الأربعاء، 20 نوفمبر، 2013

انتفاضة أوروك بحسب نص ملحمة جلجامش

 المقدمة
 منذ أن بدأت الحضارة البشرية والإنسان يعمل من أجل تأصيل حقوقه ومواجهة كل أشكال الظلم والعسف والاستبداد التي تحاول أن تشد خناقها حوله و تنشر ظلالها عليه ومن الطبيعي أن تكون الحضارات الأولى هي الميدان الذي شهد أولى المعارك الحقوقية بين الإنسان
بوصفه كائن اجتماعي والسلطات المهيمنة في منظومته الاجتماعية وبشكل خاص السلطات الدينية والسياسية ولأن الحضارات ليست متزامنة في النضوج والتطور فقد كان للحضارات المبكرة ومن أبرزها حضارة وادي الرافدين دور كبير في إنضاج منظومة الحقوق والواجبات حتى أصبحت معبرة عن أهداف الإنسان وتطلعاته .
ولكي يعرض البحث مراحل هذه الإنتفاضة تم تقسيمه إلى ثلاث مباحث : في الأول نعرض نبذة تعريفية عن جلجامش والعصر الذي عاش فيه ، وفي الثاني نعرض أسباب الانتفاضة التي قام بها سكان أوروك ضد جلجامش استنادا إلى ما تورده الملحمة من معلومات حول هذا الأمر ، وفي المبحث الثاني نتناول سير الانتفاضة أو المراحل التي مرت بها بدءا من حالة التذمر والشكوى ورفض سلوك جلجامش وإجراءاته غير السليمة ، مرورا بمحاولة الاستعانة بمجالس المدينة التي تشكل هيئات إستشارية ضمن هيكل المدينة السياسي ، وصولا إلى الاستعانة بـ أنكيدو كونه شخصا يملك مؤهلات المواجهة الجسدية التي ربما كانت جزءا من متطلبات الحاكم في تلك الفترة المبكرة من تأريخ البلاد السياسي ، وأخيرا سوف نعرج على نتيجة الثورة وهل حققت النجاح المنشود أم آلت إلى الفشل ؟ وما هو الدليل على نجاحها ؟ .    

