الجمعة، 1 يونيو، 2012

لمحة عن التاريخ القديم لآسيا الوسطى

باسم محمد حبيب
لا يمكننا أن نقصر الترك على أولئك الذين ارتبطوا معنا برابطة الدين أو عاشوا معنا تحت سماء الدولة الإسلامية، فالترك أوسع من ذلك بكثير،
لأنهم ينتمون إلى حضارتين متباعدتين : حضارة الشرق الأقصى بعمقها الصيني، وحضارة الشرق الأدنى بعمقها الإسلامي، وإذا كانت فعالية الترك في العصرين الوسيط والحديث
متجهة إلى الغرب، فإنهم في العصر القديم كانوا متجهين إلى الشرق، حيث الحضارة الصينية تنشر ظلالها هناك، فارضة نسقها على كل ما جاورها من شعوب، لذا لا غرابة في أن تكون معظم مصادرنا عن الترك في العصر القديم صينية، ولم يتعرف سكان الغرب والشرق الأدنى إليهم إلا بعد أن تحرك هؤلاء إلى الغرب ليجعلوا أنفسهم ضمن فلك الغرب بممثليه الكبيرين فارس وروما (بيزنطة)، لكن الترك لم يقفوا عند حدود الاحتكاك، بل انطلقوا لغزو الغرب نفسه حتى بلغوا قلب فرنسا، ولأن معرفتنا بالترك تكاد تكون مرتبطة بتفاعلهم مع الدولة الإسلامية، سواء في الفترة التي كانوا فيها تابعين للخلافة العباسية في بغداد، أو بعد ذلك عندما ظهرت الدولة التركية الأعظم في التاريخ الدولة العثمانية، فإن معلوماتنا عن تاريخهم القديم كانت شحيحة بدرجة كبيرة، وبدوا لنا وكأنهم بلا تاريخ قديم أو منقطعون عن جذورهم كمن دخل التاريخ فجأة قادماً من المجهول.

لقد مثل الترك الإسلام ردحاً من الزمن، ودخلوا إطار الحضارتين الصينية والشرق أدنوية فعدوا جزءاً من نسيج المرحلة التي شاركوا في معمعتها، وانقسم تاريخهم بين تاريخ الترك في وسط آسيا وتاريخهم في الشرق الأدنى أو في الأناضول بشكل خاص، بحيث لم ير تاريخهم إلا كتاريخ مقسم يرتبط بأزمان وأمكنة وحضارات وأديان مختلفة، فقد وقعوا ضحية المكان الذي عاشوا فيه والتأخر الذي ابتلوا به أو غدا صفة من صفات حياتهم بفعل البداوة والانقسام.

لكن إذا صح هذا على العصرين الوسيط والحديث فإنه لا يصح على العصر القديم، لأنهم في تلك الفترة كانوا جزءاً لا يتجزأ من عالم الشرق الأقصى، حيث العملاق الصيني الذي لم يتمكنوا منه أبداً، والذي جعلهم يرتحلون عن عالم الشرق الأقصى مولين وجوههم شطر الغرب، سواء الشرق الأدنى أو إلى أقصى من ذلك حيث الغرب نفسه، وهم وإن اختفوا كعرق متميز في بعض المناطق، إلا أنهم بلا شك غدوا جزءاً من نسب السكان في معظم بقاع المعمورة بما في ذلك أوروبا ذاتها.

مصــادر تاريــخ التـرك القديم
قبل أن نتناول تاريخ آسيا الوسطى القديم أو تاريخ الترك خلال العصور القديمة، لا بد لنا من معرفة أهم المصادر التي نستعين بها في دراسة هذا التاريخ، إذ لا تاريخ من دون مصادر، ولا تحليل من دون وثائق، ونظراً لوقوع آسيا الوسطى في الوسط بين الشرقين الأدنى والأقصى، فقد أصبحت مثار اهتمام حضارات المنطقتين، لا سيما بوجود الأقوام البدوية العنيفة المتضلعة بالغزو والقتال، والتي شكلت على الدوام خطراً ومصدر إقلاق للدول المحيطة، لذا لا غرابة في أن تهتم دول المنطقة باستقصاء أخبار الترك والوقوف على أحوالهم من أجل اتقاء خطرهم ومواجهته إذا لزم الأمر، وكثيراً ما يتحول الترك إلى ضحايا بعد أن يغدوا هدفاً لانتقام تلك الدول التي تستغل الفترات التي يضعف فيها الترك من أجل البطش بهم، وهو ما حصل في الكثير من مراحل التاريخ. أما من أهم المصادر التي يعتمد عليها في دراسة تاريخ الترك فيمكن تصنيفها إلى ما يأتي:

