طه باقر ، مقدمة ، ص 383
[33] . للمزيد من الملومات حول هذه الأحداث ، انظر : طه باقر ، مقدمة ، ص 393 -  396

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969