الأحد، 29 يوليو، 2012

اللعب بأعصاب العراقيين


باسم محمد حبيب
منذ بدأ الازمة السياسية قبل عدة اشهر ونحن نسمع نوعين من التصريحات من جانب الكتل السياسية المتورطة في هذه الازمة ، ما بين التصريحات المهددة بإنهاء الازمة بالوسائل القانونية والتصريحات الداعية لحلها بالوسائل السياسية .
فالكتل السياسية المناوئة لرئيس الحكومة اعلنت انها تعمل على سحب الثقة من الحكومة وإنها بصدد جمع التواقيع والأصوات اللازمة لذلك ، مؤكدة انها  تمارس حقا دستوريا تكفله الاعراف الديمقراطية ناهيك عن كونها أمرا ضروريا لاستمرار ونجاح العملية السياسية .
الكتل نفسها وبعد ان واجهت بعض العقبات السياسية والدستورية في اثناء حراكها نحو سحب الثقة صرحت برغبتها في استجواب رئيس الحكومة ، معتبرة ان الاستجواب يعد خطوة قانونية ضرورية لإكمال إجراءات سحب الثقة حتى تتماشى هذه الاجراءات مع الدستور و المنطق الذي يحكم العملية السياسية .
اما الكتل السياسية المؤيدة لرئيس الحكومة فقد كان موقفها البحث عن حل سياسي للازمة ، داعية إلى عقد اجتماع وطني يضم مختلف القوى السياسية العراقية بهدف رأب الصدوع بين هذه القوى وتقريب وجهات نظرها نشدانا للحل السياسي الامثل .
هذه الكتل نفسها وبعد ان فشلت في السير حثيثا نحو عقد الاجتماع الوطني صرحت بعد ذلك برغبتها في الاصلاح السياسي الذي يشمل مختلف جوانب العملية السياسية ، معتبرة ان هذا الاصلاح سيكون الحل الاخير قبل اللجوء إلى خيار إجراء انتخابات مبكرة قد تساعد على حلحلة الازمة بعد ان تتغير الخارطة  السياسية للقوى الفائزة .
وعلى الرغم من ان هذه التصريحات تبدوا متتابعة او مرتبطة بتغييرات في النهج الذي تتبعه القوى السياسية إلا ان الامر ليس كذلك في الواقع ، فقد نفاجأ بتحول كتلة سياسية إلى هذا الطرف وأخرى إلى الطرف الآخر او قد نلحظ تغيرا في وجهات النظر في لحظة من اللحظات ، هذا ناهيك عن التصريحات التي تشتد وتيرتها احيانا وتضعف احيانا اخرى فضلا عن اشتدادها وخفتها تبعا للظروف السياسية .
وبالتالي تشهد العملية السياسية ما يشبه المراوحة في مكان واحد إذ لا توجه حقيقي باتجاه الحل القانوني ولا حراك واضح باتجاه الحل السياسي ، ما يؤدي إلى تصاعد الازمات واستفحال المشاكل في الواقع العراقي المأزوم ناهيك عما يسببه ذلك من التأثير بأعصاب العراقيين وثقتهم بإمكانية نجاح العملية السياسية .


الخميس، 26 يوليو، 2012

الفاظ التمييز و العنصريه في المجتمع العراقي


باسم محمد حبيب
المدى العراقية / 26 تموز 2012 

تشيع في الوسط الاجتماعي العراقي العديد من الالفاظ التي لها علاقة بالإرث العنصري وعهود الاستلاب والانحطاط التي شهدها المجتمع العراقي ، وعلى الرغم من ان هذه الالفاظ ذات تأثير عميق في البنية الاجتماعية العراقية ناهيك عما خلفته من ندوب في البنية القيميه للمجتمع العراقي إلا ان الملاحظ ان هناك تباين في النظر إلى مخلفاتها وتأثيرها العام ، ففي حين يرى البعض ان هذه الالفاظ اما انها غابت كليا عن المسرح الاجتماعي او لم يعد لها تلك الفاعلية القديمة يرى البعض الآخر ان وجودها وتأثيرها مازال فاعلا وملموسا وان خفت حدته بعض الشيء ، ولذلك برزت لدينا نظرتان احداهما لا تعطي اهمية لوجود هذه الالفاظ او تأثيرها الاجتماعي والأخرى تنظر لها على انها واحدة من العلل التي مازال يعاني منها المجتمع بشكل عام ولها التأثير الخطير على بنيته وعلاقاته وقيمه ، الامر الذي يتطلب وضع حلول ومعالجات لمواجهة ما تخلفه هذه الالفاظ من ندوب اجتماعية و تشوهات قيميه خطيرة ، ما يستدعي العمل على تفعيل دور المؤسسات والفعاليات الوطنية المختلفة سواء السياسية منها او الدينية او الثقافية او التربوية وغيرها .
اما اهم هذه الالفاظ فهي :
1-   الشروكية
وهي لفظة تصغيرية يتم اطلاقها من قبل سكان المناطق الشمالية والغربية من العراق على سكان المناطق الوسطى والجنوبية ، وقد اختلفت الآراء في اصولها : فأحدى هذه الآراء ترى انها مأخوذة من لفظة (الشرق) الجغرافية وبالتالي فهي تحوير للفظة (الشرقيين) اي السكان القاطنين في ناحية الشرق من العراق ، إلا ان نقطة الضعف في هذا الرأي انه لا يوجد ما يقابل هذه اللفظة في القاموس الاجتماعي اي لفظة يشار بها لسكان المناطق الغربية من البلد ناهيك عن تناقض ذلك مع دلالتها الدونية والتصغيرية ، فيما يرى رأي آخر انها مأخوذة من لفظة ( شارو – كي ) الاكدية التي تعني ملك الارض او مالك الارض ، وهي على ما يبدو من نتاج الاحتكاك بين اهل البادية وسكان السهل حيث يطلق سكان البادية من سكنة نواحي الفرات على المزارعين من سكان السهل ( نواحي دجلة ) هذا اللقب الذي يعني مالكي الارض او سكان البلد الاصليين ، وإذا ما اخذنا بهذا الرأي فأن هذه اللفظة لم تكن في الاصل ذات دلالة اجتماعية تصغيرية بل ذات دلالة اقتصادية وحسب ثم جرى تحويرها  بعد ان تحولت السيادة في المنطقة للقبائل البدوية خلال فترة تراجع المدنية ما بعد العصر العباسي .   
2-   الحياج
وهي لفظة يراد بها الناس الذين يمتهنون مهنة الحياكة وهي على ما ذات علاقة بمفهوم (العنصرية الجنسية) اي الموروث المناهض للمرأة عند السكان غير الحضريين ، فيجري مقارنة عمل هذه المجموعة من الناس بعمل النساء نظرا لملازمتهم للبيوت الامر الذي ولد هذه النظرة التصغيرية ذات الجذور البدوية ، وعلى الرغم من ان البدو يحتقرون المهن بشكل عام إلا انه تم تمييز مهنة الحياكة للسبب مار الذكر وهو ما يتناقض مع القيم المدنية التي تحترم العمل وتعيب الكسل .
3-   الحساوية
وهي لفظة اريد بها الفلاحون من زارعي الخضرة ، وهنا نلاحظ نوعا من التمييز بين الفلاح زارع الحبوب والفلاح زارع الخضرة الامر الذي يثير التساؤل عن سبب هذا التمييز وعلاقته بالقيم البدوية ، إذ ان المعروف ان البدو يعيبون الزراعة بشكل عام ولا يميزون في الغالب بين زارع الحبوب وزارع الخضرة ، إذن ما هو اصل هذا التمييز ؟ وللاجابة على ذلك لا بد ان نربط ما بين هذا النوع من التمييز ولفظة ( الحساوي ) التي يرجح انها اطلقت على المهاجرين إلى جنوب العراق من منطقة الاحساء وغالبتهم من الشيعة ، فبعد تعرض الاحساء للغزوات الوهابية اخذ هؤلاء بالهجرة نحو الشمال طلبا للامان ، وعندما وصلوا إلى جنوب العراق عملوا مزارعين لدى سادة القبائل واغلبهم من السنة ، ولذلك اطلقوا عليهم لفظة الحساوي التي تحمل دلالتين مكانية بمعنى ابن الاحساء ومذهبية بمعنى المخالف ثم انزاحت الدلالة باتجاه نمط الانتاج بعد تشيع غالبية القبائل في جنوب العراق ، اي ان القبائل احتفظت بنظرتها التصغيرية اتجاه الحساوية لتعطيها طابعا اقتصاديا ذات علاقة بنمط الجماعة الاقتصادي وتميزهم بزراعة الخضروات .
4-   المعدان
وهو اسم يطلق على مربي الجاموس في جنوب العراق والذي يقطن اغلبهم منطقة الاهوار لأسباب لها علاقة بنمطهم الاقتصادي ، و على الرغم من تعدد الآراء بشأن اصل هذه اللفظة إلا ان المرجح علاقتها  بظروفهم الاجتماعية والمعاشية ، وقد تكون مأخوذة من لفظة ( المعادي ) التي ربما ارتبطت بواقع العداء الذي كان سائدا في بعض الفترات التأريخية ، اما سبب ما يواجهوه من تمييز اجتماعي فيرى البعض ان له علاقة بانعزالهم وتربيتهم للجاموس واعتمادهم على النسوة في بيع منتوجاتهم ، فيما يرى آخرون ان له علاقة بالصراع الذي كان دائم الحصول بين المجموعات السكانية القاطنة في جنوب العراق ، ويبدو ان لعداء المعدان للدول الحاكمة في المنطقة تأثيره المباشر او غير المباشر على نظرة الناس تجاههم ، فقد كان المعدان او سكان الاهوار دائمي العصيان ضد الحكومات المسيطرة على البلد وكانوا في غالب الاحيان يواجهون حملات عدوانية ضدهم تتسم بأقسى اشكال البطش والقسوة ، الامر الذي جعلهم في حالة عداء مع محيطهم وما يجاورهم من مجموعات سكانية .
5-   العوام
وهو اسم يطلق على غير المنتسبين لسلالة الرسول محمد ( ص ) حيث يجري تمييز هؤلاء عن المجموعة الاخرى التي تسمى مجموعة ( السادة ) اي المنتسبين لسلالة الرسول ولفظة العوام معروفة لغويا بأنها عكس لفظة ( خواص ) فيقال هؤلاء خواص الناس بمعنى نخبتهم وأولئك عوام الناس الآخرين عمومهم أي الذين لا يتميزون بما يتميز به النخبة وعلى الرغم مما يحمله هذا المعنى من طابع موضوعي إلا انه وبفعل الاستخدام العنصري اخذ يحمل طابعا آخر له علاقة بالتقسيم العنصري للناس فأصبحت تسمية العوام مرادفة لمعنى الوضاعة والدونية وما إلى ذلك الامر الذي ربطها بالواقع العنصري السائد في مجتمعاتنا .
6-   العبيد
وهي من الالفاظ التي تعود بأصولها إلى الارث العبودي السابق إلا انها مازالت تستخدم للإشارة إلى مكون عراقي مهم يضم العراقيين من اصحاب البشرة السمراء ، وعلى الرغم من تلاشي ظاهرة العبودية وزوال وجودها من الناحية القانونية إلا ان وجودها بشكل عام لم ينعدم تماما ، ويكاد نجد لها حضورا في بعض الجوانب الاجتماعية سواء من خلال استمرار استخدام هذه التسمية عند اشارة إلى هذا المكون السكاني او من خلال بقاء بعض العادات والسلوكيات المتخلفة عن الارث العبودي السابق ، بما في ذلك احتفاظ  فئة من الناس بعلاقاتها العبودية السابقة بمنظومة القيم والعادات المرتبطة بها بما في ذلك العادات التي تنتهك مبدأ المساواة بين البشر  .  
  وهناك الفاظ اخرى اما انها قد فقدت مفعولها الاجتماعي واما انها اكثر محلية من ان تعالج كأحدى الالفاظ التي يعاني منها المجتمع بشكل عام وبالتالي جرى تجاهلها لصالح ما نعتقدها الفاظا مازال لها مفعول اجتماعي ناهيك عما يرافقها من تأثير له علاقة بإشاعة التناقضات الاجتماعية والروح العنصرية بين افراد المجتمع العراقي الامر الذي يتطلب وقفة معالجة حقيقية .  
   