المبحث الأول             عهد جلجامش ومصادرنا عن الثورة


رغم أن سومر شهدت أولى بذور الحضارة الإنسانية واهم اشراقاتها المادية والروحية ، إلا أن الواقع السياسي بقي يراوح في مكانه لأسباب لها علاقة بالتنوع البيئي للبلاد وحجم التحديات التي تواجهها من حين لأخر من الطبيعة والمحيط ، ورغم أن سومر شهدت أقدم أشكال الديمقراطية اسماها ثوركليد جاكوبسن( الديمقراطية البدائية) ، حيث النظام البرلماني الأقدم في التاريخ وبمجلسيه الذي يشابه النموذج الحديث [1]، إلا أن هذا النوع من الديمقراطية لم يكن قادرا على ما يبدو على الحد من سلطات الحكام ومن هيمنتهم السياسية التي بدأت بالازدياد بمرور الزمن بفعل التطورات الاجتماعية والحضارية ، فكان لزاما على الشعب أن يواجه حكامه المستبدين للمطالبة بحقوقه وصونا لحريته وكرامته ، وأقدم مطالبة تذكرها النصوص المسمارية هي تلك التي أشارت إليها ملحمة جلجامش في معرض تناولها لحالة الوركاء أثناء حكم جلجامش ، ما يتيح عدها أقدم ثورة من نوعها في العالم لأنها حدثت في النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد ، وهي أقدم من ثورة اوروانمكينا في لكش [2]والثورة الاجتماعية في مصر [3] بما لا يقل عن ثلاث قرون ، فهل بإمكاننا أن نعيد كتابة تاريخ الكفاح من اجل حقوق الإنسان لنمد به إلى عهد جلجامش ؟ هذا ما نحاول فعله في السطور التالية .
قبل أن نتناول هذه الثورة المهمة لابد أن نشير إلا أننا لا نملك أي وثيقة تاريخية تتناول هذه الثورة ، وليست لدينا معلومات عنها عدا تلك المدونة في ملحمة جلجامش [4] الملحمة التي يغلب عليها الطابع الأسطوري ، ما يجعلها دون درجة الوثيقة ليس لاحتوائها على عنصر المبالغة واتصافها بالطابع الأسطوري وحسب ، بل ولأنها دونت في مرحلة لاحقة لعهد جلجامش حدود أواخر الألف الثالث قبل الميلاد أوائل الألف الثاني قبل الميلاد ، وهي فترة بعيدة نسبيا عن فترة حكم جلجامش التي يمكن تحديدها بحدود 2650 ق.م ، لكن بإمكاننا التفريق بين الأحداث الملفقة أو الأسطورية والأحداث الحقيقية استنادا لعلاقة تلك الأحداث بحبكة الملحمة أو مضمونها العام ، فقد أثبتت الحقائق أن الكثير من الأساطير والملاحم تحمل قدرا من الحقيقة وان الكثير من تفاصيلها يمكن ردها إلى أحداث حقيقية ، كما هو الحال مع الملاحم العالمية الشهيرة كملحمتي المهابهارتا والرامايانا الهنديتين وملحمتي الإلياذة والأوديسة الإغريقيتين ، حيث ترتبط تلك الملاحم بأحداث حقيقية تم التأكد من بعضها بالاعتماد على معطيات الآثار والبحث العلمي ، وملحمة جلجامش ليست مستثناة من ذلك بدليل ما طرحته عن بناء جلجامش لسور الوركاء والذي أثبتت التحريات الأثرية  صحته ، بعد العثور على بقيا سور الوركاء  وهو مبني باللبن " المستوي – المحدب " ، الذي يميز أبنية عصر فجر السلالات السومرية لا سيما مباني الطورين الثاني والثالث منه [5] أي في الفترة التي حكم فيها جلجامش ، ولدينا نص يعود إلى الملك ( أنام ) ملك الوركاء في مستهل الألف الثاني قبل الميلاد يؤكد بناء جلجامش لسور الوركاء [6] ، هذا بالإضافة إلى أطروحة الديمقراطية البدائية[7] التي طرحها الباحث ( ثوركليد جاكوبسن ) عن الواقع السياسي لبلاد سومر في عصر فجر السلالات ، والتي تعرض الملحمة صورة عنها خلال النزاع بين ( اكا ) حاكم كيش وجلجامش حاكم الوركاء [8] ، عدا ذلك أصبحت حقيقة جلجامش بعيدة عن الشك بفضل حصيلة المعلومات التي تجمعت لدى المؤرخين عن شخصيته ، ومنها إشارة إثبات الملوك السومرية عنه بكونه خامس ملوك سلالة الوركاء الأولى ، على الرغم من المبالغة في سنوات حكمه التي بلغت بحسب الإثبات (126) سنة [9] والتي لم تقتصر عليه بل  شملت عهود كل الملوك الذين سبقوه ، ما يعكس ربما اعتقادا لدى الأقدمين بان الناس في السابق كانوا يعيشون أعمارا طويلة  ، وفيما يتعلق بهذا الأمر نلحظ اختلافا في اسم والد جلجامش بين الإثبات والملحمة ، ففيما أشارت الملحمة إلى أن اسم والد جلجامش هو (لوكال بندا) الذي هو ثالث ملوك سلالة الوركاء الأولى وزوج ننسون التي أشارت الملحمة إلى كونها أم جلجامش [10] يذكر الإثبات أن والد جلجامش هو للا (Lulla) [11]، الأمر الذي أثار بعض الشكوك عن شخصية جلجامش واحتمال أن لا يكون الشخص المذكور بالإثبات هو نفسه جلجامش بطل الملحمة ، فقد يكونا ملكين مختلفين وان حكما نفس المدينة ، لكن هذا الأمر يمكن حله بالتأكيد على أن ( للا ) هو صيغة أخرى لاسم والد جلجامش وليس بالضرورة شخصا أخر أو انه اقرن بجلجامش عن طريق الخطأ ، فإذا كان لجلجامش صلة دم بملوك السلالة الآخرين فلابد أن نصدق صلته بـ(لوكال بندا)  أحد أسلافه في حكم الوركاء ، سيما مع ورود اسم ( أور – ننكال ) في الإثبات والملحمة كابن لجلجامش والذي تم تأكيده من نص تمال ذو الأهمية التاريخية ، اذ أشار النص إلى أن جلجامش وابنه شاركا في تجديد معبد الإلهة ننليل في نفر  [12] وأهمية هذا النص في أنه قدم لنا معلومات مهمة عن بعض الملوك الذين حكموا في عصر فجر السلالات الثاني والثالث أو في المرحلة الأنتقالية بين العصرين .


