الأحد، 3 يونيو 2012

العراقيون القدماء عرفوا المنطق قبل اليونان

باسم محمد حبيب
هل عرف العراقيون الفكر المنطقي؟ وهل امتلكوا قواعد منطقية مدونة ومتداولة كما هو الحال مع قواعد المنطق المنسوب إلى ارسطو ؟ هذا بالتأكيد من أهم الأسئلة التي يفترض أن نركز عليها
حتى نعرف إلى أي مدى كان العراقيون القدماء يعرفون علم المنطق لكن للأسف الشديد لم يجري الاهتمام بهذا الموضوع الذي بقي رهن الاجتهادات المتسرعة والفرضيات الخاطفة إذ لم يتم بحسب علمي طرح هذا الموضوع من خلال دراسة علمية وافية ولذلك جاءت هذه المحاولة المتواضعة لتطرح هذا الأمر عسى أن ينتبه إليه المعنيون ويولوه عناية خاصة لان حضارة بهذا الكم المعرفي وهذا النتاج الثقافي والعلمي الباهر لابد أن تكون مرتكزة على نهج منطقي له ماله من القوة والشيوع ولعل أهم دليل علي شيوع النزعة الجدلية المنطقية في ذهنية حضارة وادي الرافدين تلك النصوص التي تتكلم عن حوارات مختلفة بين أب وابنه التلميذ حول أهمية المدرسة وبين فلاح وراعي حول أفضلية كل منهما وبين العبد وسيده وبين الإنسان وإلهه ما يعني وجود فعالية عقلية لفهم المتناقضات أو تبريرها جدليا وبطريقة منطقية ورغم أن الرافدينون لم يطرحوا على مانعلم بشكل نظري خطواتهم الجدلية أو المنطقية إلا أننا نستطيع أن نلمسها من خلال نصوصهم وحواراتهم لأنهم في الواقع لم يهتموا بالمسائل النظرية قدر اهتمامهم بالمسائل العملية وبالتالي قد تطرح هذه الحوارات الدليل على وجود معرفة منطقية تمثل بالتأكيد احد منابع النتاج العظيم لأرسطو لكن هناك اختلافات جوهرية بين المنطق الرافديني والمنطق الارسطوي على الرغم من عناصر الاتفاق الكثيرة هذه الاختلافات نابعة من كون المنطق الرافديني ذا طابع زراعي لأنه منتج من حضارة زراعية وفي حضارة كهذه يجري الاهتمام بأسلوب المقايضة أو التبادل كأسلوب مفضل وسهل لتلبية الحاجات المتبادلة ما جعل الحوار الرافديني مبني بالأساس على هذه العلاقة أي على قاعدة( أعطني ما عندك أعطيك ما عندي ) إما المنطق الارسطوي فهو منطق مبني على أساس تجاري لأنه منتج من حضارة ذا طابع تجاري ما جعله يؤسس لمفهوم الحسن والقبح الذي أصبح السمة البارزة لمنطقه لكن من الضروري بمكان أن ندرك أن أرسطو ليس سوى المبدع الأخير للصيغة النظرية المعروفة للمنطق القديم وليس المبتكر له وان حمل اسمه لان هذا المنطق في حقيقة الأمر من نتاج أجيال عديدة وليس بمستبعد أن يكون قد استورد من حضارة أخرى وإذا كان الأمر كذلك فليس هناك ما يمنع إحالة أصول هذا المنطق إلى السلف الأقدم للحضارات البشرية وهي حضارة وادي الرافدين وبالرغم من أننا لانملك أدلة كافية عن سبل هذا الانتقال ومراحله إلا أننا نستطيع من خلال بعض المقارنات النصوصية أن نستدل منها على بعض الخيوط التي تدعم طرحنا.