(1) المصــادر المادية
وتشمل الآثار المادية المختلفة من قصور وقلاع ومعابد وقبور وبيوت، إضافة إلى التماثيل والفخار والدمى والأدوات المنزلية والحلي، وأي أثر مادي يساهم في زيادة معرفتنا بحياة الناس في تلك الفترة، وتعد هذه المصادر أهم مصادرنا عن تاريخ الترك قبل العصور التاريخية، ولا تفقد قيمتها حتى بعد ظهور الكتابة التي بقيت محدودة وقاصرة على أماكن معينة، حيث بقي الاعتماد على المصادر المادية كمصادر رئيسة قائماً إلى فترات متأخرة، ومع أن المصادر الصينية قد تناولت ذكر الترك منذ القرن الرابع قبل الميلاد، إلا أن هذه المصادر كانت تفتقر إلى الدقة أو الإطالة، حيث اكتفت بإعطاء إشارات لا تشفي غليل المعرفة، لكن مع ذلك يمكن عدّ تلك الكتابات حداً فاصلاً بين مرحلتي ما قبل التاريخ والعصر التاريخي بالنسبة إلى الترك.

(2) المصادر الكتابية
وتشمل:

أ– المصادر الصينية:
وهي أقدم المصادر التي تناولت تاريخ الترك، وقد بقيت تشكل مصدراً مهماً للمعلومات عنهم إلى فترة طويلة، وهي تتنوع بين الكتابات الرسمية وكتابات السواح الصينيين وأبرزهم هيوان ستانج سنة 630م(1) أي في حدود نهاية التاريخ القديم للترك.

ب– المصادر الإيرانية والبيزنطية والأرمنية:
ومن أهم المصادر التي تناولت تاريخ الترك القديم كتاب الشاهنامة للفردوسي وهو مكتوب باللغة الفارسية، ويتكلم بشكل خاص عن الحروب بين الفرس والترك، إضافة إلى بعض المعلومات التي تقدمها المصادر البيزنطية والأرمنية، لا سيما معلومات الموفد البيزنطي إلى خان الهون الغربية زمرخوس(2) وغيرها من الكتابات.

ج– المصادر العربية:
وهي لا تختص بالفترة القديمة من تاريخ الترك، لكنها قد تقدم بعض المعلومات القريبة من هذه الفترة، لأن الفتح العربي الإسلامي قد واكب ضعف الأتراك وتحولهم إلى قوى متنافرة إثر انهيار دولة توكيو.

د– المصادر التركية:
وتقسم إلى مصادر مكتوبة بخطوط أجنبية كالخط الصغدي منذ القرن الأول، والخط المانوي والسرياني التي تؤكد التأثير الكبير للشرق الأدنى على هذه المنطقة من آسيا، ثم الخط التركي الأول المسمى بالخط الأرخوني الذي يشمل فترة تمتد على مدى نصف قرن بين عامي 630 و680م(3) أي نهاية التاريخ القديم للترك.

أقســام تــاريخ آسيـا الوسطـى
يمكن تقسيم تاريخ آسيا الوسطى إلى أربعة أقسام:

أولاً: عصور ما قبل التاريخ
وتشمل الفترة الممتدة من أقدم العصور إلى حدود 318 قبل الميلاد عندما تمت الإشارة إلى الهون في الكتابات الصينية القديمة، وبالتأكيد فإن معظم معلوماتنا عن هذه الفترة مستقاة من علم الآثار، حيث تم التعرف إلى بعض الثقافات التي ينسب نشوؤها إلى الأقوام التركية أو أقوام آسيا الوسطى بشكل عام.

