الخميس، 28 يونيو 2012

خيارات التجربة العراقية

باسم محمد حبيب
الصباح العراقية 28 حزيران 2012
من الامور التي ربما غفل عنها بناة العراق الجديد ان المشكلة في العراق ليست سياسية وحسب بل هي بنيوية ايضا هذا ان لم تكن المشكلة السياسية هي نتاج للمشكلة البنيوية التي يعاني منها العراق، لان العراق الحديث ( من عقد العشرينات من القرن العشرين إلى 2003 ) لم يتأسس من تلقاء ذاته كما حصل مع غيره من الدول الاخرى بل تم تأسيسه بإرادة بريطانية ولدوافع عديدة تاريخية واقتصادية واجتماعية وعسكرية، وعلى الرغم من ادراك بريطانيا للمشاكل البنيوية التي يعاني منها العراق بل ومعرفتها بما قد تسببه في قابل الايام فانها لم تتوان عن المضي قدما نحو هدفها في بناء دولة تضم ارض بلاد الرافدين التاريخية وكان أملها ان تتمكن هذه الدولة بما تملكه من ثروات ومقومات ذاتية وتحت رعايتها الخاصة من المضي قدما باتجاه استكمال مقومات التأسيس، وفعلا وبعد جملة من الاجراءات والخطوات التأسيسية بدا العراق وكأنه قد تخلص من تلك المشاكل التي كانت تهدد كيانه وتخلخل بنيته الداخلية ولكن بخلق مشكلة اخرى تمثلت بالمشكلة السياسية، وبدلا من ان ننظر إلى التأسيس العراقي القديم على انه خيار بريطاني محض أو انه نتاج للعبة طائفية معينة فان الواقع في حقيقة الامر اعقد من ذلك بكثير انه نتاج مشاكل وعقد مختلفة افقية وعمودية، افقية تتمثل بالتنوع الديني والقومي والطائفي وعمودية تتمثل بالجهل والاقصاء وعدم نضج التجربة السياسية وغيرها، ولذلك اخذ النظام شكلا دكتاتوريا بعد ان اقتصر اهتمامه على المشاكل الافقية دون العمودية، لذا لا غرابة ان يزداد استبداد هذا النظام أو يتقوقع على نفسه حتى غدا في نهاية المطاف ممثلا لفئة صغيرة لا غير .
لكن عند حصول التغيير في 2003 وعند محاولة بناء واقع جديد حاول البناة الجدد الاستفادة من التجربة السابقة لكن بشكل مجتزأ، فقد اعتقدوا ان المشكلة في العراق  سياسية وحسب ما جعلهم يعتقدون ان التغيير السياسي هو الحل المنطقي لتلك المشكلة لكن فاتهم ان يدركوا ان الجانب السياسي ما هو إلا الجانب الظاهر من المشكلة فيما ان المشكلة في حقيقتها اعقد من ذلك بكثير، وقد ظهر ذلك جليا بعد فترة قصيرة من التغيير عندما تحركت العوامل الباطنية المضادة لتفعل فعلها في البناء العراقي فعاشت التجربة العراقية ظروفا غاية في التعقيد من خلال تعدد اشكال الصراع والتناقضات في البنية الوطنية مما وضع التجربة السياسية امام ثلاث خيارات محددة هي  :
1 - خيار التقسيم فقد لوح البعض بأن العراق طائر بثلاثة اجنحة  وهو مهدد بالسقوط والانهيار في اي لحظة لان المكونات التي يتشكل منها العراق الحديث وهي الشيعة والسنة والاكراد ليست مكونات منسجمة او مترابطة فهي قد ادمجت مع بعضها بالقسر والاكراه من خلال المشروع البريطاني السابق وهي لا تريد العيش المشترك بقدر ما تريد استغلال هذا العيش لتحقيق اقصى استفادة ممكنة بانتظار الحصول على العتق السياسي عندما ينهار العراق من الداخل وهو الامر الذي تراهن عليه هذه المكونات او على الاقل المكونات التي لا تمسك بالسلطة السياسية، ولكن خيار التقسيم يصطدم بشعور وطني قوي وبواقع اقليمي رافض لذلك فدول جوار العراق لا يمكنها ان تقبل تقسيم العراق الذي قد يمهد إذا ما حصل لتقسيم بقية دول المنطقة او على الاقل خلق اضطرابات قوية فيها، ولذا عملت دول الجوار منذ التغيير وإلى الان إلى عقد مؤتمرات دورية لمراقبة الوضع العراقي تمهيدا للتدخل فيما إذا وجدت هذه الدول ان هذا الواقع يسير باتجاه مخالف لمصالحها، فتقسيم العراق غير ممكن أو لعله غير ممكن في ظل الظروف الحالية .
2 - خيار الفدرالية وهو خيار طرح بطريقة عجيبة ففي البداية طرح من قبل بعض الاطراف الشيعية على الرغم مما قد يسببه هذا الخيار من اضعاف للسلطة المركزية التي كان الشيعة مؤهلون لامتلاكها من خلال الانتخابات التي جرت تحت مظلة من المخاوف الطائفية، والغريب ايضا ان غالبية الاطراف السياسية الممثلة للسنة كانت من اشد المعارضين لها على الرغم من انهم قد يستفيدون منها للتخلص من سيطرة المركز، وقد اعتقد البعض انهم ربما يتأملون عودة الامور إلى سابق عهدها لذلك لا يرغبون في تغيير ما هو مؤقت، والطريف في الامر ان هذه المعادلة قد تبدلت بعد ذلك فأخذت الكثير من الكتل السياسية السنية تطالب بالفدرالية فيما اخذت غالبية الكتل الشيعية بالمناداة برفضها، وبغض النظر عن الاسباب التي تقف وراء تبدل المواقف في ما يخص مشروع الفيدرالية فأن هذا المشروع يبدو ابعد من ان يكون حلا ناجحا للمشكلة العراقية التي تعاني كما قلنا من مشاكل بنيوية خطيرة، وما العلاقة بين حكومة المركز واقليم كردستان إلا دليل مباشر على صعوبة انشاء علاقة فدرالية متوازنة بين المركز والاقاليم التي يمكن ان تنشأ على اسس جغرافية او قومية او مذهبية .
3 - خيار المركزية وهو الخيار الذي بدأ يظهر الان بعد ان اخذت شدة الخيارات الاخرى بالتضاؤل وبعد ان ثبت عدم امكانية ايجاد حلول عملية متكاملة للمشاكل البنيوية الخطيرة التي تنهش بالجسد العراقي، ففي هذه الحالة يبدو ان العراق سائر نحو استعادة التجربة السابقة ولكن هذه المرة من افق ديمقراطي، ولكن خيار المركزية يواجه تحديات كبيرة من اخطرها تحدي انحراف العملية السياسية من الاتجاه الديمقراطي إلى الاتجاه الدكتاتوري وهذا إذا ما حصل يعني اعادة البلاد إلى ما قبل المربع الاول هذا ناهيك عن التحديات الاخرى سواء الداخلية والخارجية .
إذن امام العراق طريق طويل حتى يشعر بأنه يسير في الطريق الصحيح، فمشاكل العراق لا يمكن ان تحل بالقرارات السياسية ولا بمؤتمرات تعقد على عجل ولغايات مصلحية بحتة انما لا بد من معاينة طويلة الامد للخيارات المتاحة ليتم اختيار ما يمكن ان يلائم الواقع العراقي على المدى البعيد .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969