الاثنين، 2 يوليو، 2012

ماركس وقوة (رأس المال)

باسم محمد حبيب
الصباح العراقية  2 تموز 2012 
لماركس اهمية كبيرة في مسار الفكر الانساني ليس لكونه مؤسس الايديلوجية الشيوعية بل وكذلك لما احدثه من توسيع وتطوير في مضامين ورؤى الفلسفة ناهيك عن تأثير افكاره في المجالين السياسي والاجتماعي .ان اهم ما يميز فلسفة ماركس انها تعد امتدادا لما سبقها من فلسفات ناهيك عن ارتباطها بالتغيرات التي شهدها الواقع الاجتماعي فلم تبرز كحالة منفصلة عن ما سبقها او ما زامنها من افكار كما لم تخرج عن اطار ما شهده المجتمع من تطورات في شتى المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية .
فبإمكاننا مقارنة العناصر الاساسية لفكر ماركس مع بعض العناصر الفكرية لفلاسفة آخرين سبقوه أو زامنوه، ففي المجال الاقتصادي تبرز لنا اطروحات ( ريكاردو ) كأحد مصادر الفكر الاقتصادي لماركس، فمبدأ القيمة الماركسي مستقى من منطق نظرية ريكاردو في التكاليف النسبية اما الصراع الطبقي الذي عده ماركس جوهر الصراع البشري فقد تم ربطه بالجدل الهيغلي المعبر عنه بالفكرة التي تولد ضدها ثم ينشأ من خلال الصراع بين الفكرة وضدها مركب يجمع ما بين الفكرتين فمن شأن حالة الاستغلال التي تمارسها طبقة من الطبقات ضد طبقة اخرى ان تخلق مقاومة من الطبقة الاخرى ما يدفع إلى التوافق بين الطبقتين، وقد عد ماركس نوع الانتاج الاساسي الذي تتطور بواسطته الحياة الانسانية فيما يتفق ماركس مع (فيورباخ ) في ان الدين الذي هو حالة وجدانية ما هو إلا نتاج من الحياة وليس شيئا منفصلا عنها ما يعني ان الانسان بإمكانه ان يعيش بدون الاستناد إلى اعتقاد ديني بل والحصول على حياة افضل .
لكن على الرغم من وجود صلة بين افكار ماركس وافكار هؤلاء الفلاسفة فأن هذا لا يجعلنا نعد ماركس بأنه مجرد جامع للفلسفة بل هو جامع ورابط ومبدع إذا ما نظرنا إلى مجمل انتاجه الفلسفي وفيما يخص ماركس لا يمكن بأي حال تجاهل التأثير الذي احدثه تأليفه لكتاب ( رأس المال ) الذي يستحق ان يعد من بين اهم الكتب التي ألفها البشر فهذا الكتاب وان اعطى للعامل الاقتصادي الدور الاكبر في مسار الحياة البشرية وفي صناعة الحضارة إلا انه ومن جانب آخر قد قدم لنا تفسيرا جديدا وشاملا للتأريخ لم يتم طرحه من قبل الامر الذي جعل ماركس من ابرز مفسري الحركة التأريخية ومن اكثر من تناولها بدقة وشمولية .
ويعرض ماركس في كتابه (رأس المال) لدور العامل الاقتصادي في مسيرة التأريخ ومجرى الحياة البشرية حيث يمكن تقسيم موضوع الكتاب على وفق الاتي :
أولا : ان القيمة الحقيقية لكل سلعة يجب ان تكون مساوية للعمل المبذول في انتاجها ما يجعل من العامل المعيار الاساس في تحديد هذه القيمة بل وهو الاحق في ملكية السلعة بمعنى النظر إلى (رأس المال) كعنصر طفيلي في المعادلة الانتاجية .
ثانيا : ان النظام الرأسمالي يحرم العامل من جزء مهم من قيمة عمله وهو الجزء الذي يذهب إلى جيب صاحب رأس المال بدون ان يبذل جهدا مباشرا في العمل ما يعني ان ماركس ينظر إلى رأس المال على انه سرقة لجهد العامل وتطفل على معادلة الانتاج .
ثالثا : من شأن المنافسة الاقتصادية ان تزيد التعارض بين رأس المال والعمل لان هذه المنافسة بقدر ما تفرز رابحين تخرج خاسرين ايضا فيعمد الرابحين إلى زيادة ربحهم وينظم الخاسرين إلى طابور الفقراء والمعوزين الذين يمثلون ضحايا الاستغلال الرأسمالي .
رابعا : وبمرور الايام تضيق حلقة الرابحين بفعل عوامل شتى كانعدام فرص الانتاج وتلاشي الربح ناهيك عن  صيرورة جبهة عريضة مضادة مكونة من الطبقات المسحوقة لمواجهة الجشع الرأسمالي .
  ان قراءة متمعنة لهذه الرؤية التفسيرية سوف تبرز لنا جملة من التناقضات من اهمها انه على الرغم من الادلة التي تعرضها قراءة ماركس الاقتصادية إلا انه في الحقيقة يفشل في الالتفات إلى الناحية المتعارضة مع قراءته لان قيمة أي سلعة لا تقاس فقط بكمية العمل المبذول لانتاجها بل وبمدى الحاجة إليها في اوساط المستهلكين فقد يبذل عمل كبير لانتاج سلعة ما لكنها لا تجد اقبالا من المستهلكين فيما يبذل عمل اقل في انتاج سلعة تجد اقبالا من المستهلكين فتنخفض قيمة السلعة الاولى وتزداد قيمة السلعة الثانية .
كذلك لا يجوز عد رأس المال سرقة لجهد العامل لانه في اصله عمل مدخر فالاستهانة برأس المال هي استهانة بقيمة العمل نفسها فإذا كان من حق العامل الحصول على آجر مساو لقيمة السلعة مع الأخذ بالاعتبار نسبة عدد العمال إلى قيمة السلعة فأن من حقه أيضا ادخار جزء من الأجر لتوظيفه في مجال آخر وهذا المال المدخر لا يمكن عده سرقة لجهد مبذول وعندما يدخر هذا المال ثم يشارك في  عمل ما فأنه في حقيقته يمثل اتحادا بين عمل مدخر بصيغة رأس مال وعمل مبذول بصيغة جهد الأمر الذي يجعل كل منهما يستحقان اجر عملهما .
أن أولوية العامل المادي المفترضة من قبل ماركس هو في النهاية اكبر عقبة في وجه اكتمال المخطط الاقتصادي الذي افترضه ماركس للمسيرة البشرية فتوحد القوى العاملة يحتاج في جزء منه إلى جانب وجداني كما ان وصول الرأسماليين إلى اقتناع بعدم جدوى المنافسة الاقتصادية يتطلب تضافر العاملين المادي والوجداني وهو ما قد يصدق على الدين أيضا فالدين على الأرجح ليس اختراعا بشريا طارئا بقدر ما هو حاجة روحية تتطور مع الزمن فقد يتجاهل الإنسان مفاهيم دينية معينة وقد يرفض شكلا من أشكال المطلق لكنه قد لا يمكنه تجاهل كل المفاهيم التي تنبع من الدين بما في ذلك أي نوع من أنواع المطلق .
وخلاصة القول نجح ماركس كما نجح غيره من المفكرين في اغناء الفلسفة الانسانية وفي تقديم تفسير شامل وعميق لمسيرة التأريخ واهم شيء مساهمته في  تحريك الواقع الاجتماعي والتفكير مليا بحقوق الطبقات الفقيرة  .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969