ثانياً: التاريخ القديم
ويبدأ من عام 318 قبل الميلاد وينتهي بانهيار دولة توكيو في بداية القرن السابع الميلادي، حيث تأسست في هذه المنطقة جملة إمبراطوريات نتجت من تحرك الأقوام التركية بعيداً عن مواطنها الأصلية هرباً من الجفاف.
ثالثاً: التاريخ الوسيط
ويبدأ من انهيار دولة توكيو وينتهي بقيام الدولة العثمانية أو بروزها كقوة عالمية، وفي هذا العصر تمكن الأتراك من غزو الشرق الأدنى لأول مرة في تاريخهم بموافقة الخلافة العباسية التي كانت تنازع البقاء بعد أن دهمها الضعف، فمثل السلاجقة أول قوة تركية توغلت في هذه الأنحاء، ومثلت مقدمة للهجرة التركية الكبرى خلال العصر العثماني.
رابعاً: التاريخ الحديث، ويبدأ من قيام الدولة العثمانية أو من عام 1500م، وبلوغ العثمانيين مرتبة القوة العظمى، ويستمر إلى قيام تركيا المعاصرة بقيادة أتاتورك في عشرينيات القرن العشرين، وفي هذه المرحلة تحول ميزان القوى لدى الأتراك من أواسط آسيا إلى الأناضول، وفيما تعرضت الدولة التركية في أواسط آسيا من قبل الروس والصينيين كانت الدولة العثمانية تتحرك نحو أوروبا قبل أن يدهمها الضعف في مستهل القرن الثامن عشر.

آسيــا الوسطـى:
نبـذة جغرافيـة واجتمـاعيـة وتـاريخيـة

آسيا الوسطى تعبير جغرافي أطلق على المنطقة الممتدة من حدود الصين شرقاً إلى حدود إيران غرباً، ومن مجاهيل سيبريا شمالاً إلى حدود الهند جنوباً(4)، والتي عدت موطناً للأقوام الطورانية (التركية) التي مازالت تمثل الجزء الأكبر من سكان هذه المنطقة على الرغم من الهجرات المتواصلة لهذه الأقوام باتجاه الأقاليم المجاورة تبعاً لموجات الجفاف التي تمر بها، نظراً لطبيعتها الهضبية، كذلك يطلق على هذه المنطقة تعبير التركستان بمعنى بلاد الأتراك، وربما شاع هذا الاسم لدى المؤرخين الأتراك اعتزازاً منهم بأرومتهم التركية، كذلك أطلق عليها تسمية بلاد ماوراء النهر أي نهر جيحون، وعلى الأرجح أطلق هذا الاسم من قبل الفرس وفي عهد أنوشروان عندما اتفق مع دولة توكيو التركية على عد هذا النهر حدوداً بين الطرفين(5) ويمكننا تشبيه هذه المنطقة بالجزيرة العربية التي خرجت منها العديد من الأقوام على مر التاريخ وانتشرت في البلدان القريبة مكونة العديد من الدول والحضارات، لكن مثل هذه التحركات ليست بمستوى أو حجم التحركات الطورانية التي بلغت في تحركاتها تخوم أوروبا الغربية، ونظراً لأن هذه المنطقة تقع في الوسط بين الشرقين الأدنى والأقصى فقد خضعت على الدوام لتأثيرهما المتواصل وصبغت حضارتها بطابع التنوع وخلق مزيج من ثقافات لا يربط بينها سوى السمة العرقية، فهناك المسلمون والمسيحيون والبوذيون والزرادشتيون والمانويون وغيرهم، لكن رغم هذه التأثيرات القوية والمتواصلة فيعتقد أن هذه المنطقة شهدت نشوء حضارات قديمة في غابر تاريخها ربما قبل عصر الجفاف الذي واكب نهاية العصر الحجري القديم وانسحاب الجليد عن شمال ووسط أوروبا، ومما يدل على ازدهار هذه الحضارات عثور المنقبين والآثاريين على لقى يعود عمرها إلى ما قبل عشرة آلاف سنة، هذا بالإضافة إلى بقايا القلاع والبنايات والقصور التي تدل على وجود حس معماري لدى سكان هذه المنطقة، ناهيك عن أدوات الزراعة وبقايا مشاريع ري وقرى مطمورة، حيث تؤكد هذه الآثار انتقال سكان المنطقة إلى مرحلة الحياة القروية منذ وقت مبكر، وبالتالي يرى بعض المؤرخين أن آسيا الوسطى تمثل العمود الفقري لكل قارة آسيا، ليس لكونها معبراً للثقافات والأعراق وحسب، بل ولأنها شهدت منجزات حضارية ربما سبقت بها أماكن أخرى، كمعرفة التعدين وإتقان بعض الصناعات وممارسة حرفتي الزراعة والري، بل ويمضي البعض في افتراضاته ليؤكد أن إنسان هذه المنطقة هو أول من عرف النار(6)، حيث تسبب هذا الحدث بحسب المؤرخين في حدوث انقلاب كبير في حياة الإنسان، ليس في معرفته لطهي الطعام وحسب، بل وفي نشوء الصناعة البدائية التي مثلت النار أحد أهم أركانها الأساسية. ومهما يكن الأمر لم تبقَ آسيا الوسطى وطناً ملائماً بسبب عصر الجفاف الذي حل بالمنطقة ودفع الطورانيين للهجرة ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، ولكن معلوماتنا عن الهجرات القديمة قليلة ومحدودة لعدم وجود سجلات مدونة تؤكدها، ورغم أن الطورانيين احتكوا بالعديد من الشعوب المتحضرة فإن أقدم المعلومات التاريخية عنهم جاءت من الصين التي عانت من هجمات بدو آسيا الوسطى، وأقدم وثيقة تؤكد وجود الترك هي وثيقة صينية تؤكد توقيع إمبراطورية الصين معاهدة مع الهون، وهؤلاء عدّوا من الأقوام التركية، حيث وقعت المعاهدة سنة 318 قبل الميلاد، ونظراً لشراسة الهجمات البدوية على حدود الصين فقط اضطرت الصين بعد ذلك بقرن واحد إلى بناء سور الصين العظيم إحدى عجائب الدنيا السبع(7)، ومنذ 318 قبل الميلاد بدأ العصر التاريخي في آسيا الوسطى أو لدى الأقوام التركية على الرغم من أن معظم المصادر التي تحدثت عنهم هي مصادر أجنبية، إذ لم تظهر الكتابة لدى الترك إلا في وقت متأخر، وسميت بالكتابة الأرخونية وتعود إلى القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد، وتنسب إلى كل قبائل الجوكتورك التي ربما نشأ من اسمها اسم الترك، ولأهمية هذه الكتابة فقد عدّت ألواح أورهان المكتشفة غرب بحيرة بيكال من أشهر الكتابات التركية، وعدّ مؤلفها وهو من أمراء الجوكتورك من أعظم الكتّاب الأتراك(8).

