الثلاثاء، 5 يونيو، 2012

واقع القراءة الروائية في العراق

باسم محمد حبيب
كل من يعشق القراءة لابد أن يكون له مع الرواية وقفة ما، فقد لا نغالي إذا قلنا أن الرواية هي احد أهم المقروءات وأكثرها اقترابا من نفس القارئ، وإذا ما أجرينا إحصائية عن القراء سنجد أن اغلبهم قد قرأ الرواية أو جعلها من أهم مقروءاته، لكن أين موقع الرواية العراقية من مقروءاتنا ؟ هل هناك موقع ما يمكن أن نستدل من خلاله على أن الرواية العراقية مقروءة حالها حال سواها من الروايات؟

أن من الضروري بمكان تناول هذا الأمر بجدية كبيرة، إذ أننا لا نستطيع أن نعرف مستوى أي رواية إلا من خلال حجم قراءها، فليس المهم أن تكون الرواية جميلة، متماسكة فنيا، تحوي لمسات جديدة، مستوفية لأطر الحداثة... الخ مما يجري تناوله في ساحاتنا النقدية والأكاديمية، إنما المهم كما اعتقد: هو أن ندرس واقع القراءة الروائية لكي نستشف منها الواقع الحقيقي لروايتنا ومديات النمو التي سارت عليها منذ انبثاقها في عشرينات القرن الماضي والى الآن، فليس المهم أن نكتب إنما المهم أن نعرف أن هناك من يقرا ما نكتبه، وإلا سيكون هذا جهدا ضائعا ولا قيمة له، فمن الضروري بمكان إعطاء أهمية للبحوث والدراسات التي تتناول أزمة القراءة الروائية بالعراق، بل وتقديمها على البحوث التي تتناول أزمة الكتابة الروائية التي أشبعناها بحثا ودراسة، فليس هناك شك في أن في العراق أزمة من هذا النوع، وإنها خطيرة إلى درجة نستطيع من خلالها أن نحكم سلبا على واقعنا الروائي، وبالتأكيد لا نستطيع أن نحمل الكاتب العراقي المسؤولية الأولى في هذا الانحدار القرائي، لان المسالة اعقد من ذلك بكثير، فهي مرتبطة بالظروف الموضوعية التي عاشتها منطقتنا خلال قرون عديدة والتي تمثلت بسيادة الجهل والأمية، فمنطقتنا لا تمتلك إرثا قرائيا حديثا يستطيع أن يحرك حمى القراءة ويخلق واقعا متجاوبا مع فنون الكتابة وأشكالها المختلفة. فالظروف الاجتماعية والسياسية التي عاشها البلد خلال عقود أو قرون عديدة، أرست واقعا هو ابعد ما يكون عن الانشغال بأمور تعد من الكماليات أو النوافل، والنسبة القليلة من القراء التي نفترض وجودها في بعض أوساط مجتمعنا، لا تكفي للتدليل على وجود قراء للرواية العراقية، بل على العكس ربما سنعثر على أشياء عجيبة ومثيرة في هذه القلة من القراء، وسنجد أن من بينهم الباحث والدارس والفضولي والمجامل... الخ، وهؤلاء لا يمكن أن يعطوا تقييما مناسبا للقراءة الروائية.

وبالتالي إذا تمعنا في هذه القضية المهمة وأردنا أن نصل إلى إجابات صريحة حولها، سوف نصل إلى تلك الحقيقة التي تثير الشجن وتفتح سرادق العزاء على واقعنا الروائي وبطريقة تجعلنا نعيد النظر به وبشكل جذري، فأمامنا أمران لا ثالث لهم إما البحث عن حلول حقيقية لازمة القراءة الروائية أو اعتبار الرواية شيئا غير ممكنا في العراق، ففي وسط يموج بالشعراء شعبيين وفصيحيين، وفي مجتمع يطرب للشعر و الخطب بشتى أشكالها الدينية والسياسية و لأشكال التعزية والابتهالات الدينية، يصعب أن نلمح اهتماما من نوع أخر، وبالتالي فان دخول الرواية إلى الواقع الثقافي العراقي لا يعدوا أن يكون نوعا من الإقحام المفتعل، ومحاولة للتشبه ببلدان عربية ازدهرت فيها الرواية ونمت بشكل جيد كما هو الحال مع الرواية المصرية والسورية والجزائرية... الخ، بدليل أن أسماء روائينا ورواياتهم بقيت مجهولة من اغلب القراء العراقيين، ولو سالت أي قارئ عراقي عن فلان وفلان الروائي الذي يشار له بالبنان في أوساطنا النقدية، لاندهشت من نكرانه له ولرواياته، وحتى الذين يعرفون أسماء روائيين عراقيين فهم على الأرجح لم يقرءوا رواياتهم بل تعرفوا عليهم من خلال وسائل الأعلام، فمما يبدوا أن الروايات العراقية غير مقروءة إلا في النطاق النقدي والأكاديمي، وان سوق الرواية العراقية ما زال بائرا ويعاني من إشكالات كبيرة قد لا يسعنا معالجتها بسهولة، الأمر الذي يدعونا للبحث عن حلول تخرج الرواية العراقية من واقعها البائس وتنهض بها إلى آفاق أعلى وأرحب لتكون في مستوى نظيراتها في البلدان الأخرى، وهذا الأمر يتطلب أكثر من مجرد شجاعة نقدية، فلابد أولا من عرض واقع الثقافة العراقية عرضا وافيا وجريئا، وطرح الأسباب الكامنة وراء الأزمة التي تعيش فيها الرواية العراقية قبل البحث عن علاج ناجز لعللها، ولابد أولا من أن نطرح التساؤل التالي حتى نفهم وضعنا بشكل جلي وهو : هل هناك إمكانية لنجاح الرواية العراقية ؟ أي تحولها إلى رواية مقروءة، وهل الواقع العراقي يحتمل ذلك ؟ أم انه واقع معاند لهذا الجنس الأدبي الرفيع، وبالتأكيد فان الإجابة عن هذه التساؤلات سوف يتطلب جهدا كبيرا ومعاينة جريئة للواقع الثقافي، بحيث نستطيع أن نؤشر على مواطن الخلل بكل قوة وصلابة.

إن ازدهار الرواية العراقية باعتقادي المتواضع لا يحتاج إلى تحسين مستوى الكتابة الروائية وتطوير آلية الكتابة وتحديثها المستمر وحسب، بل لابد أولا وبشكل أساس من تهيئة الواقع القرائي الذي يستوعب الكم الروائي العراقي ويستقبله، واعتقد أن هذا الواقع متى ما وجد انه يجد في الرواية العراقية إجابات لتساؤلاته وحلا لمعضلاته وسبيلا للتنفيس عن همومه، سوف ينجذب إليها ويجعلها في سلم اهتماماته، ولو حصل هذا سوف تبدأ الرواية العراقية بالتفاعل مع هذه الحاجات وسوف تنمو وفقا لها، فتتعزز العلاقة بين الجانبين وتتطور بما يجعل الرواية العراقية حلا من الحلول وحاجة ثقافية مهمة، بدل البقاء كجنس أدبي بعيد عن الواقع أو كأنه يتكلم عن مجتمع أخر غير المجتمع العراقي.
فالمعضلة الأهم ليس الكتابة الروائية بل القراءة التي تستقبل تلك الكتابة، فتؤسس معها دورة الإبداع التي تكتمل بالذروة وهو ازدهار الرواية العراقية وتطورها.

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969