الجمعة، 6 يوليو، 2012

الفقر لغة ودلالة في العراق القديم

باسم محمد حبيب
1-   الفقر في لغات العراق القديم
يعد الفقر من الظواهر التي لا يخلوا منها اي مجتمع بشري وقد عرفه مجتمع العراقي القديم اسوة بمجتمعات العالم الاخرى وكانت له وقفة معه بهدف التعرف على الاسباب التي تدفع الفرد إلى
الوقوع تحت طائلة الفقر او الحصول على الغنى مع معاينة السبل التي تمكن الفرد من تلافي الوقوع في حبائل الفقر او الوصول إلى الغنى ، ومن الالفاظ التي استخدمت للدلالة على شخص فقير اللفظة السومرية  (luUKU2 ) ( luNI – NU – TUK )   تقابلها لفظة (Lapnu )  الاكدية [1] ، وتعني لفظة (maku ) السومرية الفقير المعدم وقد بقيت هذه اللفظة لتدل على الانعدام في لغتنا العامية الحديثة ، وتدل لفظة (Muskenutu) على التحول إلى الفقر فتأتي بمعنى اصبح فقيرا [2] ، ومن الالفاظ الاخرى التي تستعمل للاشارة إلى شخص غني اللفظة السومرية (luNI – TUK) تقابلها لفظة (Saru) الاكدية [3] ، وتعطي لفظة (NI – TUK) السومرية معنى الثروة واحيانا تعطي معنى شخص غني تقابلها اللفظة الاكدية (Ma – esaru   ) [4] .
اما الالفاظ الاخرى التي يمكن ان نستدل منها على الفقر والفقراء فلدينا طائفة متنوعة من الالفاظ كلفظة  (  lu Hun – GA ) ( ERIN2 – HUN – GA )  GAR ) LU A –) التي تعطي معنى الاجير الذي يعمل بأجر يومي تقابلها لفظة ( Agru) الاكدية [5] ، وفي الغالب يعد الاشخاص من صنف الخدم من طبقة الفقراء وتوجد الكثير من الالفاظ التي توصف بها هذه الشريحة من الناس من بينها لفظة( SAG – GEME2 – IR ) ( GEME2 – (-Sag)- IR ) ) السومرية ومقابلتها لفظة (Astapiru) الاكدية حيث تعطي معنى الخدم [6] ، وهناك لفظة اخرى تعطي نفس المعنى هي لفظة ( E – II – e ) السومرية ومقابلتها لفظة (  Bitu – sanu) الاكدية [7] ، كذلك يعبر عن الخادم بلفظة  ( luSA – E – GAL ) تقابلها لفظة (Ekallu) الاكدية [8] ، كذلك يعبر عن الخادمة بلفظة ( MUNUZ - (TUR تقابلها اللفظة الاكدية Sehertu)) وعن الخادم بلفظة (luTUR) تقابلها لفظة (suharu) الاكدية [9] ، وهناك اللفظة الاكدية (Bel – ade     ) التي تعطي معنى خادم او تابع او مرتبط [10] ، كذلك تستعمل لفظة ( ERUM) السومرية لتدل على عبد أو موظف أو خادم ثانوي أو تابع من الرعايا تقابلها لفظة (Ardu / wardu/bardu) الاكدية ، ومن الالفاظ الاخرى التي تعطي معنى عبد القصر او موظف القصر لفظة   ARAD E – GAL) ) السومرية تقابلها لفظة (Arad ekalli) الاكدية ، كذلك يشار إلى عبد القصر باللفظة السومرية ( lu – ARAD – E ) تقابلها اللفظة الاكدية (Arad ekallutu) [11] ، ويصنف المسكين في الغالب ضمن طائفة الفقراء وتطلق عليه اللفظة السومرية    ( MAS – EN – KAK , MAS – KAK – EN )  تقابلها لفظة Muskenu)) الاكدية [12] ، كذلك الايتام يعدون من ضمن طبقة الفقراء حيث يشار لليتيم بلفظة ( NU – SIG ) السومرية تقابلها لفظة  Eku( ?)الاكدية فيما يشار لليتيمة بلفظة ( NU – SIG ) السومرية تقابلها لفظة (Ekutu) الاكدية والتي تعطي ايضا معنى امرأة ساقطة [13] ، وهناك طائفة اخرى من الالفاظ يمكن ان يستدل منها على طائفة الفقراء كالالفاظ التي تدل على العبيد والمزارعين والعمال وغيرهم ولكننا تركنا الاشارة إليهم هنا لاننا سنتناولهم في مواضع اخرى لا سيما عند الاشارة لاصناف الفقراء .
2-   الفقر اصطلاحا في العراق القديم
من اوصاف الفقر المعروفة في كل مكان العوز وعدم القدرة على توفير مستلزمات الحياة ومن ضمن ذلك لقمة العيش ناهيك عن الضعف والوقوع تحت سطوة الاقوياء من الاغنياء والمتنفذين ، ولو قارنا اوصاف الفقر هذه مع اوصاف الفقر في العراق القديم لوجدناها متطابقة تماما الامر الذي يدلنا على ان للفقر شكل واحد وانه يعطي الوصف نفسه في كل مكان مع الاختلاف في تفاصيل معينة لها علاقة بالظروف التي شهدها كل مجتمع ، وبالتالي فأن من أبرز سمات الفقر في العراق القديم :