الأربعاء، 25 يوليو، 2012

وزارة الثقافة والمثقف العراقي


باسم محمد حبيب
الصباح العراقية / 25 تموز 2012 

لا اريد ان اتناول مهام وزارة الثقافة العراقية فهذه المهام – مهما كانت – مهمة وضرورية لتطوير الواقع العراقي لا سيما مع الدور الذي تمارسه الثقافة في تنظيم الحياة وتوسيع افق المعرفة وتوعية المجتمع بمتطلبات الحياة وحاجاتها وضروراتها ، وقد لا اغالي إذا قلت ان للثقافة مكان الريادة في هذا الشأن وأهميتها لا تدانيها اهمية اخرى ، فمن هنا نفهم المسؤولية الكبيرة التي تضطلع بها وزارة الثقافة لا سيما في واقع كالواقع العراقي .
ان الموضوع الذي اود ان اناقشه هنا وهو علاقة وزارة الثقافة بالمثقف اشكالي نوعا ما ، لان هناك رأيين : احدهما وهو الذي تتبناه الدول المتقدمة فيرى ان العلاقة لا يجب ان تكون مباشرة بين المثقف والمؤسسة الثقافية الرسمية حتى لا يؤثر احدهما على الآخر فيتحول المثقف إلى ما يشبه الموظف الذي يتقاضى اجرا لقاء دوره ومهامه الثقافية وهو امر فيه من الخطورة الشيء الكثير ، فخضوع المثقف لهيمنة المؤسسة الرسمية يجعله ابعد ما يكون عن التفاعل الصادق مع مجرى الاحداث أو مع الظواهر التي يشهدها المجتمع فيبرمج دوره وعمله بما لا يتقاطع مع اهداف ورؤى المؤسسة الثقافية الرسمية أي يكون بمثابة ذيلا لها  بحيث يتصرف على وفق اهوائها وبرامجها ، وفيما إذا حصل هذا فأن الضرر الذي ينتجه مثل هذا الامر لن يصيب المثقف وحسب بل وعموم الواقع الذي يعيش فيه و يتفاعل معه   .
اما الرأي الثاني فيرى عكس ذلك أي ان تكون هناك صلة قوية بين المثقف والمؤسسة الثقافية الرسمية لكي يكونا قادرين على التفاعل الايجابي مع واجباتهما ومهامهما ، وهذا الرأي في المجمل يكاد يكون قاصرا على البلدان النامية والمتخلفة ، وحجة اصحاب هذا الرأي ان المثقف في المجتمعات الاقل تطورا لا يمكنه ان يمارس دوره التثقيفي بدون وجود مؤسسات حاضنة وداعمة بسبب قلة الامكانيات ، وبما ان المؤسسات المستقلة نادرة في هذه المجتمعات أو غير موجودة  فليس هناك مناص من التعامل مع المؤسسات التابعة للدولة على ان يمارس المثقف دوره في اطار من الحرية الثقافية وأن تبذل المؤسسات كل ما في وسعها لتجنب التدخل المباشر في شؤون المثقف وفي طبيعة الدور الموكل له .
لقد تبنى العراق الرأي الثاني على اساس الواقع الذي يعيشه البلد والظروف الصعبة التي يمر بها لا سيما مع محاولة بناء واقع جديد يرتكز على قيم الحرية والديمقراطية الغير مستتبة في الواقع العراقي ، والعراق بصفته احد البلدان المتخلفة والتي تعاني من اشكالات اجتماعية وثقافية ودينية عميقة فأن تنظيم دور المثقف ووضعه في اطار هدف البناء الجديد سيكون امرا ضروريا على وفق هذا الرأي وإلا ربما سنجد (مثقفين ) يدفعون للفتنة والاحتراب أو يدفعون للتقوقع والانكفاء على الذات ! وبالتالي يمكن تبرير المكافآت التشجيعية التي تقدمها المؤسسة الرسمية للمثقفين من خلال منظمات وسيطة كنقابات الصحفيين والفنانين واتحاد الادباء والكتاب وغيرها .
لكن علينا ان ندرك ان عملا كهذا – على ضرورته – سيكون عاملا من عوامل انحدار دور الثقافة ومكانة المثقف ، وربما سيدفع لإنتاج واقع فيه الكثير من الشوائب والإشكالات الثقافية ناهيك عن انه لن يحقق إلا بعضا مما يعول عليه  في وضع الثقافة في خدمة البناء ، لان ضمان سيطرة مطلقة للمؤسسة الثقافية الرسمية على الواقع الثقافي العام لن يكون ممكنا بشكل تام او على المدى البعيد ، ففي كل الاحوال هناك اضرار قد تكون بحجم الاضرار التي يفرزها اتباعنا للرأي الاول الاكثر قيمة في نهاية المطاف .
ان اهمية دور المثقف يتطلب تعاملا خاصا من المؤسسة الثقافية الرسمية بحيث تتجنب هذه المؤسسة التدخل المباشر في شؤون المثقف وتحاول قدر الامكان التعامل معه بما يخدم الحركة الثقافية فتكون قادرة على أداء دور ناجح يضعها والمثقف في اطار خدمة الواقع الجديد ، لكن السؤال : كيف يتم ذلك ؟ وهل يمكن للمثقف ان يتخلص من تأثير المؤسسة الثقافية الرسمية التي تملك بيدها كل مفاتيح الشأن الثقافي ام اننا نطالب بشيء يفوق مقدرة الواقع العراقي على الاحتمال ؟
لا نريد ان نقول اننا نملك حل هذه المعضلة الصعبة لكن يمكن للمؤسسة الثقافية الرسمية ان تؤدي دورا اشرافيا معقولا في اطار دستور ثقافي يضعه المثقفون انفسهم ويخضع لاستفتاء خاص من قبلهم ، على ان يشمل هذا الدور إقامة فعاليات ثقافية داعمة لعملية البناء التي يجب ان يساهم بها المثقف بحكم الدور الذي يشغله في الواقع الاجتماعي ، وان تعمل المؤسسة الرسمية يدا بيد مع المثقف لوضع معالجات ناجحة تسهم في حل المشكلات التي يواجهها المجتمع ناهيك عن فعل كل ما من شأنه تذليل الصعوبات التي تواجه البناء الجديد .. هذا البناء الذي لا بد ان يكون للمثقف دور فيه حتى يكون قويا ومتينا .

الاثنين، 23 يوليو، 2012

استقبال اللاجئين السوريين واجب انساني

باسم محمد حبيب
تفاجئنا مثلما تفاجأ كثيرون بقرار الحكومة العراقية الامتناع عن استقبال اللاجئين السوريين المحتملين لدواعي لها علاقة بالظروف الامنية واللوجستية الصعبة ما سبب ضررا مؤسفا لسمعة العراق الدولية ولمكانته كبلد ديمقراطي ، إذ يعد اللجوء من اهم الواجبات التي يجب أن تضطلع بها الدول لا سيما وبشكل خاص الدول الديمقراطية المحبة للسلام والامينة على قيمها ودورها الانساني .
ان حق اللجوء هو حق مكفول وفق القانون الدولي لكل من يتعرض للظلم والاذى ولا يجوز ان يخضع بأي شكل من الاشكال لقواعد اللعبة السياسية ، فحتى لو كانت الاعذار التي قدمتها الحكومة العراقية بهذا الخصوص صحيحة او مرتبطة بواقع حقيقي فأن العراق ملزم بفتح حدوده للاجئين المحتملين مع بذل اقصى الجهود لتوفير احتياجاتهم الانسانية وضمان امنهم وسلامتهم .
كذلك يتناقض هذا الموقف مع مبدأ الرد بالمثل حيث كان لسوريا موقف ايجابي عندما فتحت ابوابها للاجئين العراقين واحتضنتهم وقدمت لهم ما يتيسر من مساعدة طوال هذه السنين ، ناهيك عن تأثير هذا القرار على اللاجئين العراقيين الذين قد يتعرضون لمضايقات بسببه  .
وبالتالي على الحكومة اعادة النظر في قرارها انف الذكر وتصليح موقفها الخاطيء من هذه القضية الانسانية ، ليكون موقف العراق متطابقا ليس مع الاعراف والقوانين الانسانية المقرة دوليا وحسب بل ومع  المعايير التي تحكم العلاقات بين الدول المتجاورة .
ان الكرة مازالت في ملعب الحكومة العراقية فما دامت الحدود العراقية - السورية لم تشهد لحد الان اي تدفق للاجئين السوريين فأن بأمكان الحكومة العراقية اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب ، ناهيك عن قدرتها على تهيئة ما تستطيع تهيئته لتنفيذ قرارها الجديد وتكون حاضرة إذا ما جد جديد على الحدود بين البلدين .
فحيا على العمل الانساني وحيا على المبادرة الانسانية . 

