الأربعاء، 20 يونيو، 2012

الدور السياسي للمثقف

باسم محمد حبيب
هل يمكن للمثقف ان يؤدي دورا سياسيا دون التحول إلى سياسي ؟  ابتداءا يطرح  هذا السؤال أمرين مهمين اولهما ان من واجبات المثقف ان يكون له دور سياسي لا سيما وان البلد بحاجة ماسة لهذا الدور الذي يشكل جزءا اساسيا من الفعالية الثقافية اما الامر الثاني الذي يطرحه هذا السؤال فهو ضرورة ان ينئى المثقف بنفسه عن العمل السياسي المباشر على الاقل خلال مدة أدائه لواجب التوعية والتثقيف حتى لا يوصم جهده بعدم البراءة الذي ينتج من ربط الدورين معا ( الدور السياسي والدور الثقافي )  .
ان أولوية الدور الثقافي للمثقف تنبع من حاجة المجتمع الكبيرة لهذا الدور الذي يمثل عاملا اساسيا من عوامل نجاح العملية الديمقراطية فهذه العملية لا تحتاج إلى سياسيين بقدر حاجتها إلى مثقفين يمكنهم ان يرسخوا المباديء الديمقراطية ويدعموا السلوك الديمقراطي المنشود بالقول والفعل فيساهموا في توعية المجتمع بحاجاته وضروراته وتثقيف المواطن بالسبل التي يمكن من خلالها التأثير في العملية السياسية وتوجيهها لصالحه .
وبالطبع لا ينبع الدور السياسي ( التثقيفي ) للمثقف من الواجب الثقافي المنوط به وحسب بل و من حداثة التجربة الديمقراطية  التي تنطوي على الكثير من الممارسات السلبية التي تستمد حضورها من حالة التخلف التي يعيشها المجتمع ومن الارث الاستبدادي السابق فهي لم ترسخ بعد سلوكياتها وممارساتها التي بقيت بعيدة عن التطبيق الفعلي ناهيك عن عدم تأثيرها في الطبقة السياسية يضاف إلى ذلك امتلاء البلد بالتيارات السياسية المتصادمة وتعرض المواطن للتضليل المقصود او غير المقصود  .   
ان بأمكان المثقف أداء هذا الدور أما من خلال المؤسسات والمنابر الثقافية او من خلال العمل الميداني أي بأتباع نفس اسلوب السياسيين ولكن لاغراض ودوافع مختلفة فنزول المثقف إلى الشارع ووصوله إلى المحافل الاجتماعية المختلفة سيكون كفيلا بأنجاح مسعى المثقف وتحقيق الاهداف التي ينشدها بشكل اكثر تأثيرا مما لو اتبع الاساليب التقليدية المعتادة .
ان ابرز دليل على اهمية هذا الاسلوب وامكانية تحقيقه للاهداف المنشودة ينبع من وجود امثلة حية سواء من ارثنا التأريخي أو ارث الشعوب الاخرى فالدور الذي مارسه المفكرون الاسلاميون في بناء الدولة الاسلامية واضح من خلال الشواهد التأريخية ونفس الشيء للمفكرين الاوربيين فقد مثل دورهم الثقافي الكبير طليعة التغييرات السياسية التي شهدتها اوربا في بداية العصور الحديثة  ولنا في الدور الذي لعبه المفكرون الفرنسيون قبيل الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر خير برهان على ما يمكن ان يقدمه المثقف لصالح تطوير وتحسين الواقع السياسي للمجتمع ولم يتوقف دور المثقفين الاوربيين حتى في القرنين التاليين اللذان شهدا تطورات سياسية واجتماعية مهمه كان للمثقفين دور اساسي فيها ولذلك يمكن ان يكون للمثقف العراقي دور مماثل شريطة ان يقتدي بهم .
لكن قد يشكك البعض في امكانية نجاح المثقف العراقي وامكانية حذوه حذو الاوربيين في ارساء دور سياسي ( تثقيفي ) كبير لما بين النموذجين من فوارق كبيرة ولأختلاف الظروف والبنى الثقافية وجوابنا ان التشكيك المبدئي بدور المثقف هو قبل كل شيء استهانة بالإمكانيات والطاقات الكامنة في المثقف ناهيك عما يمثله من نكران لحقنا في التجريب والمحاولة هذا بالاضافة إلى اننا لا يجب ان نقارن وضعنا بوضع اوربا في الوقت الحاضر بل بما كانت عليه في تلك الفترة الحرجة من تأريخها فضلا عن ان دور المثقف يمكن ان يتصاعد تبعا للتحديات التي تعترض سبيله وما يواجهه المثقف في العراق يمكن  ان يكون دافعا لآداء دور كبير ومتميز .
ان الصعوبات التي تواجه العملية السياسية والمخاطر التي تواجه البلد ناهيك عن الاخطاء التي ارتكبها السياسيون تجعل الوضع مواتيا لدخول لاعب كبير لاعب لا يمكنه ان يتقيد بقواعد اللعبة السياسية التي حاكها السياسيون بل بقواعد اللعبة الثقافية الاكثر ارتباطا  بالاسس الاجتماعية العميقة حيث يمكن لهذا اللاعب ان يؤدي دورا خارجا عن المألوف ويصنع حضورا قويا يزعزع به الثوابت ويحرك السواكن ليؤسس واقع جديد من الحركة والتغيير .
لكن ضرورة الدور السياسي للمثقف ربما يدفع بعض القوى السياسية للتحالف ضد هذا المسعى الذي قد يجدوه مهددا لمصالحهم ومؤثرا على حضوضهم في المنافسة السياسية وقد يعمد هؤلاء لوضع معرقلات قد تقف حائلا امام ممارسة المثقف لدوره وفيما إذا حصل هذا وهو امر تحتمله وقائع الامور والاوضاع الراهنة في البلد فأن على المثقف ان لا يخضع لهذا التحدي بل ان يزيده اصرارا حتى يحقق ما يصبو إليه .
فالعملية السياسية التي نشطها السياسيون بحاجة ماسة للمسات المثقف الذي يستطيع بما يملكه من ادوات ثقافية ورؤى وأفكار ان يغير من مجرى العملية السياسية بحيث يدفع بها إلى مديات ارحب حيث التطلع  إلى مستقبل سياسي اكثر استقرارا وانشط حراكا وأقوى دعائما مما تؤسسه هذه العملية للحاضر فالنجاح السياسي لا يحصل دائما بيد السياسيين الذين قد لا ينظرون إلى ما هو ابعد من الراهن السياسي انما لابد من دور يلعبه المثقف لكي يكون النجاح ممكنا وأكيدا .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969