المبحث الثاني    أسباب انتفاضة أهل أوروك ضد جلجامش

رغم الدراسات العديدة التي تناولت نص ملحمة جلجامش فان الملحمة مازالت تغري على البحث والدراسة ، لأنها كل يوم تقدم لنا درسا جديدا من دروس التاريخ وتطرح بعدا أخر من أبعاده الخفية ، إذ أصبحت  إحدى المصادر المهمة  لدراسة الواقع الاجتماعي لذلك العصر بما حفلت به من معلومات تناولت مختلف أوجه حياة القوم وظروفهم وتعاملاتهم ، كما أسهمت في إثراء معلوماتنا الاقتصادية والدينية والسياسية عن ذلك العصر ، ولعل مما يعطي للملحمة قيمة خاصة وفريدة وتجعلها في عداد الملاحم التي تحمل ثيمة إصلاحية ، تناولها لحالة الجدل بين مطالب الناس ورغبات الحاكم ، في ظل التحول الكبير في الواقع السياسي والذي أعطى للحكام سلطات اكبر مما كان لدى أسلافهم في عصور السلالات الأولى ، بفعل الظروف السياسية التي كانت تمر بها الدويلات السومرية وما كانت تتعرض له من مخاطر  بفعل النزاع مع الدويلات الأخرى حول الأراضي الزراعية وقنوات الري أو مع القبائل والشعوب المجاورة التي كانت تتحين الفرصة من اجل السلب والنهب [13]، ما فرض تركيز بعض السلطات في شخص يكلف من قبل مجلس المدينة ليقوم بمهام الحكم ومواجهة المخاطر بقوة وشجاعة [14]، وبالتالي تحول هؤلاء الحكام بمرور الوقت إلى سلطة متعالية تنظر إلى الناس من منظار مصالحها وأهوائها ، وليس من منظار المصلحة العامة وحقوق الناس  انطلاقا من الطبيعة البشرية الضعيفة والميالة إلى  الأثرة و حب الذات ، وفي ظل مغريات السلطة والنفوذ لا يردع الحاكم عن ركوب طيشه وغروره سوى ضميره وأخلاقه ، لذا لا غرابة أن يظهر نموذج من الحكام يشبه نموذج جلجامش في الملحمة حيث وصفت الملحمة أفعال جلجامش بقولها :
على ضربات الطبل تستيقظ رعيته
لازم أبطال أوروك حجراتهم ناقمين مكفهرين
لم يترك جلجامش ابنا طليقا لأبيه
لم تنقطع مظالمه عن الناس ليل نهار
أهذا جلجامش راعي أوروك المسورة
اهو راعينا القوي الكامل الجمال والحكمة  
لم يترك جلجامش عذراء طليقة لامها
ولا ابنة المقاتل وخطيبة البطل   [15]

وفي ترجمة أخرى للنص   :
  
 كان يسوق شباب أوروك ( إلى العمل )  دون مسوغ
لم يدع كلكامش ابنا طليق لأبيه
ويوما بعد يوم كان طغيانه يزداد قسوة
كلكامش القائد لشعبه المحتشد
ولكن كلكامش لم يدع ابنة طليقة لامها
... لم يدع أي عروس تذهب بحرية إلى عريسها
ولا ابنة المقاتل ولا عروس الشاب [16]