الأحد، 22 يوليو، 2012

الحكومة العراقية ومحنة اللاجئين العراقيين في سوريا


باسم محمد حبيب
يتعرض العراقيين المقيمين في سوريا إلى هجمات تقوم بها اطراف عدة لأسباب وذرائع مختلفة ، ففي احدث حصيلة لهذه الهجمات قتل سبعة افراد من عائلة واحدة بينهم اطفال ونساء في العاصمة السورية دمشق ، فيما سلمت السلطات السورية الجانب العراقي  جثث ( 21 ) عراقيا قضوا في ظل ظروف غامضة وفي اماكن لم يتم الافصاح عنها  من قبل الجانب السوري.
لقد وقفت الحكومة العراقية موقفا ايجابيا وتصرفت بمسؤولية اتجاه قضية  اللاجئين العراقيين ، فبعد ان اطلقت دعوتها إلى الاطراف السورية بالكف عن استهداف العراقيين لكونهم غير معنيين بما يجري في سوريا وجهت نداءا إلى اللاجئين العراقيين طالبتهم بضرورة العودة السريعة إلى الوطن تجنبا لما ينتظرهم من اخطار ، ولم تستثنى من ذلك حتى الذين كانوا يعارضون العملية السياسية بشرط ان لا تكون ايديهم ملطخة بدماء العراقيين ، فيما اجرت اتصالات مختلفة مع هيئات ومنظمات الاغاثة الدولية لغرض تأمين خروج آمن للعراقيين في سوريا   . 
وعلى الرغم من الجهود الكبيرة التي تبذلها الحكومة على  هذا الصعيد إلى ان الضرورة تتطلب اتخاذ إجراءات اخرى من بينها إرسال وفود لإعلام العراقيين القاطنين في سوريا بجدية الحكومة في استقبالهم ، وإنها عازمة على توفير كل متطلبات العودة الآمنة وعلى رأسها وسائل النقل التي اخذت الحكومة العراقية بتسييرها بين بغداد ودمشق  .
لقد أتتت هذه الجهود اُكلها وعاد كثير من العراقيين الذين كان بعضهم محاصرا في اماكن خطرة فيما انقطعت عن بعضهم السبل نتيجة اشتداد المعارك بين الاطراف المتقاتلة ، وفيما اتهم بعضهم بموالاة النظام اتهم آخرون بموالاتهم للمعارضة السورية الامر الذي جعلهم واقعين بين سندان وضعهم المربك ومطرقة المخاطر المحدقة بهم  .  
ان على الحكومة ان تواصل جهودها بإعادة جميع اللاجئين العراقيين في سوريا وان تبذل في ذلك جهدا كبيرا ، لانها قد تواجه صعوبة في تحقيق ذلك مستقبلا لاسيما إذا ما زادت سخونة الاوضاع في سوريا وتطور الموقف تطورا كبيرا  ، الامر الذي قد يعرض اللاجئين العراقيين لمخاطر وكوارث قد لا يمكن تصورها  .

بورما والصمت !


باسم محمد حبيب
المدى العراقية / 21 تموز 2012 

تنقل وسائل الاعلام هذه الايام اخبارا مروعة عما يجري في بورما من صراعات دموية تشبه إلى حد بعيد الابادة الجماعية ، في وقت مازال الغموض يلف الكثير من جوانب المشهد العسكري في بورما ناهيك عن الظروف المحيطة بهذه الصراعات وخلفياتها ومدياتها .
ولان المسلمين البورميين يشكلون جزءا صغيرا من السكان فقد كانوا ابرز ضحايا هذه الحرب التي خلفت حتى الان بحسب اعتراف  منظمات الإغاثة عشرات الآلاف من القتلى لا سيما بين المسلمين ، فيما قدر الرئيس البورمي عدد المسلمين القتلى بعشرين ألفا معترفا بعجز الحكومة البورمية عن انقاذهم  داعيا المسلمين إلى اللجوء إلى بنغلادش المجاورة طلبا للامان والسلامة .
ان السؤال الذي يفرض ذاته هنا : هو لماذا هذا الصمت الدولي اتجاه ما يجري في بورما ؟ هل بسبب بعد بورما وانعزالها عن العالم ؟ أم هو من نتاج الارهاب الذي اعطى العالم صورة سلبية عن المسلمين ؟ لكن إذا كان صمت العالم ناجم من هذين السببين فما الذي يدفع الدول الاسلامية للصمت بل وتجاهل الامر جملة وتفصيلا .
فنحن نعلم حماس بعض الدول الخليجية اتجاه الثورة السورية ودعمها الكبير لجماعات المعارضة الفاعلة هناك على الرغم من انفلات الاوضاع في سوريا ودخول البلاد في نفق الصراع الطائفي ، وهنا يجدر بنا التساؤل عن سبب صمت هذه الدول اتجاه ما يجري في بورما على خلاف ما تفعل في سوريا ؟ هل للأمر علاقة بالقرب الجغرافي والارتباط القومي ام ان للعامل الطائفي دور في ذلك ، الامر الذي يؤكد لنا خطورة العامل الطائفي وتأثيره الخطير على استقرار المنطقة على المديين القريب والبعيد .
ان من السخرية ان تجد الارهابي الذي يقتل غير المسلمين او المسلمين الذين ينتمون لطوائف اخرى عاجز عن مساعدة من ينتمون إلى مذهبه او دينه ، فيما يبرز التناقض في الموقف الاسلامي في ادانة من يقتلون المسلمين وعدم ادانة الجماعات الاسلامية التي تقتل الآخرين بدم بارد  كما هو الحال في مالي ونيجريا ومناطق اخرى من العالم .
فما يجري في بورما من قتل للمسلمين هو إلى حد ما شبيه بما يرتكبه الارهابيون المسلمون من مذابح وجرائم يندى لها الجبين ضد من يخالفونهم بالدين والمذهب في مناطق اخرى من العالم ، ومن يريد ان يدين عليه ان يدينهما معا  لان الإدانة واجبة على كليهما .

الجمعة، 20 يوليو، 2012

الدلالة التأريخية للنحت الآشوري في الألف الأول قبل الميلاد

باسم محمد حبيب

المقدمة    
لم يكن الأشوريون مجرد شعب محارب فقد عرفوا أيضا بكفاءتهم الإدارية وانجازاتهم المعمارية وبفنونهم المتميزة والبديعة لا سيما فن النحت الذي ارتقى به الآشوريون إلى أعلى مستوياته  عبر

الخميس، 19 يوليو، 2012

ملاحظات حول بحث العلامة السيد سامي البدري : النجف مرسى سفينة نوح

باسم محمد حبيب
نشرت مجلة تراث النجف في عددها (1) 2009 بحثا بقلم السيد سامي البدري تناول فيه موضوعة الطوفان التي مثلت إحدى الجوانب الهامة في تراث حضارة وادي الرافدين وبقدر ما أعجبت

صلات العراق مع بلاد الشام حتى نهاية الألف الثالث قبل الميلاد

باسم محمد حبيب

المقدمة  
اتسمت صلات العراق ببلاد الشام بميزتين مهمتين : أولا قدمها حيث تمتد عميقا في عصور ما قبل التاريخ ، وثانيا التواصل والاستمرارية حيث لم تنقطع هذه الصلات

العدالة والنفط


باسم محمد حبيب
الصباح العراقية / 19 تموز 2012 


من الامور التي يرجح ان لها تأثير سلبياً على الواقع العام للبلد ما يجري من تناقض في التعاطي مع الثروات والموارد المادية، وهذا التناقض لا يقتصر على الصياغة الدستورية وحسب بل وحتى على القوانين التي تصدرها الجهة التشريعية فضلا عن الاتفاقات التي تجري بين هذا الطرف او ذاك من اقطاب العملية السياسية. 
ففي ما يتعلق بالدستور نجد تناقضا بين احدى المواد التي تنص على الملكية العامة للنفط وبين اسلوب ادارة هذه الملكية،حيث تخضع الحقول المنتجة عند كتابة الدستور لإدارة الحكومة المركزية فيما تناط ادارة الحقول التي تكتشف بعد ذلك للأقاليم، وهذا من شأنه ان يحدث تداخلا في الصلاحيات بين حكومة المركز وحكومات الاقاليم ناهيك عما يسببه من ارباك في إدارة الثروة النفطية فضلا عن انتهاكه مبدئي الملكية العامة والعدالة. 
اما فيما يخص القوانين والتشريعات الخاصة بإدارة هذه الثروة فعلى الرغم من اهمية هذه الثروة الوطنية وتأثيرها الكبير على واقع البلد في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها فأنه لم يتم إلى الان اصدار قانون ينظم إدارة الثروة النفطية ويحدد الحقوق والواجبات الخاصة بكل طرف،الامر الذي وضع هذه الثروة الكبيرة تحت طائلة الاجتهادات والتجاذبات بين المركز والإقليم و بين المركز والمحافظات وبشكل خاص المحافظات المنتجة،ما دعا احيانا إلى فرض تسويات واتفاقات يغلب على معظمها الطابع السياسي.ان الخطورة التي تسببها هذه التناقضات الدستورية والقانونية والسياسية لا تقتصر على انتفاء جانب العدالة في توزيع موارد الثروة النفطية وحسب بل وحتى في استيفاء هذه الموارد،فليس من المعقول ان تحصل المناطق التي تزود العراق بـ ( 90 أو 80 بالمئة) من موارده النفطية على حصة اقل مما تحصل عليه مناطق اخرى، الامر الذي يبرز غبنا ليس في توزيع الموارد بين مختلف مناطق البلد وحسب بل وحتى في استثمار هذه الموارد.
ان المطلوب هو العمل على تعديل الصياغة الدستورية التي تتعاطى مع الموارد النفطية بحيث يتم تخليصها مما تحويه من تناقض، في حين يجب اصدار القوانين التي تنظم ادارة الثروة النفطية لقطع الطريق على اية مساومات أو اتفاقات قد ترتبط بالعامل السياسي، وبالتأكيد لا يجب ان يتم ذلك من دون النظر إلى معيار العدالة ليس من ناحية التوزيع وحسب بل ومن ناحية الاستثمار ايضا.
أن العملية السياسية مطالبة بذلك ليس من اجل نشدان العدالة وحسب بل ومن اجل ان تضمن ديمومتها واستمرارها وحتى لا تكون الثروة النفطية ألعوبة بيد السياسيين.