الهون أقدم الشعوب التركية المعروفة
كان أصل الهون موضع نقاش ومازال مشكوكاً فيه، والمتعارف عليه أنهم أتراك مغول، سواء كان العنصر الأصفر عندهم أصلياً أم مكتسباً، ومن خلال وجوههم يبدو أنهم مغول أكثر من كونهم أتراكاً(9) لوجود الكثير من نقاط الشبه بينه وبينها بما في ذلك طبيعته البدوية واستيطانه هضاب آسيا الوسطى وبعض العادات والتقاليد، وهو استناداً إلى هذا الرأي قد يعدّ أقدم شعب تركي عرفته المصادر التاريخية، وتقع مواطنهم إلى الشمال من الأراضي الصينية وقد وصفوا بأنهم كانوا يقطعون مسافات طويلة بفترة قصيرة نسبياً، وذلك بسبب تربيتهم لجنس من الخيل يستطيع العدو عشرين ميلاً في الدفعة الواحدة، وأن يقطع في اليوم الواحد أكثر من مائة ميل، وكان الرجال يقضون حياتهم على ظهور الخيل، وكان الهون يوصفون بأنهم مكتنزو الأجسام كبار الرؤوس قمحيو اللون، أفواههم كبيرة، شعرهم أسود صلب(10).