ومن خلال تحليل هذا النص نجد أن أفعال جلجامش اتسمت بالنزق والطيش والاستهانة بحقوق الناس بحيث فرض على أهل الوركاء نظاما من الحياة خاضعا لمشيئته ورغباته ، فعلى ضربات الطبل تستيقظ الرعية المغلوبة على أمرها على الطريقة العسكرية من اجل تلبية رغبات الحاكم وتنفيذ طلباته وأداء بعض الأعمال العامة أو الخاصة بالحاكم ، كبناء المعابد والقصور أو سور المدينة الذي يحتاج إلى أيدي عاملة كثيرة والذي قلنا انه من عمل جلجامش على وفق ما لدينا من أدلة ، إذ فرض جلجامش على سكان الوركاء كبارا وصغارا نساءا ورجالا ، المشاركة في بناء السور بأسلوب السخرة (  أي دون مقابل )  على غرار ما كان يفعل الفراعنة مع رعاياهم عند بناءهم  للأهرامات [17]، وهو أمر لم يعتده السكان من قبل الأمر الذي أثار غضبهم ودفعهم إلى التذمر والثورة . وإذا استرسلنا مع النص واعتبرنا أفعال جلجامش الأخرى حقيقية وليس مجرد إضافة من الراوي غرضها التشويق أو إعطاء جدوى اكبر للثورة ، فان جلجامش قد تجاوز الكثير من الحدود وحطم الكثير من القيم لاسيما عندما يسلب العوائل أبنائها من اجل أن يمارسوا الخدمة في القصر أو يدأبوا على تلبية رغباته الخاصة ، أو ما كان يفعله مع الفتيات العذراوات عندما يقوم بانتهاك شرفهن وسلب عذريتهن بطريقة تنم عن الغطرسة والاستهانة بمشاعر الناس ، فلو كان جلجامش يمارس أمرا مألوفا  اعتاد عليه الناس لما تذمروا أو غضبوا ، لكن ما كان يفعله جلجامش كان بلا شك أمرا جديدا ولم يألفه الناس بعد ، لان  الاستبداد لم يبرز بغتة بل تطور بالتدريج مع توسع السلطات وتصاعد النفوذ ، إذ بلغ جلجامش في قسوته وجبروته حدا جعل الناس يخرجون عن صمتهم ويبدءوا عملهم لمواجهة هذا الجبروت والطغيان بالأفعال لا بالأقوال .
لكن إلى أي مدى تجاوز جلجامش أخلاق العصر وقيم الناس ؟  وهل يمكن للحاكم في ذلك العصر أن ينتهك الحرمات ويستبيح الشرف بهذا الشكل المشين المثير للمشاعر ؟ لا شك أن الملحمة أجابت عن ذلك عندما بينت غضب الشعب من سلوك جلجامش وتذمرهم من أفعاله ، فلو كان الناس معتادين على هذا السلوك وهذه الأفعال لسكتوا ولما بحثوا عن سبيل للتخلص منه كما هو الحال مع شعوب أخرى ليست بعيدة عنهم ، إلا أن شعب الوركاء المتمدن المعتز بحريته وكرامته كان يأبى هذا الضيم ويرفض هذا الإذلال وهذا دليل على حيوية الشعب واعتزازه بقيمه ، لكن هل كان لطبقة الأبطال ( المقاتلين ) [18] دور في أحداث شرخ بين الشعب وجلجامش ؟ بعد أن أمعن جلجامش في إذلالهم أولا عندما أشركهم في أعمال البناء التي تتنافى مع منزلتهم كحماة لأوروك ، وأيضا عندما  خاض في شرفهم وعفة بناتهم ونسائهم لكي يرضي غروره ويشبع غرائزه ، وبالتأكيد فان لهذه الطبقة قدرة تتجاوز ما لدى سواها من قدرات نظرا لمعرفتها بفنون القتال وطرق المواجهة ، على الرغم من أنها ربما لم تصل درجة احتراف الجندية التي لم تبرز بشكلها الواضح إلا في الطور الثالث من عصر فجر السلالات .