الاثنين، 16 يوليو، 2012

الالحاد والايمان في عرف القانون الدولي

باسم محمد حبيب
منذ صدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان في عام 1948 والقانون الدولي يضمن اهم الحقوق التي ناضل من اجلها الانسان عبر تأريخه الطويل وفي مقدمتها الحق في حرية الرأي الذي فسره فقهاء القانون الدولي بأنه يشمل الحق في تبني أي فكر او معتقد او رأي يراه الانسان مناسبا له ولا يجوز بأي شكل من الاشكال حرمانه من هذا الحق او معاقبته عليه .
وبالتالي يرى بعض المفسرين القانونيين ان هذا المبدأ يعني من بين ما يعنيه الحق في الايمان بديانة ما كما يعني ايضا الحق في الالحاد ( نكران اي ديانة ) ما يعني ان الحق في الايمان يكافيء الحق في الالحاد في عرف القانون الدولي  .
لكن السؤال هنا : هل ان القانون الدولي قد حقق العدالة بتعامله المتكافيء مع حقي الايمان والالحاد ؟ ام انه قد غبن الملحدين في عالم مازال الايمان يتربع على عرشه في كثير من بقاع العالم .
وعلى الرغم من ان حق الايمان بديانة ما يتيح للناس اختيار الديانة التي تناسب مزاجهم دون قسر أو اكراه إلا ان هذا الامر يعد في الاعم الاغلب شيئا كماليا لتوزع اتباع الديانات على مناطق محددة تتيح لهم الحفاظ على حقوقهم الدينية ناهيك عن دور السياسة في اشاعة نوع من الاستقرار الديني المرتبط بمبدأ توازن الاديان .
اما الملحدين فهم الاضعف في هذه الحلقة لانهم محرومون من لعبة التوازن التي تفرضها المصالح الدينية والسياسية وهم بالتالي معرضون اما لمضايقات وأخطار قد تصل حد القتل لا سيما في المناطق المضطربة او للتهميش والاقصاء الذي قد يبرز في الكثير من دول العالم .
وبالتالي امام المشرع امرين لمعالجة هذا الامر اما فصل الحقين عن بعضهما البعض او وضع صيغة قانونية تكون اكثر ايضاحا وملائمة للمطلب العالمي في ضمان الحقوق والحريات .


الجمعة، 13 يوليو، 2012

لماذا فشل مشروع المصالحة الوطنية ؟

باسم محمد حبيب

قد ينزعج البعض من هذا العنوان وقد يجده البعض منافيا لتصورهم عن النتيجة التي آل إليها مشروع المصالحة الوطنية على اساس ان المصالحة لم تصل إلى حدود الفشل ليس لانها لم تحدد سقفا زمنيا لنجاحها وحسب بل ولأنها لم تستنفذ كل اغراضها بعد ففي نظر هؤلاء ان في جعبة هذا المشروع الكثير مما يمكن فعله للوصول به إلى غاياته النهائية ، ولاني لست ممن يتجاهل الامل فأني آمل ان يكونوا مصيبين في رأيهم مع اني ارى ان مشروع المصالحة بشكله الحالي قد استنفذ اغراضه ولم يعد قادرا على ان يكون سببا في حل الازمة العراقية ، ف عندما طرح مشروع المصالحة الوطنية في اعقاب سقوط النظام السابق كان هناك من يأمل ان ينهي هذا المشروع الكثير من الاشكالات التي تواجه الواقع العراقي وان يوجد حلولا حقيقية لمشاكل البلد وللخلافات بين فئاته وطوائفه وكتله السياسية لكن الامور لم تسر على هذا النحو لأسباب كثيرة منها :
1-   عدم وجود جدية كافية لدى بعض متبني المشروع في المضي به إلى غاياته وأهدافه النهائية اعتقادا منهم أنه ربما سيضطرهم إلى التنازل عن الكثير من المكاسب التي تحققت بشق الانفس ، وبالتالي انساق هؤلاء مع مشروع المصالحة الوطنية لدواعي اعلامية لا برغبة في الوصول إلى حلول حقيقية للمشاكل المستعصية التي تعصف بالواقع العراقي ، وعلى الرغم من وجود جهات راغبة في المصالحة وطامحة في انهاء الخلافات التي تعصف بمستقبل العملية السياسية إلا ان تأثير هؤلاء لم يكن بالقوة التي تجعل من هذا المشروع سبيلا ناجحا لإيجاد ارضية للتفاهم بين اطياف النسيج العراقي وصولا إلى تحقيق الوئام والاستقرار . 
2-   عدم وجود رغبة حقيقية لدى بعض من ينشدهم المشروع من الطرف المعارض للعملية السياسية في تقبل ما سوف ينتج عن هذا المشروع من قرارات وتفاهمات يكون لها تأثير بعيد نوعا ما عن المصالح السياسية للمعارضين الذين يرون ان المشروع السياسي الجديد قد غبنهم وسلب حقوقهم والمصالحة لا يمكنها ان تعيد الامور إلى سابق عهدها لأنها سوف تبحث عن حلول وسط ترتضيها جميع الاطراف ما يعني انهاء اي امكانية لاستعادة الحقوق المسلوبة من وجهة نظرهم .
3-   عدم اتخاذ خطوات عملية مدروسة لتحويل المصالحة إلى واقع حقيقي ، إذ بقيت المصالحة رهن القرارات والآراء النظرية التي لم يجر تطبيق ايا منها على ظهر الواقع الامر الذي ربما اشعر بعض الاطراف المستهدفة من المصالحة والتي قد يكون لدى بعضها ميل لقبوله بأن المشروع ربما يكون مجرد مصيدة لها وان الهدف منه هو تحويل الانتباه عن الاجراءات التي سببت الخلاف السياسي اكثر من كونه سبيلا ممكنا للحل ، وعلى ما يبدو فقد تهيأ للقوى الرافضة لمبدأ المصالحة الوطنية ان تستفيد من هذا الامر وان تدخل الخط بهدف تخريب اي مسعى يمكن ان يؤدي إلى تقريب وجهات النظر وتحقيق المصالحة الوطنية الحقيقية .
4-   لم يرافق طرح مشروع المصالحة الوطنية الغاء بعض القرارات والقوانين التي يراها المعارضون موجهة لهم كقانون اشتثاث البعث وقانون المساءلة والعدالة ، وعلى الرغم من اعلان الجهات المتبنية لمشروع المصالحة ان هذه القوانين ليست موجهة لأحد بقدر ما هي قوانين عامة ضرورية لنجاح العملية السياسية إلا ان الاطراف المعارضة لم تقتنع بذلك واعتبرت ان هذه القوانين تعد دليلا قويا على زيف مشروع المصالحة وعلى عقم ما يمكن ان يتوصل إليه من نتائج على المديين القريب والبعيد .
5-   لم يوفق مشروع المصالحة الوطنية في تحديد الجهات المستهدفة بالمصالحة ، فقد استثنى المشروع البعثيين والقاعدة والجهات التي تلطخت ايديها بدماء العراقيين ولكنه لم يحدد الجهات التي يمكن ان يتعامل معها الامر الذي اوقع المشروع في حيرة كبيرة ، فبدون وجود طرف آخر يوجه نحوه مشروع المصالحة الوطنية يتحول المشروع إلى عبث فارغ ناهيك عما يسببه من ارباك للمشروع نفسه ، ونظرا لغياب اي رؤية واقعية بهذا الخصوص فقد جرى التعامل مع جهات لم تكن حقيقة جزءا من المشكلة وليس بالمقدور ان تكون جزءا من الحل كشيوخ العشائر وزعماء الاحزاب المنساقة مع العملية السياسية ، وعلى الرغم من تحقيق بعض النجاحات التي رافقت هذا التوجه إلا ان هذا النجاح لم يكن مقدرا له ان يدوم مع بقاء الاطراف الحقيقية خارج هذا المشروع  .  
6-   اهمل المشروع المشكلة الحقيقية في البلد وهي المشكلة الطائفية ، فقد كان هناك ما يشبه الاتفاق بين الاطراف العراقية على عدم اثارة هذه المشكلة ذات الحساسية الكبيرة ، وبالتالي تم تجاهل احد اهم الاسباب المغذية للخلافات والتناحرات داخل النسيج العراقي ، وبدلا من البحث عن سبل تكفل أضعاف تأثير التنوع الاثني والطائفي على استقرار البلد وازدهاره جرى العمل على تكريس ذلك دستوريا وقانونيا وسياسيا الامر الذي ساهم في استمرار المشكلة الطائفية بل وتفاقمها اكثر .
وهكذا تضافرت الكثير من الاسباب التي ادت بالنهاية إلى افشال مشروع المصالحة الذي كان بالإمكان ان يكون أحد سبل الحل للمشكلة العراقية فيما إذا تم ارساءه بشكل صحيح ودعم بإجراءات مناسبة ولكن لم تجري الرياح بما تشتهي السفن .   

الخميس، 12 يوليو، 2012

استمرار جريان الدم العراقي سوف يدفع لتشكيل مجالس اخرى للامن القومي !

