الثلاثاء، 5 يونيو، 2012

هل ثقافة اللاعنف ممكنة في العراق ؟



باسم محمد حبيب

السؤال عن إمكانية نشر ثقافة اللاعنف في العراق يحمل في مضمونه أمرين أساسيين : الأول هيمنة ثقافة العنف في العراق والثاني وجود قدر من الشك في إمكانية إحلال ثقافة اللاعنف محل ثقافة العنف المتفشية في البلد والتي غدت إحدى السمات الملازمة لتأريخه من أقدم العصور وإلى الآن فأكثر الأحداث التاريخية التي شهدها البلد كانت مشحونة بالعنف بما في ذلك وبشكل خاص التحولات السياسية ولدينا في العراق تأريخ حافل بالمجازر الدموية التي رافقت تلك التحولات بدءا من بداية العصور التاريخية وإلى الآن فقد سجلت لنا الألواح والمسلات ما كانت تشهده المدن السومرية من مذابح تقشعر لها الأبدان عندما تداهمها جيوش المدن السومرية الأخرى فيما يفخر (شاروكين الاكدي) أول إمبراطور عرفه التاريخ بتقديم أعدائه أضاحي بشرية لراعيته عشتار عند إخماده الثورات التي نشبت ضده الأمر الذي أدى إلى شيوع أدب الرثاء وبشكل خاص رثاء المدن التي يتم تدميرها دون رحمة من قبل الأعداء يقول احد النصوص التاريخية واصفا ما حل ب أور عند سقوط سلالتها الثالثة في نهاية الألف الثالث قبل الميلاد " أنطفأ النور في المدينة وأصبحت أنقاضا وخرائب وأبنائها كما الشظايا ملأوا كل الفضاءات وعند البوابة الضخمة حيث يتمشى الناس الجثث الآن تقبع " ونظرا لهول ما حصل آنذاك فقد هرب الناس منها زرافات ناجين بأرواحهم وأموالهم وقد يكون إبراهيم احدهم موليا وجهه شطر الغرب هذا الغرب الذي ورث من أور الحضارة والديانة فحضارة الغرب هي بحسب المؤرخين وريثة حضارتي اليونان والرومان وهؤلاء اخذوا حضارتهم من الأقوام السورية والأناضولية أما الديانة التي آمن بها الغرب ردحا طويلا من الزمن ومازالوا فقد استقت مبادئها من الديانة التي حملها إبراهيم معه عند خروجه من أور ففاجعة أور وأن كانت وبالا على العراق إلا أنها من جانب آخر مكنت الحضارة من الانتشار والتحليق بعيدا عن مواطن العنف الأمر الذي سهل نموها وازدهارها وعلى الرغم من أن هجرة أهل أور لم تنهي الحضارة في العراق إلا أنها أضعفتها كثيرا وأخذ العنف يتسيد أحداث العراق منذ تلك اللحظة فكان الدمار الذي شهدته بابل على يد العيلاميين عند سقوط الحكم الكشي مثالا كبيرا على ما للعنف من أثر في أغناء حضارة وإفقار حضارة أخرى وتكرر المشهد مرارا في العهد الآشوري الذي وصفه كثير من المؤرخين بأنه احد ابرز عصور العنف في تأريخ العراق القديم سواء بحجم ما جرى من عنف أو بما اتبع من وسائل (في العنف) لم تكن معروفة من قبل ولعل النزعة العسكرية التي اشتهر بها سكان الموصل في العهد العثماني من بقايا تلك المرحلة القديمة ومن ابرز ما قاموا به قيامهم بتدمير بابل في موجة من موجات العنف الاعمى وحذت بابل حذو آشور عندما تسببت في إسقاط دولة الآشوريين بل وتدمير عاصمتهم نينوى تدميرا فاجعا إلى درجة صعب على القادة والرحالة الذين مروا بها التعرف على أطلالها ولم تقم لها قائمة بعد ذلك حيث استغلت الاقوام الاخرى هذا الصراع لصالحها وتمكنت من الهيمنة على البلد وإخضاعه لسلطانها السياسي وقد بقي الصراع بين بابل وآشور ماثلا ومترسبا في العقلية الجمعية لقرون عديدة أما العصر الوسيط فترة الحكم العربي الإسلامي فيكفي أن نشير إلى أن العراق قد شهد في عهد واحد من ذلك العصر وهو العهد الأموي ما يقرب من ( 150 ) ثورة وانتفاضة وحركة مسلحة أي بمعدل واحد ونصف في السنة الواحدة ولنا أن نقدر حجم الدماء التي سفكت والأموال التي أهدرت فيها ونفس الشيء في العصر