الإمبراطورية الهونية الأولى وغزو الصين
يبدو أن الهون بحكم مجاورتهم للصين كانوا يقومون بشن الغارات المتتالية عليها، وكانوا يهزمون أحياناً وينتصرون أحياناً أخرى، وقد نجحوا بعد انقسام الصين إلى دول متناحرة في فرض سيطرتهم على مناطق واسعة من الصين في عهد أوغوز خان أو متة خان بن تنومان خان حتى وصلوا إلى نهر جنجيانج، لكنّ الصينيين تمكنوا من الصمود ووقعوا معاهدات مع الهون نصّت على أن تدفع الصين جزية سنوية مقابل إيقاف الغارات الهونية، وأن يحتفظ كل من الطرفين برهان من الطرف الآخر، وصادف أن وضع أوغوز خان رهينة لدى الصينيين لكنه هرب فحرمه أبوه من العرش، فقام الأخير بثورة قتل على إثرها أباه وتولى العرش بدلاً عنه، ثم وحد الشعوب التركية، حيث انضمت تحت لوائه 26 قبيلة تركية شملت معظم منطقة وسط آسيا، وهزم الصينيين في معركة فاصلة سنة 199 قبل الميلاد مما جعلهم يدفعون له الإتاوة، ولقد جعل هذا القائد الذئب شعاراً له ربما لكثرته في منطقة وسط آسيا، ومما يروى عن سبب اختيار الهون للذئب شعاراً لهم أن أوغوز خان عندما همّ بغزو سيبريا وتوغل بها مع جيشه الكبير تاه هذا الجيش وأصبحوا مهددين بالإبادة بسبب البرد والجوع، عندها شاهدوا ذئباً أزرق اقترب من خيمة القائد ثم عاد أدراجه فعدوها إشارة ما، فتبعوه حيث اهتدوا بواسطته إلى الطريق، لكن قوة الهون لم تستمر على ذات الوتيرة، لا سيما بعد أن استعادت الصين قوتها بعد تولي الإمبراطور يوتي من أسرة هان، حيث هزمهم في عام 128 قبل الميلاد(11)، ويعزو كثير من المؤرخين سبب هجرة الهون إلى الغرب إلى قوة الإمبراطورية الصينية وانحلال الغرب إثر ضعف الإمبراطورية الرومانية، فبعد أن انقسمت الإمبراطورية سنة 48م إلى دولتين شمالية وجنوبية سهل على الصينيين التحالف مع الدولة الجنوبية والقضاء على الدولة الشمالية سنة 93م(12)، ونتيجة لذلك هاجر الكثير من سكان هذه المملكة إلى الغرب مكتسحين المناطق التي يمرون بها حتى بلغوا سواحل بحر قزوين وشواطئ نهر أورال الحدود الشرقية لروسيا الأوروبية(13)، حيث أسسوا هناك دولة الهون الغربية سنة 363م.

الزحف نحو أوروبــا
بدأ الهون الغربيون زحفهم نحو أوروبا بدءاً من 370م، حيث احتكوا بالإمبراطورية الرومانية بقسميها الغربي والشرقي، ونظراً للضعف الذي انتاب الإمبراطورية في أواخر القرن الثالث الميلادي وانقسامها إلى قسمين من أجل مواجهة التحديات البربرية، فقد تعامل كل قسم مع الخطر كل على حدة، الأمر الذي ساهم في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإمبراطوريتين، وإن أدى ذلك بالنهاية إلى سقوط الإمبراطورية الغربية في عام 476م وبقي الهون يشكلون خطراً على الشعوب القاطنة في أوروبا طيلة تلك الفترة الصعبة، لكن جهودهم الحربية كان ينقصها الانسجام والوحدة، فكانوا في غالب هذه الفترة يؤلفون عصابات هدفها السلب والنهب حتى تولى زعيمهم روجيه الذي وحّدهم وأنشأ لهم دولة في مقرها بسهل المجر شرقي الدانوب، وقد زارهم المبعوث البيزنطي برسيكوس حيث وصف طباعهم وجانباً من حياتهم مشبهاً إياهم بالآريين البدائيين، وقال إنهم يحبون الشراب والولائم ويستمتعون بالشعر(14)، وهاجم كلاً من الجرمان وحدود الإمبراطورية الرومانية وخلدت حروبهم ضد أقوام البورغند في الملحمة المسماة (نيبلونغن) التي يمتزج فيها العنصر التاريخي بالأسطورة، بعد وفاته تولى ابنا أخيه موندزوك وهما بليدا وأتيلا غير أن الأصغر قتل الأكبر وحكم الهون وحده ابتداء من عام 445م. حيث استطاع أن يرعب القوط الشرقيين والصقالبة المقيمين في جنوب روسيا وسائر القبائل الرومانية على ضفاف الدانوب ويهدد شطري الإمبراطورية بدرجة سواء، وضيق الخناق على البيزنطيين بعد هزيمتهم أمامه في معركة (مارسيانوبول) ثم قبل الإمبراطور ثيوديسيوس الثاني 408 – 450م دفع جزية سنوية إليهم، وامتد نفوذ أتيلا من البحر الأسود شرقاً إلى نهر الراين غرباً، حيث استخدم الإرهاب في الفتح، وأطلق عليه الناس بلاء الرب، وأن العشب لا ينبت إذا ضرب حافر جواده(15)، وكانت طريقته إبادة المغلوبين أو إدخالهم بالجندية. انهزم أتيلا أمام تحالف الرومان والقوط الغربيين ضده وهزموه في معركة شالون سنة 451م، مما اضطر أتيلا إلى التراجع إلى هنغاريا(16) ثم عاد للغزو مرة أخرى هذه المرة أراد غزو إيطاليا وأمام زحفهم هرب سكان شمال إيطاليا إلى الجنوب وأسسوا مدينة البندقية(17) لكنه عدل عن التقدم نحو روما بعد احتلال أكوليا، ويرى البعض أن تحوله عن إيطاليا جاء بسبب تفشي المجاعة والمرض بين الجنود، لكن يروى أن هونوريا أخت الإمبراطور فالنتيان الثالث أرسلت إليه مع صاحب خاتمها مستغيثة به من إكراهها من قبل أخيها على الزواج، فانتهز الفرصة وطلب يدها بعد أن مهد للقائها في مدينة رافينة، ومما يدل على صحة هذه الحجة أن الهون اتجهوا إلى غاليا ولم يتقدموا في عمق إيطاليا، وقد اجتاح غاليا وبلغ الرعب في باريس كل مبلغ فنصحت القديسة جونفين الناس الاعتصام في منازلهم والصلاة، وبعد تحول الخطر عن باريس أصبحت القديسة مشهورة لدى الباريسيين ولقبت بدبة باريس(18). توفي أتيلا سنة 453م فثار ضدهم أبناء الشعوب المغلوبة من الجبيدون والسويف والهيرول وسائر القوط الغربيين وهزموهم على نهر نيداد وطردوهم إلى سهول روسيا في نفس العام(19).