باسم محمد حبيب
صدرت تصريحات متشنجة من بعض السياسيين العراقيين عقب الاعلان في اقليم كردستان عن تأسيس مجلس للامن القومي حيث اتهم اصحاب التصريحات رئاسة الاقليم بأنها ربما تمهد للاستقلال عن العراق ، وان تأسيس هذا المجلس سوف يزيد من حدة الخلافات بين الاطراف العراقية ويدفع او يشجع على تأسيس مجالس مماثلة في المحافظات العراقية الاخرى .
وبغض النظر عن دوافع هذه التصريحات ان كانت نابعة من حس وطني او من مصالح متناقضة فأنها تؤكد على عدم ثقة  الاطراف العراقية ببعضها البعض وعلى ابتعادها عن النظرة المعتدلة والمتوازنة ، لان معظم ما يصدر من الاطراف العراقية اصبح عبارة عن ردود افعال لا اكثر فيما تبتعد هذه الاطراف عن التصرف على وفق ما تمليه المصلحة الوطنية العليا .
اما فيما يخص القرار المذكور فأيا كانت دوافعه فهو مرتبط بالظروف التي يمر بها البلد سواء بأشتداد حدة الخلافات السياسية بين الاطراف العراقية او بأشتداد موجة الارهاب الذي تصاعدت وتيرته في الاونة الاخيرة ، وربما شعر القادة الاكراد ان الاطراف السياسية عاجزة عن وضع حد لهذا الارهاب الاعمى ناهيك عن عدم قدرتها في انهاء الازمة السياسية الامر الذي قد يدفع بالبلاد إلى هوة ليس لها قرار .
ان ما يجب ان يدركه القابضون على السلطة في البلاد وما يجب ان يخشوه او يحذروا منه هو رد الفعل الذي سوف يحصل من القواعد التي يستند إليها هؤلاء السياسيون ، فهذه القواعد التي اوصلتهم إلى السلطة سوف لن تبقى بدون رد فعل فيما إذا لم تتمكن السلطة من حمايتهم او ايجاد حلول لمشاكلهم الاقتصادية والخدمية وما إلى ذلك ، وليس ببعيد ان تحذو المحافظات حذو اقليم كردستان فيما إذا وجدت ان السلطة في واد وهم في واد آخر .
ان السكان المستهدفين من الارهاب والمتضررين من رداءة الخدمات باتوا مدركين بأن السلطة التي تمثلهم عاجزة عن حمايتهم او وضع حد لمعاناتهم ، وبالتالي لن يكون الأمر بعيدا او غير محتملا عندما نشهد توجها من هؤلاء ليس بأتجاه المبادرة إلى تشكيل تنظيمات للحماية الذاتية وحسب بل وإلى الاتجاه لمحاسبة ارباب السلطة بوصفهم مذنبين او مقصرين .
ان على السياسيين العراقيين ان يشكروا اقليم كردستان ليس لانه سيخلصهم من عبأ حمايته وحسب ، بل ولانه من خلال هذا القرار ربما قدم لهم  أهم تحذير أو انذار مما سوف يحصل في قادم الايام فيما إذا بقي الوضع على ما هو عليه ، وبالتالي عليهم ان يعملوا لاجل تلافي ذلك قبل فوات الاوان .

الثلاثاء، 10 يوليو، 2012

نحو مصالحة شعبية

باسم محمد حبيب
الحوار المتمدن 10 تموز 2012


لم يعد خافيا على احد  ان مشروع المصالحة الوطنية لم يحقق الاهداف المرجوة منه ليس لضآلة المتحقق منه وحسب بل ولاشتداد الخصومات والخلافات بين الاطياف العراقية إلى درجة باتت الاوضاع في البلاد الان تنذر بإنقسام خطير وفتنة عارمة .
وبطبيعة الحال هناك اسباب كثيرة تقف وراء عدم نجاح مشروع المصالحة الوطنية منها ما هو سياسي ومنها ما هو قانوني وتشريعي اضافة إلى اسباب اخرى لها علاقة بالجوانب التنفيذية والإدارية وما إلى ذلك .

وبما ان الفشل جاء نتيجة لخطوات حكومية متعثرة وجهد سياسي غير ناضج فأن المطلوب هو اتباع اسلوب آخر يمكن ان يحقق المصالحة بعيدا عن المعمعة السياسية .
فأصحاب المصلحة الحقيقية في المصالحة هم ابناء الشعب بمختلف فئاته وطوائفه فهم الذين يدفعون ثمن ما يجري من خلافات وخصومات بين الكتل السياسية وهم الذين يواجهون النتائج المرة لعدم ايجاد مخرج للازمة السياسية .
ان هناك امكانية لاستبدال المصالحة الشكلية وغير الفاعلة التي تتبناها الكتل السياسية بمصالحة حقيقية وفاعلة تتم بين ابناء الشعب بشكل مباشر سواء من خلال الدواوين العشائرية او من خلال منظمات المجتمع المدني والمؤتمرات الجماهيرية وغير ذلك .
وبالطبع سيكون دافع هذه العملية ليس في اعادة اللحمة للنسيج الاجتماعي وإنهاء التوترات بين الاطياف العراقية وحسب بل ولإيجاد مخرج للازمة السياسية التي تعاني منها البلاد منذ امد بعيد .

ربيع المفخخات



 باسم محمد حبيب
المدى / الاثنين 9 تموز 2012


بينما يشهد العالم العربي ربيعا ثوريا عارما زلزل عروش الطغاة والمستبدين ، يشهد العراق ربيعا من نوع آخر بعد  أن استحالت الديمقراطية العراقية الوليدة إلى منصة للتجاذبات والصراعات بين  شركاء الأمس من ربابنة العملية السياسية ، ناهيك عن استمرار القوى المتناقضة مع بعضها ايديلوجيا وطائفيا في نشر الرعب والدمار في ارجاء البلد اشباعا لنوازع ساديه و رغبات طفليه .
ان اخطر ما في هذه التجاذبات والصراعات انها غدت عاملا اضافيا من عوامل المحنة العراقية ، لان هذا البلد الذي يتعرض لأبشع هجمة ارهابية يشهدها تأريخه ما كان له ان يعاني كل هذه المعاناة لو كان سياسيوه متصافين ومتلاحمين ، لكن هؤلاء السياسيون الذين يمثلون مشارب مختلفة وأجندات متناقضة لم يسعوا للتنكر من تلك الاجندات لصالح الهدف الذي بنيت عليه شراكتهم السياسية وهو المشروع الوطني الجديد ، انما دأبوا على التعامل بازدواجية بين ما تطلبه اجنداتهم وما تنشده العملية السياسية من استعادة للحمة الوطنية وبناء بلد ناجح .
لقد ادى الصراع السياسي المتواصل في العراق إلى تردي واقع الخدمات وتعطل الكثير من مشاريع الاعمار مع تصاعد معدلات الفساد والجريمة المنظمة واستمرار محنة العاطلين عن العمل وغيرها من المشاكل التي يرزح تحت ظلها البلد ، إلا ان اخطر الامور التي سببها الصراع السياسي هو التدهور المستمر في الواقع الامني والذي يتسبب يوميا بالكثير من الخسائر البشرية والمادية  .
وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها المؤسسة الامنية العراقية وغيرها من المؤسسات الاخرى لكبح جماح العمليات الارهابية والتدهور الامني المستمر ، إلا ان هذه الجهود تبقى غير قادرة على احداث تطور امني كبير بسبب تعقيدات الواقع السياسي واستمرار الخلافات بين القوى السياسية التي تتقاسم السلطة في البلد .
وبالتالي اصبح المواطن الضحية الاولى لهذه الخلافات لا سيما بعد ان عادت موجة المفخخات لتوقف الطموح العراقي بالوصول إلى واقع اكثر أمنا واستقرار ، وبدلا من ان يشهد العراق ربيعا أمنيا وخدماتيا وعمرانيا جارفا كما كنا نتأمل أو كما طرحته الوعود الانتخابية للسياسيين ، شهد العراق ويشهد ربيعا للمفخخات والعمليات الانتحارية والقتل بالكواتم ، الامر الذي يثير تساؤلات عديدة حول طبيعة المنطق الذي يحكم العملية السياسية والعملية المضادة لها .  
وبينما تسير الشعوب العربية الثائرة على طغاتها نحو فرض واقع جديد وبناء دولة المؤسسات التي يكون المواطن همها الاساس ، فشل العراقيون حتى الان في تحقيق طموحهم الذي تولد مع بداية عمليتهم السياسية في جعل العراق بلدا ديمقراطيا يرفل بالأمان والاستقرار ، فما اجمل ربيعهم وما اقبح ربيعنا ...

  

الاثنين، 9 يوليو، 2012

رعاية العتبات الدينية اليهودية في العراق

باسم محمد حبيب
قد يتسائل البعض لماذا رعاية العتبات الدينية اليهودية وليس العتبات الدينية المسيحية والصابئية والايزيدية وغيرها ؟ وللاجابة نقول ان كل العتبات الدينية في العراق يجب ان تكون موضع رعاية وحماية انسجاما مع القيم الانسانية الحديثة ومع المباديء التي اقرها الدستور العراقي ، إلا ان مطالبتنا برعاية العتبات الدينية اليهودية له دافع خاص يرتبط بعدم وجود جهة يهودية عراقية يقع على عاتقها واجب رعاية هذه العتبات على خلاف العتبات الدينية الاخرى .
الامر الآخر الذي يدفعنا لاطلاق هذه المطالبة نابع من قدم هذه العتبات وارتباطها العميق بتأريخ البلد إذ يعود بعضها إلى المراحل الاولى لاستيطان اليهود في العراق قبل اكثر من الفين وخمسمائة سنة ، ما يجعلها من اقدم العتبات الدينية الباقية حتى الان في العراق وقد تضاهي اقدم العتبات الدينية في العالم سواء العتبات العائدة للديانات التوحيدية العتبات الخاصة بالديانات الوثنية .
وبالتالي فأن هذه العتبات لا تمثل اليهود والجالية العراقية منها بشكل خاص وحسب بل تمثل جميع سكان العراق بمختلف طوائفهم وفئاتهم ، لان اليهود العراقيين كانوا وعلى مدى قرون عدة جزءا اساسيا من سكان هذا البلد وقد مثلوا في اغلب الاحيان جزءا مهما من نخبته الثقافية والفنية والاقتصادية والاجتماعية ، وقد عرفوا بخلاف الجاليات اليهودية الاخرى بعلاقاتهم الوثيقة مع بقية ابناء البلد  وخير دليل على ذلك الذكريات الطيبة التي مازال العراقيون يتداولونها عنهم وكذلك في حنين اليهود إلى العراق ورغبتهم في زيارته والعودة إليه .
ان ابلغ دليل على قوة الوجود اليهودي السابق في العراق هو انتشار اماكن استيطان اليهود في معظم انحاء العراق من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب حيث مازالت الآثار والذكريات ماثلة وتدل على هذا الوجود الثر المفعم بعبق التأريخ ومعاني الاخوة المتينة .
و العتبات الدينية اليهودية هي العتبات الوحيدة التي لا تخلوا منها اي منطقة جغرافية في العراق على خلاف العتبات الاخرى التي تتواجد في منطقة وتختفي في منطقة اخرى بما في ذلك العتبات الاسلامية إذ  ان العتبات الشيعية تندر في المناطق التي تسكنها غالبية سنية والعكس صحيح في المناطق التي تسكنها غالبية شيعية إذ تندر فيها العتبات السنية في حين تقتصر العتبات الدينية الصابئية على جنوب العراق والعتبات الايزيدية على شماله وكذا الحال فيما يخص  العتبات المسيحية .
ولا تقتصر اهمية العتبات الدينية اليهودية على بعدها المعنوي بل هناك البعد المادي المتمثل بقيمتها السياحية فمن المؤكد ان العراق سيكون قبلة السياح ومن هؤلاء زائري العتبات اليهودية فيما إذا تحسنت اوضاعه الامنية الامر الذي سيدر عليه اموالا طائلة ناهيك عن ابرازها لتأريخ البلد وموروثه الحضاري .
وبالتالي ادعوا الجهات المسؤولة في البلد إلى تشكيل هيأة على غرار الوقفين السني والشيعي لرعاية العتبات الدينية اليهودية في العراق لتقوم بواجب حماية هذه العتبات وصيانتها وتأهيلها ناهيك عن مجمل التراث اليهودي كجزء من المسؤولية القانونية والادبية .  