العباسي الذي شهد أضعاف هذا الرقم من الثورات والانتفاضات والحروب بل أن بغداد وحدها تعرضت إلى أكثر من عشرين غزوا في عز وجود الخلافة العباسية ناهيك عما كان يجري في داخلها من صراعات طبقية وعرقية ودينية حتى قيل أن السيادة في بغداد كانت للشطار والعيارين الذين لم يتورعوا عن حشر أنوفهم في الصراعات السياسية بين الأمراء والوزراء وقادة الأجناد وقد شهد البلد بدءا من القرن العاشر الميلادي صراعات مذهبية مريرة ذهب ضحيتها الآلاف من الناس وعندما وصل  المغول إلى أسوار بغداد كانت الحرب الطائفية في أوجها الأمر الذي سهل على المغول احتلال بغداد وانهاء مجدها الزاهر وفي العهود التالية تكررت مشاهد العنف التي تمثلت بموجات الغزو الاجنبي والانتفاضات الوطنية ضد الغزاة والصراعات الدينية والمذهبية والعشائرية حتى توقفت مدارس العلم وهجر العلماء والحرفيين البلد وقد دعى مؤرخ العراق انذاك الغياثي على حكام البلد واصفا إياهم بالقتلة المجرمين وعندما وصل تيمورلنك كانت بغداد تعيش واحدة من احلك فتراتها في عهد السلطان احمد الجلائري فأصبحت بغداد كالكرة التي تتقاذفها اقدام هذين الحاكمين فتصنع ابراج من رؤوس اهلها وعندما حل القرن السادس عشر الميلادي بدأت موجة الصراع الطائفي الذي اشتد اواره برعاية الدولتين الصفوية والعثمانية فكانت بغداد الجائزة التي يرنوا إليها الرابح من هذا الصراع عندها تبدأ معانات اهلها المتهمين بموالاة الخصم فتجري المذابح تارة تستهدف اهل السنة وتارة اخرى اهل الشيعة برعاية وإيعاز من الغزاة وتكرر مشهد العنف عند سقوط حكم المماليك في بغداد عام 1831 فقد ازهقت ارواح الالاف من اهل بغداد في موجة العنف تلك وإذا كان هذا حال بغداد مقر الباشوات فكيف كان حال المناطق الاخرى التي كانت بعيدة كل البعد عن هيمنة القانون والنظام فالغزوات العشائرية كانت هي السمة السائدة في غالب ارض العراق في العهد العثماني وقد فصل الرحالة الاجانب اوضاع العراق بدقة متناهية موضحين ان الخوف والرعب هو الشيء السائد في تلك الاونة ولذا ما ان جاء البريطانيون حتى وجدوا انفسهم امام موجة جديدة من العنف حملت هذه المرة الشعار الديني فتناسى الفرقاء خلافاتهم الدموية القديمة وتفرغوا إلى عدوهم الجديد وكأن النزعة الوطنية قد كشفت عن نفسها بغتة بعد ان كانت غائبة عدة قرون لكن المشروع البريطاني استمر ثم افصح عن نفسه في مشروع دولة العراق الحديثة التي قدر لها ان تشهد صفحات جديدة من العنف الثقافي والطائفي والقومي والديني والعنصري وضد المرأة ناهيك عن العنف السياسي الذي تمثل بالانقلابات المفرطة في ساديتها ودمويتها بدءا من ثورة 14 تموز 1958 مرورا بـ انقلاب شباط ضد حكم عبد الكريم قاسم وانقلاب 17 تموز 1968 وآخيرا وليس آخرا موجة العنف الطائفي الاهوج التي شهدها العراق بعد سقوط النظام السابق .

هذا السرد التأريخي لمسيرة العنف في العراق يبين لنا وجود ثقافة منتجة للعنف بل ومنتجة لاقسى اشكال العنف تتغذى من روافد مختلفة تأريخية واقتصادية ودينية ومذهبية وتعبر عن نفسها بصور واشكال شتى وبطرق مرعبة ومروعة فهل هناك امكانية لدحر هذه الثقافة ؟ لا اعتقد ان هناك من اجابة واثقة لهذا السؤال لاننا لا نملك امثلة كافية من التأريخ العراقي يمكنها ان تعزز مثل هذا النوع من الاجابة بل كل ما يجب ان نقوله انه حتما هناك امكانية لانتاج ثقافة مناهضة للعنف لكن الامر يحتاج إلى وقت وصبر لا سيما مع دوام الحالة الديمقراطية نتمنى ان لا يكون هذا نوعا من التمني .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969