دولة الهيـاطلـة
ويطلق عليها دولة الهون البيض وهي على الأرجح أصل دولة توكيو أو فرع منها، حيث سيطرت على وسط آسيا أي تركستان ووسعت حدودها إلى حدود دولة الساسانيين، وقد استفادوا من النزاع بين الشرق الأدنى وروما (بيزنطة) بتحالفهم مع حكام الشرق الأدنى من الفرثيين والساسانيين تارة ومع الرومان وخلفائهم البيزنطيين تارة أخرى(20) وقد دامت الحروب سجالاً بين الطرفين حتى رجحت كفة الهياطلة الذين حاولوا التغلغل في خراسان وأصابوا في ذلك نجاحاً لبعض الوقت، حيث انهزم الساسانيون في معركة شرق بلخ سنة 484م احتلوا على إثرها مقاطعات واسعة بين الهند وفارس.

دولــة توكيـو
وهذه الدولة هي وريثة دولة الهون الكبرى، نشأت في منطقة (ألتاي) مؤسسها هو إيلخان يومين الذي وحد القبائل التركية في منطقة آسيا الوسطى وعين أخاه استمى حاكماً على المقاطعات الغربية، وهذا الحاكم ذكره الطبري بهيئة سنجو خان وأسماه الصينيون (شي تي مي) حيث امتدت الإمبراطورية الخاصة بهذه السلالة من كوريا إلى بحر قزوين وفي عهد موخان ابن يومين هاجم الهون الصين وفرضوا على ممالكها الجزية ثم تحالفوا مع أنوشروان الملك الفارسي الذي حكم في القرن السادس الميلادي وجعلوا نهر جيحون الحد الفاصل بين المملكتين بعد انهيار دولة الهياطلة، ولكن هذا الاتفاق لم يستمر طويلاً فقد هاجمهم أنوشروان واستخلص الكثير من المناطق منهم، وقد أدرك البيزنطيون قوة هذه الدولة وأهميتها بالنسبة إلى حروبهم مع الفرس فأرسلوا إليها أو إلى القبائل الهونية موفدهم (زمرخوس) الذي عبر نهر أتيل (قلجا) وزار خان الترك الغربية عند مدينة بوكور من أجل التحالف ضد الساسانيين، لكن الهون كانوا يتعاملون من منظار مصالحهم فهاجموا كلتا الإمبراطوريتين(21)، وربما ساهمت الغزوات الهونية في إنهاكهما معاً قبل أن تنهار قواهما أمام الفتح الإسلامي بعد ذلك بعقود قليلة. وبالتأكيد تعدّ دولة توكيو آخر دولة تركية من العصر القديم، إذ بنهايتها يبدأ تاريخ الترك الوسيط الذي استمر إلى قيام الدولة العثمانية التي يمكن عدّها البداية لتاريخ الترك الحديث.