الأحد، 8 يوليو، 2012

النزوع الطبقي للمؤسسات العراقية

باسم محمد حبيب

منذ نشوء انظمة الحكم في الحضارات الاولى والترابط حاصل بين هذه الانظمة والجماهير المرتبطة بها بحيث يمكن للفرد العادي الاتصال بتلك الانظمة كلما دعت الضرورة إلى ذلك ، وقد كان لحضارة وادي الرافدين قصب السبق في هذا المجال إذ تشير ملحمة جلجامش التي تتناول احداثا وقعت في النصف الاول من الالف الثالث قبل الميلاد إلى قدرة المواطن العادي في إيصال شكواه إلى الحاكم وإلتزام الحاكم بمعالجة تلك الشكوى ، كما ابرزت لنا المصادر الكتابية الاخرى استقبال ملوك وادي الرافدين لعرائض المواطنين وردهم الشخصي عليها ، ومثل ذلك كان يجري في العصور الاسلامية حيث كان هناك ديوان مهمته النظر في المظالم ومن يستعصي منها يتم إحالته إلى الخليفة أو السلطان الذي يخصص يوما للنظر في ما استعصي على الحل ، هذا بالنسبة لبلدنا ومنطقتنا أما بالنسبة للمناطق الاخرى فتشير المصادر المتوفرة إلى اهتمام الكثير من الحكام في مختلف انحاء العالم بحل مشاكل المواطنين واستقبال العرائض منهم بل ومقابلتهم إذا ما تطلب الامر ذلك وفي بعض الاحيان بغض النظر عن خلفياتهم الطبقية .
لقد اصبح الاهتمام بشؤون المواطنين تقليدا معتادا في الكثير من البلدان ثم اصبح واجبا اساسيا من واجبات الحكام بحيث يتم تقييمهم من خلاله ، ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال وهي البلد الاكبر عالميا يخصص الرئيس جزءا مهما من وقته للاهتمام بشؤون المواطنين واستقبال ما يستطيع منهم وفق جداول وبرامج معينة .
اما في العراق البلد الذي شهد تغييرات كثيرة في المائة سنة الماضية فقد كان التعاطي مع شؤون المواطنين محددا بعوامل عديدة من بينها خلفياتهم الطبقية ومكانتهم الاجتماعية وفائدتهم لنظام الحكم فضلا عن الرغبات الشخصية للحكام ، فكانت صلات حكام العهد الملكي مقصورة على دائرة ضيقة تشمل في الغالب الاتباع والأعوان والمقربين بغض النظر عن اثر الجهل المحتمل في التسبب في تقليص دائرة التواصل بين الحكام ومواطنيهم ، إلا ان الامر تغير بعد سقوط النظام الملكي في 14 تموز 1958 إذ اصبحت السلطة اكثر حرصا على التواصل مع الشعب بل والاهتمام بشؤونه بشكل مباشر فكان ان اصبح للسلطة الممثلة انذاك بشخص الزعيم عبد الكريم قاسم مكانة كبيرة في نفوس الناس بل وغدى اكثر الحكام شهرة ومكانة في تأريخ العراق الحديث ، لكن تواصل السلطة مع الشعب لم يستمر على هذه الوتيرة على الرغم من استمرار بعض التقاليد الشكلية للفترة الممتدة من نهاية حكم عبد الكريم قاسم إلى عام 2003 الذي شهد بداية عهد جديد تمثل بتبني الممارسة الديمقراطية .
لقد اصبح حكم عبد الكريم قاسم نموذجا يعتمده العراقيون لتقييم اداء مسؤوليهم أو انظمتهم السياسية فكان حال هذه الانظمة التي تنتمي لخلفيات مختلفة لا يحسد عليه عند مقارنة حكمهم مع حكم الزعيم قاسم على الرغم من محاولة بعضها التشبه به أو اتباع اسلوبه ، لكن ذلك كان  دون جدوى في الغالب لأن محاولاتهم كانت مرتبطة في احيان كثيرة بدوافع دعائية اكثر منها انسانية الامر الذي فهمه العراقيون وأدركوه مليا فبقيت تلك الانظمة دون مستوى عبد الكريم في نظر الشعب  .
لقد احدث التغيير الذي جرى في عام 2003 تغييرا بنيويا في ادارة الدولة العراقية وفي بنية النظام السياسي الحاكم فلأول مرة يجري انتخاب المسؤولين من قبل الشعب ولاول مرة تتحول السلطة في البلاد إلى النمط الديمقراطي ، لكن هذا التحول الذي جرى في ظل ظروف خاصة ومن خلال تدخل خارجي لم يصل إلى النواحي العملية ، فقد بقي مسؤولوا هذا النظام حكام البلاد الجدد بعيدين عن الشعب بل بدو غالبا وكأنهم يعيشون في بروج عاجية فقد قلت امكانية التواصل بينهم وبين افراد الشعب وتحول التفاعل بين الحاكم والمحكوم إلى حالة نادرة ان لم تكن معدومة تماما  .
وبالطبع يمكن تبرير ذلك بالظروف التي يمر بها البلد لا سيما الوضع الامني المتردي وخشية السياسيين من التعرض للاغتيالات والاعتداءات التي قد تستغل أي حالة تواصل بين المواطن والمسؤول أو يتم تبرير ذلك بعدم استكمال بناء مؤسسات الدولة التي مازال اغلبها قيد الانشاء او الترميم الوظيفي ، لكن مثل هذا الامر لا يبرر هذا الانقطاع الحاد بين المواطن والمسؤول فقد اصبح من المستحيل على اغلب المواطنين الوصول إلى المسؤولين الكبار الذي بدى ان التواصل معهم اصبح قاصرا على طبقات معينة من المقربين والمتنفذين ، اما المسؤولين الاقل في السلم الوظيفي فقد اصبح التواصل معهم من الامور الصعبة والمعقدة وفي احيان كثيرة يجري من خلال شبكة من السماسرة والمعارف والمقربين .
ولم يقتصر الجمود في التفاعل بين الحاكم والمحكوم على جانب التواصل المباشر بل شمل ذلك حتى التواصل غير المباشر ، فمكاتب شؤون المواطنين التي توجد في معظم المؤسسات الحكومية لم يعد لدورها من شأن يذكر حيث تقلص دورها من تلقي شكاوى المواطنين ومتابعتها إلى مجرد التفاعل الشكلي الذي يتضمن في الغالب ردا تبريريا مقتضبا أو كليشة اعتذار أو ما شاكل اما محاولات الحل ان وجدت فهي اقل من المأمول بكثير ولدينا امثلة واضحة مستقاة من تجارب المواطنين الشخصية .
ان التساؤل الذي يجدر طرحه في هذا الخصوص هو : هل اصبحت شؤون المواطنين خارج نطاق مسؤوليات المسؤول ؟ وهل يجوز ان يغدو التفاعل بين المواطن والمسؤول في ادنى حالاته على الرغم من الواقع الديمقراطي ؟ ثم وهو الاهم من وجهة نظرنا المتواضعة : هل يعني هذا ان المسؤول عاجز عن التعامل مع شكاوى المواطنين أو  يجدها خارج قدراته وإمكاناته أم انه يتعالى عليها ؟
ان الواقع الجديد يفرض اسلوبا جديدا متطورا في التعامل بين المواطن والمسؤول وعلاقة امتن واوثق بينهم ، وان يتمكن المواطن من الالتقاء بالمسؤول وإيصال شكاواه إليه وإلى مكاتبه المسؤولة عن إستقبال هذه الشكاوى والنظر فيها والتعامل معها وفق ما يسمح به القانون فهذه ليست منية من المسؤولين بل واجب من واجباتهم .  