المبحث الثالث        مظاهر الثورة

بعد أن تطرقنا لدواعي الثورة ضد جلجامش لابد أن نتناول مظاهر الثورة وطبيعتها ، بمعنى هل حملت طابع العنف المسلح ؟ أم اعتمدت النموذج السلمي الذي يرتبط بطابع الحياة السياسية القائمة آنذاك والمبنية على صيغة الديمقراطية البدائية ؟ أن معاينتنا لنص ملحمة جلجامش تدلنا على أن الثورة قد تبنت المظاهر التالية وفق تسلسل تصاعدي ابتدأ بالأقوال وانتهى بالأفعال  :
(1)            التذمر والشكوى
(2)            التضرع إلى الآلهة واستمالة السلطة الدينية
(3)            استمالة مجالس المدينة
(4)            البحث عن منقذ
أن أول موقف اتخذه الشعب من جلجامش هو تشكيكه بمكانة جلجامش كوكيل للآلهة و في شرعية إعماله التي تتناقض مع طبيعة المهام الموكلة إليه سواء من الآلهة أو من مجلس الشعب [19]، فقد بدأ الناس يتساءلون هل هذا هو راعي أوروك المسورة ؟ أهو راعينا الذي يتصف بالجمال والحكمة ؟[20] أم أن هذه الأوصاف لا تنطبق عليه ، ثم بدأ الناس بالتذمر والشكوى والتكلم عن مظالم جلجامش بغية فضحها وتأليب الناس عليه مما يندرج ضمن نطاق العمل الدعائي أو الإعلامي ، وقد لمسنا كيف أصبح الناس يجهرون بتذمرهم ولا يحسبون لغضب جلجامش حساب ، بدليل  تحولهم إلى صيغة أخرى من صيغ المواجهة وهي التضرع للإلهة [21]واستمالة السلطة الدينية طلبا للخلاص من ظلم جلجامش وجوره ، فهو تقليد دأب الناس عليه منذ قديم الزمان والى الآن ، لكن هل تجدي هذه الأمور نفعا  ؟ أم لابد من عمل قوي يهز عرش جلجامش ويضرب سلطته في الصميم ، ويبدو أن الثورة وصلت إلى البرلمان ( أي المجلس الذي ورد ذكره في بعض مقاطع الملحمة والذي تشير إليه نظرية الديمقراطية البدائية ) مع أننا لا نملك إشارة واضحة لذلك ، لكن يمكننا الاستدلال على ذلك من أمرين الأول الوفد الذي التقى بانكيدو ونقل إليه معانات المدينة [22]، والثاني حدوث المواجهة بين جلجامش وانكيدو التي لم تكن لتحصل لولا وجود سلطة ما سمحت بذلك  وإلا بإمكان أي شخص قتل الحاكم وانتزاع حكمه متى يشاء ، فصعود انكيدو كمنافس لجلجامش أو متحدي له ، جاء بإيعاز من مجلس المدينة الذي نقل لانكيدو معانات الناس وحفزه على مواجهة جلجامش مقابل توليه الحكم بدلا عنه ، لكن لماذا  أصبح النزال هو  الفيصل في تحديد هوية الحاكم ؟ هل كان هذا تقليدا عاما في بلاد سومر ؟ أم هو أمر اختص بجلجامش وحده لكونه يدعي القوة والصلابة ، وللإجابة على ذلك نقول أن اعتماد اختبار المصارعة كوسيلة لاختيار الحاكم ربما كان أمرا شائعا آنذاك ، لحاجة المدينة إلى قائد قوي وشجاع يستطيع أن يدفع عنها المخاطر التي تتهددها ، وهذا ما يتطلب أن يمتاز هذا القائد ببنية قوية وجسد ضخم حتى يخيف خصومه وبالذات نظرائه من حكام المدن الذين قد يطمعون بالسيطرة على مدينته ، هذا بالإضافة إلى أن الحاكم الذي يؤدي آنذاك دور تموز ( دموزي ) في طقس الزواج المقدس لابد أن يكون لائقا لهذا الدور لأن طقس الزواج المقدس الذي ينشر الخصب والحيوية في البلاد بحاجة إلى رجل يتمتع بالخصوبة والحيوية والقوة [23] ، في نفس الوقت كانت تلك المواجهة نوعا من التحدي لكسر غرور جلجامش وإسقاط هيبته بين الناس ، فليس جلجامش وحده من يستطيع حماية المدينة أو يدعي انه الأقوى بين الناس [24] بل هناك من يبزه قوة وصلابة ، ولذلك وجد رجال المدينة في انكيدو الشخص الذي يمكنه تحقيق هذه الغاية انطلاقا من قواه العضلية ومؤهلاته البدنية ، يبقى أن يقبل بالمهمة ويساهم في جهد المدينة للإطاحة بجلجامش ، لقد صورت السلطة الدينية انكيدو على انه هبة الآلهة إلى الناس وأعطت لظهوره صفة قدرية انسجاما مع نسقها الديني[25] ، أما انكيدو فلم يظهر بمظهر المغفل أو المغرر به لأنه كان مستعدا ومتحفزا للمواجهة ، انطلاقا من إمكانياته البدنية ومواهبه القتالية ناهيك عن تعاطفه مع قضية الناس ورغبته في وضع حد لشرور جلجامش وطيشه ، إذ كان انكيدو واعيا  لطبيعة المهمة مدركا  لتبعاتها  التي قد  تصل حد الموت :

هلمي أيتها البغي خذيني
إلى المعبد المدهش المقدس مقام انو وعشتار
حيث ( يسكن ) جلجامش ذو القوة الكاملة
وحيث يعتقد مثل جاموس انه أقوى الناس
أنا أريد أن أصارعه وان أتحداه [26]

، وليس أدل على نزاهته وابتعاده عن الشعور الأناني من نجاحه في تغيير جلجامش وتحويله من شخص طاغ ومستبد إلى راع يهتم بشؤون الشعب ويسهر على راحته  ، فتغير جلجامش إلى الأحسن هو الدليل الأكبر على حسن نية  انكيدو  من النزال مع جلجامش ، فلو كان هذا الهدف أنانيا أو نابعا من مصلحة خاصة  لما شهدنا هذا التغيير في نفسية جلجامش وفي تصرفاته بحيث استوى حاكما عادلا  ومتزنا بخلاف ما كان عليه في السابق ، كذلك لمسنا التغيير في انكيدو نفسه عندما لم تستهوه مغريات السلطة  ومباهجها .
لقد عرضت الملحمة وقائع النزال بين البطلين عرضا بديعا ومشوقا عندما قالت :