حضــارة الترك فـي آسيــا الوسطـى
أما حضارة الترك القديمة فيمكن تقسيمها إلى قسمين: حضارة الترك في موطنهم الأصلي آسيا الوسطى أو التركستان، وحضارة الأقوام التركية في المناطق التي هاجروا إليها، فبالنسبة إلى حضارتهم في أرض التركستان يمكن القول إنهم عاشوا خلال هذا العصر في ظروف قاهرة، حيث الطبيعة القاسية التي تمتاز بالجفاف وندرة الموارد والبرد القارس، ما جعل غالبيتهم يمتهن الرعي ويمارسون السلب والنهب، وقد كانوا في صراع دائم فيما بينهم لأتفه الأسباب، ولذلك امتازوا بالخشونة والشدة، حيث تشهد غزواتهم على تلك القسوة التي تميزوا وعرفوا بها، وبسبب شحة الموارد فقد كانوا يغيرون على البلدان المجاورة من أجل السلب والنهب، وقد بلغت غزواتهم أماكن بعيدة خلال هذه الفترة، حيث امتدت من أقصى آسيا شرقاً إلى وسط أوروبا غرباً ومن وسط الصين جنوباً إلى مجاهل سيبريا شمالاً، لكنهم خلال عصرهم القديم لم يتمكنوا من التوغل في الشرق الأدنى بسبب قوة الدولة الساسانية، فبقي هذا الشرق عصياً عليهم إلى مجيء السلاجقة في العصور الإسلامية. إن الطبيعة البدوية للترك جعلتهم يمقتون الاستقرار مع أنهم شادوا دولاً ومدناً مهمة نسب بناء بعضها للملك الأسطوري أفراسياب الذي تذكره الشاهنامة(22) كمدينتي كاشغر وسمرقند، ولا يعرف بالتحديد الفترة التي حكم فيها هذا الملك، وربما حكم في العصور التي سبقت التدوين في هذه المناطق، مع احتمال أنه عاصر حكم الفرس، وربما كانت له صولات وجولات معهم خلال تلك الفترة الغامضة، لقد حقق الترك إنجازات مهمة ربما بتأثير احتكاكهم بالأقوام الأخرى، فعرفوا النظام الإداري وكانت لهم قوانين محترمة وأعراف مهابة واهتموا بالفروسية وكان لهم دور بالمبادلات التجارية، حيث كان يمر من أراضيهم طريق الحرير الشهير الذي يوصل الشرق بالغرب، حيث استفادوا من هذا الطريق من خلال فرض الأتاوة على القوافل التجارية مقابل السماح لها بالمرور بسلام، ونظراً لكونهم ممراً للثقافات فقد وصلتهم العديد من الديانات التي أصبح لها أتباع من الترك، ومن أقدم هذه الأديان الوافدة الدين البوذي الذي انتشر بقوة وأصبحت له مزارات ضخمة لا سيما في بخارى(23) وكذا الحال بالنسبة إلى الزرادشتية والمانوية والمسيحية التي جاءتهم من الغرب، فقد أتاح اختلاط الشعوب والثقافات في آسيا الوسطى أرضاً صالحة لخروج المدنيات والديانات، وقد رأينا الفلسفة الإغريقية قد توحدت مع الأديان الشرقية ونتج عن ذلك تشابك كثير ومتنوع(24)، أما معرفتهم بالكتابة فجاءت متأخرة، إذ تدل الدلائل المتوفرة على أن أقدم كتابة تركية معروفة لا يرقى تاريخها إلى أبعد من القرن السابع أو الثامن الميلادي، وهي الكتابة المسماة بالأرخونية أو كتابة قبائل الجوكتورك التي قدمت لنا معلومات مهمة عن تاريخ الترك، لا سيما خلال الفترة التي عاصرتها، حيث تم فك رموزها على يد العالم طومسون(25)، أما الترك المهاجرون إلى المناطق الأخرى فلكونهم شعباً بدوياً ليس له باع في مضمار الحضارة فقد كانوا يأخذون حضارة الشعوب التي يعيشون بين ظهرانيها فيغدون جزءاً من تلك الحضارة، وإن حافظوا على بعض خصائصهم، ولذلك نجد الأتراك الذين عاشوا في الصين وهم يتبنون الحضارة الصينية بقيمها وأنساقها الخاصة، وكذا الحال بالنسبة إلى أتراك أوروبا فقد ذابوا في العنصر الأوروبي الشرقي ولم نعد نميز بينهم وبين الأوروبيين الشرقيين، ونفس الشيء حصل عندما تغلغل الأتراك في الشرق الأدنى فقد تبنوا قيم المنطقة وأنساقها الثقافية بما فـي ذلك اعتناقهم الدين الإسلامي.