ففي حوار طريف بين الصفر والفضة(1) نلمح محاولة لطرح المقدمات والنتائج بشكل جدلي أولا عرض واقع الحال ثم التشكيك به ثم إثبات العكس منطلقين من المعايير الرافدينية في المفاضلة والتقييم وهي (الأهمية والأفضلية والفائدة) وكذلك مع نصوص أخرى كثيرة بما في ذلك نص ملحمة جلجامش الذي يحمل قيمة منطقية كبيرة بعرض قضية الموت المقدرة على البشر ثم التشكيك بعدالتها ثم محاولة إثبات إمكانية الحياة الدائمية أي نفي الموت وصولا إلى النتيجة النهائية وبالتالي نستطيع أن نوجز خطوات المنطق الرافديني مع الاستشهاد بثلاث نصوص.


(أولا) المقدمة أو عرض واقع الحال.
حيث نجد أن الحوارات عادة ما تبدأ بعرض واقع الحال أو بمقدمة ما لكي يتم نفيها ففي النص الموسوم (بالمونولوج) نجد هناك عرض للاعتقاد القديم (كنت اعتقد أن تقواي مرضية لدى الآلهة)(2) وبالتالي فان المطلوب هو نفي هذا الأمر من خلال الجدل إما النص الثاني الذي سنحاول الاستشهاد به هو نص (مقدمة ملحمة جلجامش) الذي يؤلف جزءا من اللوح الأول حيث يبدأ النص بالعبارات التالية (هو الذي رأى كل شيء فغني بذكره يا بلادي وهو الذي عرف جميع الأشياء وأفاد من عبرها. وهو الحكيم العارف بكل شيء)(1) والمطلوب هو إثبات هذا القول إما نص (خطبه انانا) فيبدأ بمقدمة الأخ التي يميل بها إلى جانب الراعي (2) والمطلوب هو نفي أو قبول مقدمته حيث يلاحظ أن كاتب النص قد تعمد وضع المقدمة لصالح الراعي حتى يشحن الجدل ويطرح القضية بشكل أكثر قوة.


(ثانيا) التشكيك بالمقدمة أو تأكيدها
ففي المونولوج نجد هذه العبارات بعد المقدمة التي ذكرناها في البداية (لكن ما نظنه إحسانا قد يكون اهانة لهم وما نظنه تجديفا قد يعد إحسانا عندهم)(3) أي أن هناك تشكيك في المقدمة أو الواقع المعروض في البداية ونفس الشيء بالنسبة لنص مقدمة ملحمة جلجامش نلاحظ أن الأبيات التالية بعد المقدمة تحاول أن تؤكد تلك الحقائق من خلال طرح بعض المعطيات (حكمة جلجامش ورحلاته ومغامراته)(4) وفي نص خطبة انانا نلاحظ تشكيك الفتاة بكلام أخيها الذي طرحه في مقدمة النص ورد الراعي عليه (5).


(ثالثا) نفي أو إثبات المقدمة
حيث يصل كاتب المنولوج إلى عكس ما طرحته المقدمة أي إلى وجود تناقضات غير مفهومة في سلوك الآلهة وعلاقتها مع البشر ثم ينهي ذلك قائلا (واني اتسائل إزاء هذه المتناقضات. كلا إني لا أتوصل إلى إدراك معناها العميق)(6) إما في نص مقدمة ملحمة جلجامش نصل إلى إثبات ما طرح في المقدمة (من ذا الذي يضارعه في الملوكية. من غير جلجامش يستطيع أن يقول : أنا الملك ومن غيره من سمي جلجامش ساعة ولادته. ثلثاه اله وثلثه الباقي بشر)(1) إما في نص خطبة انانا فنجد نفي المقدمة بمحاولة الفتاة تبرير موافقتها على الزواج من الفلاح دون الراعي.(2)


هذه النصوص وغيرها ممن حفلت بها كتابات وادي الرافدين تؤكد بما لا يقبل الشك وجود معرفة بأصول المنطق لدى الكتبة العراقيين حيث تدلنا النصوص الحوارية على أن الهدف من هذه النصوص هو إيصال المتلقي إلى رؤية واضحة وحكم معين حول الحوار وهذا لن يتم بدون وجود معرفة منطقية معروفة ومتفق عليها في ثقافة حضارة وادي الرافدين.

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969