السبت، 30 يونيو، 2012

أمريكا ومبدأ التوازن الطائفي في الشرق الاوسط

باسم محمد حبيب

المطلع على السياسة الامريكية يدرك حتما الكثير من المرتكزات التي تبنى عليها هذه السياسة وأهم الاهداف التي تنشدها على المديين البعيد والقريب لان الدولة الاميركية دولة مؤسساتية تعتمد المذهب البرغماتي المبني على مبدأ المصلحة فهي لا تبني سياستها على مبدأ القوة أو على المخاطرة بإمكانياتها وقدراتها الاقتصادية والعسكرية بل بالدرجة الاولى على ما تملكه من إمكانيات سياسية تتيح لها التعاطي المرن مع البدائل بحيث يمكنها خلق توازن بين اقل البدائل كلفة وأكثرها تأثير فيبرز عند ذلك  الخيار المناسب الذي يلبي الطموح الاميركي  .
أن هناك سؤالا مهما طرحه البعض لأجل فهم السياسة الاميركية هو : لماذا تدعم الولايات المتحدة ثورات الربيع العربي مع أن هذه الثورات قد تسببت في إسقاط أنظمة كثير منها لم يكن في حالة عداء مع الولايات المتحدة فيما يعد بعضها من الحلفاء والأصدقاء ؟ ألا تدرك مخاطر ذلك على أمنها القومي وأمن إسرائيل التي تربطها معها علاقة وثيقة ؟ 
للإجابة نقول أن اميركا تفهم جيدا أوضاع المنطقة وتعقيداتها وتعرف ما فيها من اشكالات وتناقضات فهي تدرك ان الصراع الحقيقي في المنطقة ليس هو الصراع المعلن منذ عقود طويلة أي الصراع العربي الاسرائيلي فهذا الصراع ما هو إلا تبرير أخترعه العقل القومي لإدامة نسقه وإبقاء أيديلوجيته وإلا فأن الصراع الحقيقي هو الصراع الطائفي الذي يستند إلى تأريخ طويل من الغزوات والثورات والثارات والتناحرات والتنابزات بين الاسلامين السني والشيعي والذي لن تنتهي حربه الباردة إلا باشتعال حربه الساخنة  التي يبشر بها المتطرفون من الطرفين .
وعلى الرغم من أن الصراع السني – الشيعي كان في خاتمته صراعا بين دولتين أجنبيتين وقوده سكان المنطقة المغلوبون على أمرهم إلا أنه تحول بعد ذلك إلى صراع داخلي يتقاتل فيه ابناء البلد الواحد تحت مسمى الانتصار للمذهب مع ان هذا الصراع هو في بعض حقيقته نوع من المازوخية لانه يربط كل طرف من طرفي المعادلة الداخلية بطرف من طرفي المعادلة الطائفية الخارجية ونتيجة لارث العداء المتواصل وللرغبة في ديمومة الولاء ووضعه في خدمة الهدف السياسي فقد ترسخ واقع  العداء الذي تواصل في مختلف الساحات الدينية والسياسية والعسكرية ينطفأ في مكان ويشتعل في مكان آخر كجزء من واجب ديني وضرورة قومية .
لقد هدأ الصراع الطائفي في حقبة الدكتاتوريات القومية لان هذه الدكتاتوريات وفي سبيل ترسيخ وجودها وديمومة بقائها لابد لها من خلق هوية عابرة للطائفية مع استغلال ما فيها ( أي الطائفية ) من تناقض لصالح خلق هيمنة بديلة تكون مفارقة شكلا ومتفقة مضمونا مع نموذج الهيمنة القديم ولكي تبقى الهوية متماسكة لابد من إيجاد عدو يملأ فراغ العدو الذي أخفاه المشروع القومي أو الوطني فكانت أسرائيل العدو ( المُخَلِص ) ! الذي تحتاجه الدكتاتوريات للبقاء .
لقد نجحت الدكتاتوريات في تهدئة الصراع الطائفي ليس لدوافع خيرة بل حتى لا يفسد عليها هذا الصراع هيمنتها على شعوبها فالهلال الخصيب ومحيطه الجغرافي يعد أكبر جامع للاثنيات المتعادية في العالم وقلبه العراق هو وطن الطائفتين الشيعية والسنية ففي العراق بدأت بذور المذهب الشيعي الذي أنتشر بعد ذلك ليسود في إيران كما نشأت فيه أغلب المذاهب والتيارات الدينية السنية بدءا من المذهب الحنفي وأنتهاءا بالمذهب الحنبلي الذي خرج من عباءته التيار السلفي وقد كان كل من العثمانيين والايرانيين يرون في السيطرة عليه واجبا دينيا مقدسا ولذلك فأن أي تغيير تشهده المنطقة لابد أن يبدأ في العراق ليسهل انتقاله بعد ذلك إلى المناطق الاخرى .
لقد أرادت أميركا خلق توازن أستراتيجي بين الطائفتين الشيعية والسنية لمنع تحول المنطقة إلى لون واحد وهي تعتقد بأن ديمومة التوازن ودخول المؤثرات الديمقراطية إلى المنطقة سيكون كفيلا بصنع واقع جديد يعيد المنطقة إلى عتبة التأريخ ولذلك لم تنزعج من سيطرة التيارات الشيعية على دفة الحكم في العراق ولم تخشى من سيطرة التيارات السنية بفرعيها الاخواني والسلفي على أقطار الربيع العربي لانها تدرك بأن ذلك سيكون مهما لديمومة مشروعها السياسي في المنطقة لان دول المنطقة ذات الانظمة الديمقراطية المتدينة ستكشر عن أنيابها وتبرز مخالبها لـ بعضها البعض وتنسى وهم العدو القديم وما دام التوازن قائما فلن يخشى على المنطقة من الفوضى التي تنتظرها فيما إذا اندلع فجأة الصراع الطائفي .
أن ابلغ دليل على هذه الرؤية الاميركية هو موقف الولايات المتحدة من البرنامج النووي الايراني فهي تبدو متساهلة نوعا ما ولا تتسرع في مواجهة إيران بسببه و تتمنى حله بالطرق السلمية دون الاضطرار إلى توجيه ضربة إلى إيران قد تخل بالتوازن الطائفي أو الاقليمي لكن هذا لا يعني إلغاء الضربة العسكرية بل تأجيلها إلى أن يحين حينها أو يسقط بيدها وهو ما يصدق  أيضا في معارضة أميركا توجيه ضربة اسرائيلية لمنشآت إيران النووية .
وبالتالي فأن المنطقة سائرة إلى واحد من ثلاث احتمالات إما استمرار التوازن الطائفي وبقاء المنطقة في أجواء الحرب الباردة وإما اختلال التوازن لصالح طرف من الاطراف ما يؤدي إلى إشعال الحرب الطائفية العارمة التي ستنساق لها كل القوى الطائفية في المنطقة ما يؤدي إلى كوارث يتعذر وصفها وإما أن ينجح المشروع الديمقراطي الذي ينزع فتيل التوتر الطائفي فتستعيد شعوب المنطقة لحمتها ومن ثم تبدأ سيرها الحثيث نحو الحياة الحرة الكريمة .