الخــاتمة:
وهكذا يتبين لنا ما يلي:
(1) إن الترك هم من الشعوب الآسيوية العريقة ولهم حضارة قديمة يمتد عمرها إلى عدة آلاف من السنين، وبالتحديد عندما كانت هضاب آسيا مليئة بالغابات والعشب خلال الحقب الجليدية التي تزامنها حقب ممطرة في الشرقين الأقصى والأدنى وأواسط آسيا.
(2) تعرضت حضارة آسيا الوسطى إلى انتكاسة كبيرة بعد أن ساد الجفاف أنحاء تلك المنطقة، فانتشرت الحياة الرعوية وسادت البداوة في تلك الأنحاء، ما جعلها موطناً قاحلاً طارداً للسكان.
(3) بدأ نشاط الترك العسكري بالاحتكاك بالإمبراطورية الصينية وتبادلوا معها النصر والهزيمة، وقد امتد هذا النشاط والاحتكاك طوال العصر القديم، أي إلى ظهور الإسلام.
(4) بعد صمود الإمبراطورية الصينية أخذ الترك بالتحول إلى الغرب باتجاه الشرق الأدنى القريب جغرافياً من وسط آسيا، وصادفوا هناك ظهور الإمبراطورية الفرثية التي واجهتهم بقوة ثم أعقبتها الدولة الساسانية التي كانت لها صولات وجولات معهم حتى أبعدتهم عن حدودها.
(5) بعد فشلهم في اختراق الشرق الأدنى القديم انزاحوا باتجاه أوروبا التي كانت تعيش فترة ضعف الإمبراطورية الرومانية وانقسامها إلى دولتين كانت تعي فترة ضعف الإمبراطورية الرومانية وانقسامها إلى دولتين شرقية وغربية، ما جعلهم يغمرون أوروبا بحشودهم التي استخدمت شتى أشكال العنف والترويع ضد الناس، وكان هدفهم في الغالب السلب والنهب.

الهــوامـش:
1– و. بارتولد، تاريخ الترك في آسيا الوسطى، ترجمة: أحمد السعيد سلمان، (مصر، 1996)، ص 8.
2– عبدالعزيز جنكيز خان، تركستان قلب آسيا، (القاهرة، 1945)، عرض إلكتروني.
3– و. بارتولد، المصدر نفسه، ص 18.
4– محمد قاسم أمين، محاضرة ألقيت في نادي مكة الثقافي بتاريخ 1/2/1414هـ، معروضة على الموقع الإلكتروني: www.Uyghurweb.net/ar/k–a–s–I–m.html
5– عبدالعزيز جنكيز خان، المصدر نفسه.
6– هذا ما أكده المؤرخ محمد أمين بوغرا في كتابه (تركستان والتركستانيون في عصر المعادن)، المصدر نفسه.
7– برنامج الأتراك من موطن الأجداد إلى موطن الأحقاد:www.Trt.com/international/newsdetail,aspx
8– المصدر نفسه.
9– نورانج، العصر الوسيط في أوروبا، ترجمة: نور الدين حاطوم، (بيروت، دت)، ص 22.
10– عبدالرزاق عبدالمطلب فهد، أوروبا في العصور الوسطى وأثر الحضارة العربية على أوروبا، (بغداد، 2002)، ص 57.
11– نورانج، المصدر نفسه، ص 23.
12– مقالة منشورة في موقع تركستان الإلكتروني: WWW.TURKISTANWEB.COM
13– عبدالرزاق عبدالمطلب فهد، المصدر نفسه، ص 57.
14– هـ. ج. ويلز، موجز تاريخ العالم: ترجمة: عبدالعزيز ومحمد مأمون نجا، (القاهرة، دت)، ص 188.
15– نورانج، المصدر والصفحة نفسها.
16– عبدالرزاق عبدالمطلب فهد، المصدر نفسه، ص 58.
17– المصدر نفسه، ص 189.
18– نورانج، المصدر والصفحة نفسها.
19– عبدالرزاق عبدالمطلب فهد، المصدر نفسه، ص 59.
20– ويلز، المصدر نفسه، ص 189.
21– عبدالعزيز جنكيز خان، المصدر نفسه.
22– استندنا في هذه المعلومة إلى ملخص الشاهنامة للفردوسي، إعداد وتقديم حسن داوود، العدد (18) في 19 تموز 2008.
23– محمد قاسم أمين، المصدر السابق.
24– die umwandelung der orientalischen uh. Gressmam, 1926.
25– و. بارتولد. المصدر نفسه، ص 12.

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969