السبت، 30 يونيو 2012

أمريكا ومبدأ التوازن الطائفي في الشرق الاوسط

باسم محمد حبيب

المطلع على السياسة الامريكية يدرك حتما الكثير من المرتكزات التي تبنى عليها هذه السياسة وأهم الاهداف التي تنشدها على المديين البعيد والقريب لان الدولة الاميركية دولة مؤسساتية تعتمد المذهب البرغماتي المبني على مبدأ المصلحة فهي لا تبني سياستها على مبدأ القوة أو على المخاطرة بإمكانياتها وقدراتها الاقتصادية والعسكرية بل بالدرجة الاولى على ما تملكه من إمكانيات سياسية تتيح لها التعاطي المرن مع البدائل بحيث يمكنها خلق توازن بين اقل البدائل كلفة وأكثرها تأثير فيبرز عند ذلك  الخيار المناسب الذي يلبي الطموح الاميركي  .
أن هناك سؤالا مهما طرحه البعض لأجل فهم السياسة الاميركية هو : لماذا تدعم الولايات المتحدة ثورات الربيع العربي مع أن هذه الثورات قد تسببت في إسقاط أنظمة كثير منها لم يكن في حالة عداء مع الولايات المتحدة فيما يعد بعضها من الحلفاء والأصدقاء ؟ ألا تدرك مخاطر ذلك على أمنها القومي وأمن إسرائيل التي تربطها معها علاقة وثيقة ؟ 
للإجابة نقول أن اميركا تفهم جيدا أوضاع المنطقة وتعقيداتها وتعرف ما فيها من اشكالات وتناقضات فهي تدرك ان الصراع الحقيقي في المنطقة ليس هو الصراع المعلن منذ عقود طويلة أي الصراع العربي الاسرائيلي فهذا الصراع ما هو إلا تبرير أخترعه العقل القومي لإدامة نسقه وإبقاء أيديلوجيته وإلا فأن الصراع الحقيقي هو الصراع الطائفي الذي يستند إلى تأريخ طويل من الغزوات والثورات والثارات والتناحرات والتنابزات بين الاسلامين السني والشيعي والذي لن تنتهي حربه الباردة إلا باشتعال حربه الساخنة  التي يبشر بها المتطرفون من الطرفين .
وعلى الرغم من أن الصراع السني – الشيعي كان في خاتمته صراعا بين دولتين أجنبيتين وقوده سكان المنطقة المغلوبون على أمرهم إلا أنه تحول بعد ذلك إلى صراع داخلي يتقاتل فيه ابناء البلد الواحد تحت مسمى الانتصار للمذهب مع ان هذا الصراع هو في بعض حقيقته نوع من المازوخية لانه يربط كل طرف من طرفي المعادلة الداخلية بطرف من طرفي المعادلة الطائفية الخارجية ونتيجة لارث العداء المتواصل وللرغبة في ديمومة الولاء ووضعه في خدمة الهدف السياسي فقد ترسخ واقع  العداء الذي تواصل في مختلف الساحات الدينية والسياسية والعسكرية ينطفأ في مكان ويشتعل في مكان آخر كجزء من واجب ديني وضرورة قومية .
لقد هدأ الصراع الطائفي في حقبة الدكتاتوريات القومية لان هذه الدكتاتوريات وفي سبيل ترسيخ وجودها وديمومة بقائها لابد لها من خلق هوية عابرة للطائفية مع استغلال ما فيها ( أي الطائفية ) من تناقض لصالح خلق هيمنة بديلة تكون مفارقة شكلا ومتفقة مضمونا مع نموذج الهيمنة القديم ولكي تبقى الهوية متماسكة لابد من إيجاد عدو يملأ فراغ العدو الذي أخفاه المشروع القومي أو الوطني فكانت أسرائيل العدو ( المُخَلِص ) ! الذي تحتاجه الدكتاتوريات للبقاء .
لقد نجحت الدكتاتوريات في تهدئة الصراع الطائفي ليس لدوافع خيرة بل حتى لا يفسد عليها هذا الصراع هيمنتها على شعوبها فالهلال الخصيب ومحيطه الجغرافي يعد أكبر جامع للاثنيات المتعادية في العالم وقلبه العراق هو وطن الطائفتين الشيعية والسنية ففي العراق بدأت بذور المذهب الشيعي الذي أنتشر بعد ذلك ليسود في إيران كما نشأت فيه أغلب المذاهب والتيارات الدينية السنية بدءا من المذهب الحنفي وأنتهاءا بالمذهب الحنبلي الذي خرج من عباءته التيار السلفي وقد كان كل من العثمانيين والايرانيين يرون في السيطرة عليه واجبا دينيا مقدسا ولذلك فأن أي تغيير تشهده المنطقة لابد أن يبدأ في العراق ليسهل انتقاله بعد ذلك إلى المناطق الاخرى .
لقد أرادت أميركا خلق توازن أستراتيجي بين الطائفتين الشيعية والسنية لمنع تحول المنطقة إلى لون واحد وهي تعتقد بأن ديمومة التوازن ودخول المؤثرات الديمقراطية إلى المنطقة سيكون كفيلا بصنع واقع جديد يعيد المنطقة إلى عتبة التأريخ ولذلك لم تنزعج من سيطرة التيارات الشيعية على دفة الحكم في العراق ولم تخشى من سيطرة التيارات السنية بفرعيها الاخواني والسلفي على أقطار الربيع العربي لانها تدرك بأن ذلك سيكون مهما لديمومة مشروعها السياسي في المنطقة لان دول المنطقة ذات الانظمة الديمقراطية المتدينة ستكشر عن أنيابها وتبرز مخالبها لـ بعضها البعض وتنسى وهم العدو القديم وما دام التوازن قائما فلن يخشى على المنطقة من الفوضى التي تنتظرها فيما إذا اندلع فجأة الصراع الطائفي .
أن ابلغ دليل على هذه الرؤية الاميركية هو موقف الولايات المتحدة من البرنامج النووي الايراني فهي تبدو متساهلة نوعا ما ولا تتسرع في مواجهة إيران بسببه و تتمنى حله بالطرق السلمية دون الاضطرار إلى توجيه ضربة إلى إيران قد تخل بالتوازن الطائفي أو الاقليمي لكن هذا لا يعني إلغاء الضربة العسكرية بل تأجيلها إلى أن يحين حينها أو يسقط بيدها وهو ما يصدق  أيضا في معارضة أميركا توجيه ضربة اسرائيلية لمنشآت إيران النووية .
وبالتالي فأن المنطقة سائرة إلى واحد من ثلاث احتمالات إما استمرار التوازن الطائفي وبقاء المنطقة في أجواء الحرب الباردة وإما اختلال التوازن لصالح طرف من الاطراف ما يؤدي إلى إشعال الحرب الطائفية العارمة التي ستنساق لها كل القوى الطائفية في المنطقة ما يؤدي إلى كوارث يتعذر وصفها وإما أن ينجح المشروع الديمقراطي الذي ينزع فتيل التوتر الطائفي فتستعيد شعوب المنطقة لحمتها ومن ثم تبدأ سيرها الحثيث نحو الحياة الحرة الكريمة .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969