سد انكيدو الطريق إلى باب بيت الحمي
ولم يسمح لجلجامش بالدخول
فاشتبكا عند باب بيت الحمي
وتصارعا في الشارع وفي الساحة العامة
حتى اهتز الباب وارتج الجدار
لقد كان جلجامش الأقوى في شد الذراعين في البلاد كلها
فقوته كانت تضاهي قوة صاعقة السماء[27]

وعلى الرغم من أن نتيجة المعركة كانت لصالح جلجامش بحسب ما أشارت إليه الملحمة إلا أن أمرا غريبا حصل بعد ذلك ، فبدلا من أن ينتقم جلجامش من عدوه وينكل به لتحديه إياه أمام الناس أبدى إعجابه بشجاعته وقوته وعرض عليه أن يكونا صديقين [28] ، وربما أدرك جلجامش خطاه فأراد أن يكفر عنه بهذه الصداقة ، التي تعني من بين ما تعنيه قبول جلجامش بطلبات أهل المدينة ونزوله عند رغباتهم ، فتحول منذ  تلك اللحظة من حاكم ظالم مستبد إلى حاكم عادل يحرص على حقوق الناس وحريتهم ، ما يعني أن الثورة قد حققت أهدافها وبلغت ما كانت تأمله من هذه المواجهة الكبيرة .

الخاتمة

 وأخيرا ماذا نستطيع أن نستنتج من هذا البحث ؟ هذا هو السؤال المهم الآن والذي تتوقف عليه أهمية هذا البحث وقيمته ، فهل نستطيع القول أن البحث أضاف شيئا جديدا إلى معرفتنا بجلجامش ؟ وقدم لنا فحوا كان خافيا علينا لنص الملحمة ، الذي يبدوا انه حمل أكثر من ثيمة وعالج أكثر من قضية لأنه مرتبط بعصره الذي هو عصر التحولات الكبيرة في حياة البشر ، فلأول مرة يبرز كفاح الإنسان من اجل الحقوق ضمن حيز الجماعة لا خارجها ، ولأول مرة يجد الفرد انه بحاجة لان يفرز حقوقه عن حقوق الجماعة أو السلطة ، فينزع ذلك الوهم الذي يجعل الحقوق – قبل أن تفهم على هذه الشاكلة - هبة لا حق ، فالصراع مع الخارج الذي شهده الإنسان في السابق كان صراعا من اجل الحياة والمصير ، وهو صراع يؤسس الحقوق ولا ينتزعها ، لكن في ظل الجماعة أصبح الصراع موجها نحو تلك الحقوق التي تمنح الإنسان وضعا أفضل ، فهو من جهة نتاج الجماعة ومخلصها لكنه من جهة أخرى يزعزع الجماعة ويحملها على مواجهة نفسها ، بعد أن كادت أن تكون أمنة مطمئنة بما لديها من حقوق اعتقدت أنها أعلى ما يمكن أن تتأمله  من هذه الحياة .