السبت، 7 يوليو، 2012

تركيا ودور الأبوة الجديد


باسم محمد حبيب
الصباح العراقية / 7 تموز 2012 
تغير الموقف التركي إزاء قضايا المنطقة منذ تولي حزب العدالة والتنمية ذو المنحى الإسلامي مقاليد الأمور في تركيا ، فبخصوص القضية الفلسطينية أخذت تركيا تلعب دورا مختلفا كليا عما لعبته في السابق ، وكذلك فيما يخص العراق حيث حاولت ان توجد لها موضع قدم من خلال اعلان دعمها لمطالب بعض الفئات العراقية ، أما مواقفها الأخرى فأبرزها مساهمتها في دعم  الثورات العربية والأنظمة المتولدة عنها ، وبذلك يبرز لنا تحولا كبيرا في السياسة التركية لم يكن معهودا من قبل ، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل عن سبب هذا التحول والنتائج التي يتوخاها على الصعيدين التركي والعربي ، أما ابرز هذه الأسباب من وجهة نظرنا فهي  :
1-    عدم نجاح تركيا في الانضمام إلى الاتحاد الأوربي  
كانت السياسة التركية متجهة قبل سنوات قليلة نحو تحقيق هدف الانضمام إلى الاتحاد الأوربي ، حيث أصبح هذا الهدف حلما تركيا تعمل من اجله الحكومات التركية المتعاقبة ، لكن الحلم التركي كان يواجه عقبات عدة أبرزها : التناقض الثقافي ما بين تركيا والدول الأوربية لا سيما وبشكل خاص التناقض الديني ، وعلى الرغم من تنفيذ تركيا لأغلب الشروط الأوربية الممهدة للانضمام للاتحاد الأوربي إلا أن النادي الأوربي بقي عصيا على الطموحات والآمال التركية ، الأمر الذي اشعر الأتراك بعدم وجود رغبة حقيقية لدى الأوربيين لضم تركيا إلى ناديهم الذي لم يتورع عن قبول دول أخرى أكثر شبها بتركيا كدول الكتلة الشرقية السابقة ، ما دفع السياسيين الأتراك إلى البحث عن عمق جديد يعوضهم ولو قليلا عن فشلهم الأوربي ، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان التوجه العثماني نحو المنطقة العربية عقب الإخفاق في اجتياح الجبهة الأوربية خلف البلقان في بدايات القرن السادس عشر ، ومثلما نجحت الدولة العثمانية في فرض هيمنتها على المنطقة العربية وقتذاك فأن تركيا ربما تكون قادرة على فرض نوع من النفوذ يعيد إلى ذاكرتهم الأمجاد العثمانية السالفة .
2-   تأثير حزب العدالة والتنمية
فهذا الحزب الذي دخل الساحة السياسية التركية منذ عقد التسعينات من القرن الماضي يحمل منحا إسلاميا وله أهداف وتطلعات لها علاقة بهذا المنحى ، وهو يدرك ان نجاحه في البقاء في الحكم مرهون بتوجيه الدفة التركية نحو الضفاف العربية والإسلامية لما بين الشعب التركي وشعوب هذه المنطقة من روابط عميقة قد تثير لدى الأتراك ذكريات الزمن الغابر زمن القوة التركية التي مثلت الإسلام ردحا من الزمن ، وبالتالي قد ينظر إلى التحول التركي على انه نابع من إرادة هذا الحزب المتعلق بجذوره الإسلامية وليس بسبب فشل السياسة التركية السابقة في الدخول إلى عالم شمال المتوسط الأكثر بريقا وتطورا ، فمن له يا ترى التأثير الحاسم في هذا التحول ؟ هل الفشل في الانضمام إلى النادي الأوربي فمثل هذا التحول تعويضا لتركيا عن هذا الانضمام أم أن التحول التركي قد اضعف من حماس الانضمام إلى الاتحاد الأوربي بعد أن وجدت تركيا إنها قادرة على استعادة أبوتها السابقة للمنطقة ؟ .
3-   التأثير الإيراني
مثلت المنطقة وعلى مدى العصور مجالا حيويا للتأثير الإيراني ذو التطلع الإسلامي ، وقد ظهر هذا التأثير بشكل بارز عقب نجاح الثورة الإسلامية عام 1979 إلا أن ظروف الحرب العراقية – الإيرانية أعاقت نموه وحدته كثيرا ، لكن انتهاء الحرب وانهيار قوة العراق العسكرية في أعقاب حرب الخليج 1991 مكنت إيران من تقوية تأثيرها الذي تصاعد بشكل كبير بعد تغيير النظام في العراق عام 2003 وبروز إيران كقوة عسكرية وسياسية كبيرة ، وعلى الرغم من وجود الاميركان في العراق إلا أن هذا الوجود لم يحد من التطلعات الإيرانية لفرض واقع مواكب لقوتها السياسية والعسكرية ، وبدلا من أن تشعر إيران بالخطر من الوجود الأميركي أخذت أميركا تشعر بالخطر الإيراني على وجودها في العراق ، فظهر ما سمي بخطر الهلال الشيعي الذي يمتد من إيران إلى جنوب لبنان مارا بكل من العراق وسوريا ، كما أحييت التسمية القديمة ( الصفوية ) ليسمى بها النشاط الإيراني في المنطقة ، وما دام هناك نشاط ( صفوي ! ) وأبوة إيرانية للأقليات الشيعية العربية فلابد من وجود أبوة مقابلة تعيد التوازن للمعادلة الطائفية في المنطقة ، وليس هناك سوى الدور التركي ليكون قادرا على مواجهة الدور الإيراني بأستعادة الأبوة العثمانية .
4-   غياب الأيدلوجيات القومية
بسقوط النظام العراقي السابق انهارت آخر الأيدلوجيات القومية التي نشرت ظلالها على المنطقة ردحا من الزمن بدءا من اطروحات مفكري النهضة وسياسات الأنظمة الملكية وصولا إلى كل من الايديلوجيتين الناصرية و البعثية ، واهم ما رسخته هذه الايديلوجيات هو أولوية العامل القومي وجعله الأساس لعلاقات قوية تربط ما بين دول المنطقة ، وعلى الرغم من تمكن هذه الايدلوجيات من فرض نسقها ورؤاها على المنطقة وبناء بعض المؤسسات الداعمة لمنحاها كمؤسسة الجامعة العربية ، إلا إنها لم تستطع أن تواصل دورها وهيمنتها بسبب الطموحات الشخصية لمتبني هده الايدلوجيات من السياسيين وبسبب التناقضات التي تحكم المشروع العربي والعلاقات البينية بين الدول العربية ، فكان الهجوم العراقي على الكويت عام 1990 بمثابة الإعلان عن نهاية هيمنة هذه الايدلوجيات بعد أن ثبت جليا أنها لم تكن سوى أداة لتحقيق الطموحات الشخصية والأهداف الضيقة ، وهو ما ساعد على ظهور توجهات جديدة أبرزها التوجه الخاص بالتحالف مع القوى الكبرى لاتقاء المخاطر التي قد تتعرض لها دول المنطقة وبشكل خاص  الصغيرة منها ، لكن هذا التوجه لم يشعر هذه الدول بالأمان لان المخاطر التي تواجهها قد لا تأتي من خلال غزو مباشر بل ربما تحصل من خلال انتفاضة أو صراع داخلي لا سيما مع وجود التناقضات الاجتماعية والاقتصادية والدينية وغيرها  .
لقد أدركت تركيا أنها تملك الكثير من الأوراق التي يمكن أن تلعبها في المنطقة وإنها قادرة على استعادة دور سلفها الدولة العثمانية ، فبوجود تناقضات داخلية عميقة تنذر بالانفجار في أي لحظة ومع وجود تحفظات من تدخلات دولية ، لم يبقى سوى البحث عن بديل يمكن أن يطمئن هاجس الأمن لدى دول المنطقة وتركيا الباحثة عن دور قد تكون مرشحة لذلك .

الجمعة، 6 يوليو، 2012

العبودية العشائرية في العراق

باسم محمد حبيب
الحوار المتمدن 6 تموز 2012 
على الرغم من ان العشائرية في العراق هي امتداء للعشائرية في المنطقة العربية إلا ان هناك اختلافا كبيرا بين نمطيهما وطبيعة كل منهما ويبدو ان هذا الاختلاف نابع من اختلاف البنية الثقافية لكل منهما ناهيك عن تأثير العوامل الاقتصادية والاجتماعية والدينية .
ومن ابرز الاختلافات التي يمكن معاينتهما بين النمطين العشائريين الاختلاف في طبيعة العلاقة بين رئيس العشيرة والافراد المنضويين تحت رئاسته من الاقرباء والحلفاء حيث تتسم هذه العلاقة بكل ما تتسم به العلاقات العبودية السابقة من حيث شعور رئيس العشيرة بأنه متفوق على الآخرين وبأنه افضل منهم نسبا ومنزلة ما يجعله يتمتع بالكثير من الامتيازات التي تتشابه كثيرا او قد تزيد على امتيازات ( السيد ) المنتسب إلى سلالة الرسول .
ومن بين هذه الامتيازات التقدم على الآخرين وان كانوا اكبر منه سنا والامتناع عن الزواج من غير صنف الشيوخ الذين يناظروه بالمنزلة ناهيك عن التعامل بفوقية مع افراد العشيرة الآخرين حد التطاول عليهم بالضرب والتوبيخ إذا ما دعت الضرورة إلى ذلك .
اما افراد العشيرة فكان الغالب عليهم الشعور بالدونية اتجاه صنف الشيوخ والذي يجر سلوكيات عبودية مقرفة كالتذلل  وقبول وصاية الشيخ الابوية بما في ذلك تنفيذ اوامره وسماع توبيخاته وتلقي اهاناته التي يغلب عليها التطرف و الرغبة في الاستعراض لفرض هيبته على الآخرين .
ونظرا لتداخل القيم الاجتماعية لا سيما قيم القبيلة البدوية مع العلاقات الاقطاعية السائدة في الريف فقد تولد نظام عشائري هجين تجتمع به نوعين مختلفين من القيم قيم التضامن والتعاون المرتبطة بالعادات البدوية وقيم الخضوع والسيطرة المرتبطة بالعادات الريفية والاقطاعية الامر الذي جعل العشيرة العراقية تعيش صراع قيم ونزاع عادات ادت إلى تحولها إلى مؤسسة عبودية محركها مصلحة اصحاب النفوذ في العشيرة .
وعلى الرغم من ان العامل الاساس في تكون العشيرة الريفية هو العامل الاقتصادي إلا ان هناك عشائر غلب على تكوينها العامل الاجتماعي لكن مثل هذا الامر لم يغير كثيرا من طبيعة العلاقة داخل العشيرة الريفية فقد بقيت العلاقة مبنية على رباط واه وفي الغالب يتم تفكيكه إذا ما تعارضت العلاقات مع المصالح .
ان اخطر ما في النظام العشائري السائد في العراق انه يستطيع اعادة انتاج نفسه بعد كل هزة يتعرض لها وهو يستفيد من ضعف القانون لفرض وجوده واثبات دوره الاجتماعي وفي الغالب يسعى للتحالف مع المؤسسة السياسية ليجد لنفسه وضعا آمنا يساعده على الدوام والبقاء .
فالعبودية العشائرية لا تقل خطرا عن سائرا اشكال العبوديات الاخرى فجميعها تسعى إلى استغلال الانسان وأخضاعه لمنظومتها السلوكية الشاذة .