أ – العوز
والمقصود بالعوز عدم توفر الكثير من مستلزمات الحياة الكريمة فأذا امتلكوا شيئا ما عدموا شيئا آخر وإذا اشبعت لهم حاجة نقصوا حاجة اخرى ، كما اشار إلى ذلك المثل العراقي القديم الذي يقول " اولى بالفقير ان يموت فأنه ان حصل على الخبز عدم المأوى وإذا كان عنده ملح عدم الخبز وإذا كان له بيت عدم الفراش " [14] .
ب – الضعف والوقوع تحت سطوة الاقوياء والمتنفذين
يعاني الفقير دائما من الضعف والحاجة إلى الآخرين فقد ورد في الامثال العراقية القديمة ان " الفقر ليس له قوة " [15] وهو لا يملك السبل التي تمكنه من انتشال نفسه وعائلته من واقع الفقر الذي يعيشونه يقول المثل العراقي القديم " يحصل القوي على عيشه بقوة ساعده لكن الضعيف يبيع اولاده " [16]، ويؤدي الفقر إلى القبول بالواقع الذي يعيشه الفقير معتقدا انه شيء مقدر عليه يقول المثل العراقي القديم " الفقراء هم الصامتون وحدهم في بلاد سومر" [17] ، لكن هذا لا يعني ان الامر بقي هكذا دائما فقد كان للدين دوره في اشعار الفقير بوجود من يمكنه ان يساعده وان هناك قوى علوية بيدها مساعدته ، ففي نشيد مخصص لتمجيد الالهين لهار وانشان ورد ذكر الكثير من الاعمال التي قاما بها ومن بين ذلك انهما " اكثرا من نتاج الصناعات وملآ المخازن والاهراء وفي بيت الفقير المترب احلا الخير والنعيم انهما معا اينما حلا جلبا الوفرة والخير إلى البيت " [18] ، ومن التطورات السياسية التي ساهمت في الارتقاء بأوضاع الفقراء وربما ساهمت في ابراز ما للفقراء من حق ثورة اوروانمكينا في لكش منتصف الالف الثالث قبل الميلاد حيث قام هذا المصلح الكبير بأصلاحات هامة كان للفقراء نصيب فيها ، فقد ورد في وثيقته ان الفقراء كانوا " يضطرون إلى بيع حميرهم وبيوتهم بأسعار زهيدة خلافا لارادتهم وكان المعوزون والفقراء والايتام والارامل يعاملون معاملة سيئة ويحرمون من القليل الذي يملكونه من قبل اصحاب السلطة والنفوذ " [19] .