الجمعة، 29 يونيو، 2012

لا سادة ولا عوام كلنا متساوون

الحوار المتمدن / العدد (3773 ) في 29 حزيران 2012 
باسم محمد حبيب
عندما نطالب بالمساواة هذا لأنها حق طبيعي لا يمكننا ان نساوم عليه ، فقد امنت الحضارة الانسانية الحديثة بحق الانسان بالمساواة وعملت عليه من خلال اصدار التشريعات والقوانين المناهضة للتمييز والداعمة لحق الانسان في المساواة مع اخيه الانسان ، هذا ناهيك عن تكريس جزء مهم من الطاقات التربوية والإعلامية والثقافية لدعم هذا المسعى  .
كذلك هناك سبب آخر لهذه المطالبة يتمثل في شيوع ثقافة التمييز في وسطنا الاجتماعي من خلال العادات والتقاليد البالية وفي اطرنا الثقافية وفهمنا الديني ، ما جعلنا نواجه اشكالا متنوعة من التمييز من ابرزها التمييز على اساس الدين او العرق او العنصر او الجنس .
لقد تطور التمييز في مجتمعنا حتى اخذ طابعا مركبا ، فهناك علاوة على الانواع اعلاه نوع يزاوج بين نوعين من التمييز وهما التمييز الديني والعرقي ، الديني من خلال ربط هذا النوع من التمييز بالمعتقدات والفروض الدينية ، والعرقي من خلال الادعاء بأفضلية عرق على آخر حيث يعد المنتسبين للعرق العلوي الافضل من بين جميع الاعراق الاخرى .
ونتيجة لهذا الاعتقاد فقد ظهرت مصطلحات تحاكي المصطلحات العبودية السابقة كمصطلح ( السيد ) و ( الشريف ) الذي يطلق على المنتسبين للنسب العلوي ، يقابله مصطلح ( العامي ) الذي يطلق على المنتسبين لغير هذا النسب ، كما برزت سلوكيات اقل ما يقال عنها انها تمثل استعادة للسلوكيات العبودية السابقة كتقبيل الايدي والتذلل والشعور بالدونية .
ومن ابرز الادلة على ان هذه السلوكيات هي تتمة لسلوكيات الارث العبودي السابق ، انها ترتبط بشعورين متناقضين : شعور المنتسب للنسب العلوي بأنه افضل من الآخرين ، فلا يقبل بمصاهرة من هم اقل منه شأنا ، وإذا ما حصل مثل هذا الامر فسيكون من النوادر القليلة التي ينظر لها في الغالب على انها خارج المألوف وقد يلام صاحبها او ينبذ من الفئة التي ينتمي لها ، هذا عدى عن ممارسة نوع من الابوة الاجتماعية والدينية وما إلى ذلك ، اما شعور غير المنتسب لهذا النسب فهو في الاعم الاغلب شعور من يرى في نفسه انه اقل قيمة ومنزلة من المنتسب للنسب العلوي ، فيواظب على اعلان دونيته وممارسة الكثير من السلوكيات المذلة اعتقادا منه بأنها تقربه من الله .   
ان وجود هذا النوع من التمييز والاعتقاد به هو ابلغ دلالة على عوق الثقافة التي تحتوينا وعلى انحطاط الواقع الذي نعيشه هذا ناهيك عن تخلفنا الاجتماعي ، الامر الذي يفرض علينا العمل بجد لمكافحة شتى اشكال وقيم التمييز الشائعة في ثقافتنا ووسطنا الاجتماعي ، وهذا ما لا يتم بدون تأصيل قانوني ومساندة سياسية وجهود تربوية وثقافية وإعلامية .
فالتمييز هو آفة الآفات التي لابد ان نكافحها بكل قوة . 