الفقر لغة ودلالة في العراق القديم

باسم محمد حبيب
1-   الفقر في لغات العراق القديم
يعد الفقر من الظواهر التي لا يخلوا منها اي مجتمع بشري وقد عرفه مجتمع العراقي القديم اسوة بمجتمعات العالم الاخرى وكانت له وقفة معه بهدف التعرف على الاسباب التي تدفع الفرد إلى

الاثنين، 2 يوليو، 2012

ماركس وقوة (رأس المال)

باسم محمد حبيب
الصباح العراقية  2 تموز 2012 
لماركس اهمية كبيرة في مسار الفكر الانساني ليس لكونه مؤسس الايديلوجية الشيوعية بل وكذلك لما احدثه من توسيع وتطوير في مضامين ورؤى الفلسفة ناهيك عن تأثير افكاره في المجالين السياسي والاجتماعي .ان اهم ما يميز فلسفة ماركس انها تعد امتدادا لما سبقها من فلسفات ناهيك عن ارتباطها بالتغيرات التي شهدها الواقع الاجتماعي فلم تبرز كحالة منفصلة عن ما سبقها او ما زامنها من افكار كما لم تخرج عن اطار ما شهده المجتمع من تطورات في شتى المجالات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية .
فبإمكاننا مقارنة العناصر الاساسية لفكر ماركس مع بعض العناصر الفكرية لفلاسفة آخرين سبقوه أو زامنوه، ففي المجال الاقتصادي تبرز لنا اطروحات ( ريكاردو ) كأحد مصادر الفكر الاقتصادي لماركس، فمبدأ القيمة الماركسي مستقى من منطق نظرية ريكاردو في التكاليف النسبية اما الصراع الطبقي الذي عده ماركس جوهر الصراع البشري فقد تم ربطه بالجدل الهيغلي المعبر عنه بالفكرة التي تولد ضدها ثم ينشأ من خلال الصراع بين الفكرة وضدها مركب يجمع ما بين الفكرتين فمن شأن حالة الاستغلال التي تمارسها طبقة من الطبقات ضد طبقة اخرى ان تخلق مقاومة من الطبقة الاخرى ما يدفع إلى التوافق بين الطبقتين، وقد عد ماركس نوع الانتاج الاساسي الذي تتطور بواسطته الحياة الانسانية فيما يتفق ماركس مع (فيورباخ ) في ان الدين الذي هو حالة وجدانية ما هو إلا نتاج من الحياة وليس شيئا منفصلا عنها ما يعني ان الانسان بإمكانه ان يعيش بدون الاستناد إلى اعتقاد ديني بل والحصول على حياة افضل .
لكن على الرغم من وجود صلة بين افكار ماركس وافكار هؤلاء الفلاسفة فأن هذا لا يجعلنا نعد ماركس بأنه مجرد جامع للفلسفة بل هو جامع ورابط ومبدع إذا ما نظرنا إلى مجمل انتاجه الفلسفي وفيما يخص ماركس لا يمكن بأي حال تجاهل التأثير الذي احدثه تأليفه لكتاب ( رأس المال ) الذي يستحق ان يعد من بين اهم الكتب التي ألفها البشر فهذا الكتاب وان اعطى للعامل الاقتصادي الدور الاكبر في مسار الحياة البشرية وفي صناعة الحضارة إلا انه ومن جانب آخر قد قدم لنا تفسيرا جديدا وشاملا للتأريخ لم يتم طرحه من قبل الامر الذي جعل ماركس من ابرز مفسري الحركة التأريخية ومن اكثر من تناولها بدقة وشمولية .
ويعرض ماركس في كتابه (رأس المال) لدور العامل الاقتصادي في مسيرة التأريخ ومجرى الحياة البشرية حيث يمكن تقسيم موضوع الكتاب على وفق الاتي :
أولا : ان القيمة الحقيقية لكل سلعة يجب ان تكون مساوية للعمل المبذول في انتاجها ما يجعل من العامل المعيار الاساس في تحديد هذه القيمة بل وهو الاحق في ملكية السلعة بمعنى النظر إلى (رأس المال) كعنصر طفيلي في المعادلة الانتاجية .
ثانيا : ان النظام الرأسمالي يحرم العامل من جزء مهم من قيمة عمله وهو الجزء الذي يذهب إلى جيب صاحب رأس المال بدون ان يبذل جهدا مباشرا في العمل ما يعني ان ماركس ينظر إلى رأس المال على انه سرقة لجهد العامل وتطفل على معادلة الانتاج .
ثالثا : من شأن المنافسة الاقتصادية ان تزيد التعارض بين رأس المال والعمل لان هذه المنافسة بقدر ما تفرز رابحين تخرج خاسرين ايضا فيعمد الرابحين إلى زيادة ربحهم وينظم الخاسرين إلى طابور الفقراء والمعوزين الذين يمثلون ضحايا الاستغلال الرأسمالي .
رابعا : وبمرور الايام تضيق حلقة الرابحين بفعل عوامل شتى كانعدام فرص الانتاج وتلاشي الربح ناهيك عن  صيرورة جبهة عريضة مضادة مكونة من الطبقات المسحوقة لمواجهة الجشع الرأسمالي .
  ان قراءة متمعنة لهذه الرؤية التفسيرية سوف تبرز لنا جملة من التناقضات من اهمها انه على الرغم من الادلة التي تعرضها قراءة ماركس الاقتصادية إلا انه في الحقيقة يفشل في الالتفات إلى الناحية المتعارضة مع قراءته لان قيمة أي سلعة لا تقاس فقط بكمية العمل المبذول لانتاجها بل وبمدى الحاجة إليها في اوساط المستهلكين فقد يبذل عمل كبير لانتاج سلعة ما لكنها لا تجد اقبالا من المستهلكين فيما يبذل عمل اقل في انتاج سلعة تجد اقبالا من المستهلكين فتنخفض قيمة السلعة الاولى وتزداد قيمة السلعة الثانية .
كذلك لا يجوز عد رأس المال سرقة لجهد العامل لانه في اصله عمل مدخر فالاستهانة برأس المال هي استهانة بقيمة العمل نفسها فإذا كان من حق العامل الحصول على آجر مساو لقيمة السلعة مع الأخذ بالاعتبار نسبة عدد العمال إلى قيمة السلعة فأن من حقه أيضا ادخار جزء من الأجر لتوظيفه في مجال آخر وهذا المال المدخر لا يمكن عده سرقة لجهد مبذول وعندما يدخر هذا المال ثم يشارك في  عمل ما فأنه في حقيقته يمثل اتحادا بين عمل مدخر بصيغة رأس مال وعمل مبذول بصيغة جهد الأمر الذي يجعل كل منهما يستحقان اجر عملهما .
أن أولوية العامل المادي المفترضة من قبل ماركس هو في النهاية اكبر عقبة في وجه اكتمال المخطط الاقتصادي الذي افترضه ماركس للمسيرة البشرية فتوحد القوى العاملة يحتاج في جزء منه إلى جانب وجداني كما ان وصول الرأسماليين إلى اقتناع بعدم جدوى المنافسة الاقتصادية يتطلب تضافر العاملين المادي والوجداني وهو ما قد يصدق على الدين أيضا فالدين على الأرجح ليس اختراعا بشريا طارئا بقدر ما هو حاجة روحية تتطور مع الزمن فقد يتجاهل الإنسان مفاهيم دينية معينة وقد يرفض شكلا من أشكال المطلق لكنه قد لا يمكنه تجاهل كل المفاهيم التي تنبع من الدين بما في ذلك أي نوع من أنواع المطلق .
وخلاصة القول نجح ماركس كما نجح غيره من المفكرين في اغناء الفلسفة الانسانية وفي تقديم تفسير شامل وعميق لمسيرة التأريخ واهم شيء مساهمته في  تحريك الواقع الاجتماعي والتفكير مليا بحقوق الطبقات الفقيرة  .

الأحد، 1 يوليو، 2012

انفلات الأزمة السورية

باسم محمد حبيب
المدى / 1 تموز 2012 
على الرغم من أن الأزمة السورية بدأت بانتفاضة مطالبة بحقوق مشروعة ، إلا أن النذر كانت توحي بخطر هائل هو خطر الحرب الأهلية ، ليس بفعل تنوع النسيج السوري وحسب بل وبفعل تغلغل الأجندات الخارجية وتأثيرها في الواقع السوري المضطرب .
لقد شهدت الساحة السورية وعلى مدى الشهور السابقة الكثير من التدخلات التي كان ظاهرها نصرة الشعب السوري والثورة السورية ، لكن اغلبها كان يحمل في الباطن شعارات بعيدة كل البعد عن أهداف الثورة السورية ودوافعها العادلة .
فليس لثورة أن تنجح في ظل طوفان الأجندات العابرة للحدود التي تحمل تناقضات بلدانها ومصالحها الخاصة ، كما ليس بإمكان مطالبها العادلة أن تزاحم ما تخلقه تلك الأجندات من التباسات وإشكالات في داخل النسيج السوري .
وبدلا من أن تعمل الأطراف الضالعة في الشأن السوري على تقريب وجهات النظر   والبحث عن حلول واقعية للازمة السورية ، نحت منحا عاطفيا حمل الكثير من التجاهل لما تحتويه هذه الأزمة من مطبات خطيرة فكان ما كان .   
وهكذا بدأت أسوأ مخاوفنا بالتحقق ليس بابتعاد الثورة السورية عن اتجاهها الآمن وحسب بل وبانفلات الأوضاع باتجاهات خطيرة ومن ضمنها الحرب الأهلية التي يمكن القول وبأسف بالغ أنها قد بدأت فعلا .
إن انفلات الأزمة السورية إلى هذا الوضع الخطير سوف يقلب الطاولة على جميع الأطراف المتورطة في الشأن السوري لا بل وسوف يحملها مسؤولية كبيرة ، إذ لا يمكن لهذه الأطراف أن تتملص من تبعات ما سوف يحصل في سوريا وما ستؤول إليه أحداثها ، وستكون مسؤولة شاءت أم أبت عن أي تطورات قد تخلص إليها هذه الأزمة في المستقبل .
إن الحلول الممكنة أخذت بالتضاءل شيئا فشيئا فما كان ممكنا في الشهور السابقة لم يعد ممكنا الآن ، وما هو ممكن الآن قد لا يكون ممكنا في الغد ، وعلى الدول أن تسارع إلى حل الأزمة السورية قبل فوات الأوان ، هذا إن لم يفت الأوان بعد .

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969