ج –   الفقر شر من الشرور 
ينظر العراقي القديم إلى الفقر على انه شر من الشرور التي تصيب الانسان ، وبالتالي فأن الشخص الذي يتخلص من الفقر ويحصل على الغنى ينظر له في الغالب على انه شخص مبارك ومحظوظ يقول المثل العراقي القديم " الغنى صعب مجيؤه اما الفقر فهو في اليد دائما " وايضا المثل الذي يقول " الغنى كالطير له اجنحة قد لا يجد اين يستقر " ، ولذلك لا يمكن ان يعول على المال والثروة فهما زائلان يقول المثل العراقي القديم " سندك هو ليس ثروتك انما إلهك " وايضا المثل الذي يقول " من لا يفكر بأستمرار المال فهو حقا حكيم " [20] ، كما يمكن للفقر ان يدفع الانسان إلى اقتراف الشرور يقول المثل العراقي القديم " الجائع يقتحم البناية حتى لو كانت مبنية من الطابوق المفخور " [21] .



[1] . رينيه لابات ، قاموس العلامات المسمارية ، ترجمة : البير ابونا و وليد الجادر و خالد سالم اسماعيل ، ( بغداد ، 2004 ) ، ص 353 .
[2] . عامر سليمان وآخرون ، المعجم الاكدي ، ( بغداد ، 1999 ) ، ص 80 .
[3] . رينيه لابات ، قاموس العلامات المسمارية ، ص 392 .
[4] . المصدر نفسه ، ص 359 .
[5] . المصدر نفسه ، ص 309 .
[6] . المصدر نفسه ، ص 316 .
[7] . المصدر نفسه ، ص 321 .
[8] . المصدر نفسه ، ص 326 .
[9] . المصدر نفسه ، ص 387 .
[10] . عامر سليمان وآخرون ، المعجم الاكدي ،ص 57 .
[11] . المصدر نفسه ، ص 58 .
[12] . رينيه لابات ، قاموس العلامات المسمارية ، ص 363 .
[13] . المصدر نفسه ، ص 326 .
[14] . طه باقر ، مقدمة في ادب العراق القديم ، الطبعة لشركة بيت الوراق المحدودة 2010 ، ص 197 .

[15] . صلاح سلمان رميض الجبوري ، ادب الحكمة في وادي الرافدين  ، ( بغداد ، 2000 ) ، ص 101
[16] . طه باقر ، مقدمة في ادب العراق القديم ، ص 197 .
[17] . المصدر نفسه ، ص 198 .
[18] . طه باقر و بشير فرنسيس ، نصوص في الادب العراقي القديم (2) – الخليقة واصل الوجود ، دراسات وبحوث طه باقر المنشورة في مجلة سومر ، اعداد : حيدر قاسم التميمي ، ( بغداد ، 2009 ) ، ص 528 .
[19] . صاموئيل كريمر ، السومريون : احوالهم – عاداتهم – تقاليدهم ، ترجمة : فيصل الوائلي ، الكويت ، ص 110
[20] . صلاح سلمان رميض الجبوري ، ادب الحكمة في وادي الرافدين ، ص 102 .
[21] . المصدر نفسه ، ص 101 .

هناك 3 تعليقات:

د. عامر الجميلي يقول...

شكرا اخي باسم ، معلومات قيّمة ومفيدة ، لكن فاتك كذلك أن تذكر لفظة ( ماكو MAKU ) التي تعني (بالسومريّة) : الفقير المعدم الذي لا يملك شيئاً ، وتسرّبت فيما بعد إلى لهجتنا العامية العراقية : ( أكو ، ماكو ) للدلالة على الوجود وعدمه ) ، تحياتي .

د. عامر الجميلي يقول...

حتى اللفظة السومرية (كوروش GURUSH ) التي كانت تطلق على (العمّال والاجراء والكسبة) ، لها دلالة لغوية اخرى من بين معانيها : ( الفقير )

باسم محمد حبيب يقول...

شكرا للاخ الدكتور عامر الجميلي على المعلومات القيمة التي افادتني كثيرا .

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969