     المصادر

1.    صوموئيل كريمر ، من ألواح سومر ، ترجمة : طه باقر ، مراجعة وتقديم : احمد فخري ، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر .
2.     فوزي رشيد ، القوانين في العراق القديم ، ( بغداد : دار الشؤون الثقافية العامة ، 1988  .
3.    فوزي رشيد ، السياسة والدين في العراق القديم ، ( بغداد ، دار الشؤون الثقافية العامة ، 1983 ) .
4.    رمضان عبدة علي السيد ، معالم تاريخ مصر القديم ،( القاهرة : مكتبة نهضة الشرق ، 1986) .
5.    طه باقر ، ملحمة جلجامش  ، الطبعة الخامسة ، ( بغداد : دار الشؤون الثقافية العامة ، 1986)  .
6.    طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، الجزء الأول ، الطبعة الثانية ، ( بغداد : دار الشؤون الثقافية العامة ، 1986) .
7.    طه باقر  ، مقدمة في أدب العراق القديم ، ( بغداد : دار الحرية للطباعة  ) .
8.    ثاركيلد جاكوبسن وآخرون ، ما قبل الفلسفة ، ترجمة : جبرا إبراهيم جبرا ، مراجعة : محمود الأمين ، ( بغداد ، 1960) .
9.      سمير ديب ، تاريخ وحضارة مصر القديمة ، ( الإسكندرية ، 1997 ) .
10. دياكونوف ، ظهور الدولة الاستبدادية في العراق القديم ، من كتاب العراق القديم ، مجموعة من الباحثين الروس ، ترجمة : سليم طه التكريتي ـ ( بغداد ، دار الشؤون الثقافية ، 1986) .
11. فاضل عبد الواحد علي ، سومر أسطورة وملحمة ، ( بغداد : دار الشؤون الثقافية ، 2000) .
12. فؤاد يوسف قزانجي ، ملحمة جلجامش  النص الكامل الجديد ، مجلة آفاق عربية ، العدد  7- 8 ، 2001 .
13. فوزي رشيد ، السياسة والدين في العراق القديم ، ( بغداد ، دار الشؤون الثقافية العامة ، 1983 ) .
14. جورج رو ، العراق القديم : ترجمه : حسين علوان حسين ، ( بغداد ، 1984 ) .
15. هاني عبد الغني عبد الله ، حركات التحرر في العراق القديم ( رسالة ماجستير غير منشورة ) ، ( كلية الآداب / جامعة الموصل ، 2005 ) .
16. رينيه لابات ، المعتقدات الدينية في بلاد وادي الرافدين ، ترجمة : البير أبونا و وليد الجادر ، ( بغداد ، 1988 ) .






[1] . صوموئيل كريمر ، من ألواح سومر ، ترجمة : طه باقر ، مراجعة وتقديم : احمد فخري ، مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر  ، ص 81 – 88 .
[2] . لقراءة نص اوروانمكينا  حول إصلاحاته في لكش  انظر : فوزي رشيد ، القوانين في العراق القديم ، ( بغداد : دار الشؤون الثقافية العامة ، 1988 ، ص 10 – 33 .
[3] . للإطلاع على بعض المعلومات حول الثورة الاجتماعية في مصر انظر : رمضان عبده علي السيد ، معالم تاريخ مصر القديم ،( القاهرة : مكتبة نهضة الشرق ، 1986) ص 209- 215 .
[4] . هي ملحمة سومرية مهمة تتناول مغامرات جلجامش ملك الوركاء خلال عصر فجر السلالات  السومرية النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد وهي من أقدم الملاحم التي أنتجتها الحضارات القديمة  للاطلاع على الملحمة ومعرفة تفاصيل عنها  يمكن الاطلاع على المصدر التالي : طه باقر ، ملحمة جلجامش  ، الطبعة الخامسة ، ( بغداد : دار الشؤون الثقافية العامة ، 1986)  .
[5] . طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، الجزء الأول ، الطبعة الثانية ، ( بغداد : دار الشؤون الثقافية العامة ، 1986) ، ص 309 .
[6] . طه باقر  ، مقدمة في أدب العراق القديم ، ( بغداد : دار الحرية للطباعة  ) ، ص 102 .
[7] . ثاركيلد جاكوبسن وآخرون ، ما قبل الفلسفة ، ترجمة : جبرا ابراهيم جبرا ، مراجعة : محمود الأمين ، ( بغداد ، 1960) ص 175 .
[8] . طه باقر ، ملحمة جلجامش ، 191- 195 .
[9] . طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص 293 .
[10] . طه باقر ، ملحمة جلجامش ، ص 76 .
[11] . طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، ص 293 .
[12] . حول نص تمال الذي يعود تدوينه إلى العصر البابلي القديم ينظر : طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات ، 306 .
[13] . حول النزاعات التي كانت سائدة في عصر فجر السلالات ينظر : هاني عبد الغني عبد الله ، حركات التحرر في العراق القديم ( رسالة ماجستير غير منشورة ) ، ( كلية الآداب / جامعة الموصل ، 2005 ) ، ص 9 – 22 .
[14] . خير ما يؤكد هذا التحول تغير الألقاب السياسية للحكام حيث كان يطلق على الحاكم لقب ( أن ) الذي يعني السيد  وهو لقب له علاقة بالوظائف الدينية  ثم تحول اللقب إلى ( انسي ) أي الأمير والذي قد يعني انفصال السلطتين الدينية والدنيوية  وأخيرا ظهر لقب ( لوكال ) الذي يعطي معنى الملك  بالإشارة  إلى تزايد السلطات وامتداد النفوذ السياسي  إذ عاش جلجامش في فترة الانتقال بين لقب ( الإنسي ) ولقب ( لوكال )  الأمر الذي يفسر تلقب بعض الحكام بلقب انسي وتلقب آخرين بلقب لوكال . حول هذه الألقاب انظر : جورج رو ، العراق القديم : ترجمه : حسين علوان حسين ، ( بغداد ، 1984 )  ، ص 187 .

[15] . طه باقر ، ملحمة جلجامش  ، ص 77
[16] . فؤاد يوسف قزانجي ، ملحمة جلجامش  النص الكامل الجديد ، مجلة آفاق عربية ، العدد  7- 8 ، 2001 ، ص ص 70 - 71
[17] .  يمكننا أن نقرن تسخير الناس في بناء سور الوركاء بتسخير الناس من قبل الفراعنة في بناء الأهرامات  لكن وجه الاختلاف أن المصريين كانوا يفعلون ذلك على أساس من العقيدة والإيمان على عكس السومريين الذي يجدونه أمرا مسيئا لحريتهم وكرامتهم  للمزيد عن تسخير الناس في مصر القديمة ينظر :  سمير ديب ، تاريخ وحضارة مصر القديمة ، ( الإسكندرية ، 1997 ) ، ص 74 – 75 .
[18] . على ما يبدو لم تبرز في العصور السومرية المبكرة  طبقة عسكرية خاصة  فجميع سكان المدينة القادرين على حمل السلاح كانوا يجندون في أوقات النزاعات  ولذلك لم يملك الحاكم أو من يقوم  مقامه  أي وسيلة تمكنه في التحكم برقاب الناس  لكن الأمر تغير في عصر فجر السلالات الثالث أو ربما قبله بقليل عندما حتمت الظروف إنشاء جيش للدفاع عن المدينة  إذ أصبح هذا الجيش وسيلة الحكام في الهيمنة والتسلط  ، حول هذا الموضوع  انظر : دياكونوف ، ظهور الدولة الاستبدادية في العراق القديم ، من كتاب العراق القديم ، مجموعة من الباحثين الروس ، ترجمة : سليم طه التكريتي ـ ( بغداد ، دار الشؤون الثقافية ، 1986) ، ص 263 – 310 .
[19] . تشير الملحمة إلى وجود هذا المجلس في أثناء عزم جلجامش  السفر إلى غابة الأرز ومع أن  المجلس بدا استشاريا لعدم قدرته على تغيير قرارات جلجامش إلا انه ربما كان في السابق يمتلك مثل هذه الصلاحيات ناهيك عن كونه مصدر السلطة التي يتمتع بها الحاكم حول ذكر المجلس في الملحمة ينظر : رينيه لابات ، المعتقدات الدينية في بلاد وادي الرافدين ، ترجمة : البير أبونا و وليد الجادر ، ( بغداد ، 1988 )  ، ص  186 – 187 .  
[20] . طه باقر ، ملحمة جلجامش  ، ص 77
[21] . المصدر نفسه  ، ص 78
[22] .  طه باقر ، ملحمة جلجامش  ، ص 91
[23] . فوزي رشيد ، السياسة والدين في العراق القديم ، ( بغداد ، دار الشؤون الثقافية العامة ، 1983 ) ، ص 9 .
[24] . يبدو أن من القوة والحكمة من الأمور التي يشترط وجودها في الشخص لكي يغدوا حاكما على المدينة السومرية وهذا ما يتضح من الأبيات التالية " فهو – أي جلجامش – ( مع كونه ) راعي أوروك المحصنة وراعي سكانها و ( ملكهم ) وقوي وشهير وعالم و ( حكيم ) ... " ينظر : رينيه لابات ، المعتقدات الدينية في بلاد وادي الرافدين ، ص 165 .
[25] . طه باقر ، ملحمة جلجامش ، ص 78 .
[26] . رينيه لابات ، المعتقدات الدينية في بلاد وادي الرافدين ، ص 170 .
[27] . فاضل عبد الواحد علي ، سومر أسطورة وملحمة ، ( بغداد : دار الشؤون الثقافية ، 2000) ، ص 196 .
[28] . هناك تفسير أخر لتصرف جلجامش أثناء المعركة إذ ربما نجم عن تهاون انكيدو معه  حفاظا على كرامة الحاكم فأراد جلجامش أن يرد له الجميل  ويقبل بما جاء من اجله  ( رأي شخصي )  . 

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969