الخميس، 28 يونيو، 2012

خيارات التجربة العراقية

باسم محمد حبيب
الصباح العراقية 28 حزيران 2012
من الامور التي ربما غفل عنها بناة العراق الجديد ان المشكلة في العراق ليست سياسية وحسب بل هي بنيوية ايضا هذا ان لم تكن المشكلة السياسية هي نتاج للمشكلة البنيوية التي يعاني منها العراق، لان العراق الحديث ( من عقد العشرينات من القرن العشرين إلى 2003 ) لم يتأسس من تلقاء ذاته كما حصل مع غيره من الدول الاخرى بل تم تأسيسه بإرادة بريطانية ولدوافع عديدة تاريخية واقتصادية واجتماعية وعسكرية، وعلى الرغم من ادراك بريطانيا للمشاكل البنيوية التي يعاني منها العراق بل ومعرفتها بما قد تسببه في قابل الايام فانها لم تتوان عن المضي قدما نحو هدفها في بناء دولة تضم ارض بلاد الرافدين التاريخية وكان أملها ان تتمكن هذه الدولة بما تملكه من ثروات ومقومات ذاتية وتحت رعايتها الخاصة من المضي قدما باتجاه استكمال مقومات التأسيس، وفعلا وبعد جملة من الاجراءات والخطوات التأسيسية بدا العراق وكأنه قد تخلص من تلك المشاكل التي كانت تهدد كيانه وتخلخل بنيته الداخلية ولكن بخلق مشكلة اخرى تمثلت بالمشكلة السياسية، وبدلا من ان ننظر إلى التأسيس العراقي القديم على انه خيار بريطاني محض أو انه نتاج للعبة طائفية معينة فان الواقع في حقيقة الامر اعقد من ذلك بكثير انه نتاج مشاكل وعقد مختلفة افقية وعمودية، افقية تتمثل بالتنوع الديني والقومي والطائفي وعمودية تتمثل بالجهل والاقصاء وعدم نضج التجربة السياسية وغيرها، ولذلك اخذ النظام شكلا دكتاتوريا بعد ان اقتصر اهتمامه على المشاكل الافقية دون العمودية، لذا لا غرابة ان يزداد استبداد هذا النظام أو يتقوقع على نفسه حتى غدا في نهاية المطاف ممثلا لفئة صغيرة لا غير .
لكن عند حصول التغيير في 2003 وعند محاولة بناء واقع جديد حاول البناة الجدد الاستفادة من التجربة السابقة لكن بشكل مجتزأ، فقد اعتقدوا ان المشكلة في العراق  سياسية وحسب ما جعلهم يعتقدون ان التغيير السياسي هو الحل المنطقي لتلك المشكلة لكن فاتهم ان يدركوا ان الجانب السياسي ما هو إلا الجانب الظاهر من المشكلة فيما ان المشكلة في حقيقتها اعقد من ذلك بكثير، وقد ظهر ذلك جليا بعد فترة قصيرة من التغيير عندما تحركت العوامل الباطنية المضادة لتفعل فعلها في البناء العراقي فعاشت التجربة العراقية ظروفا غاية في التعقيد من خلال تعدد اشكال الصراع والتناقضات في البنية الوطنية مما وضع التجربة السياسية امام ثلاث خيارات محددة هي  :
1 - خيار التقسيم فقد لوح البعض بأن العراق طائر بثلاثة اجنحة  وهو مهدد بالسقوط والانهيار في اي لحظة لان المكونات التي يتشكل منها العراق الحديث وهي الشيعة والسنة والاكراد ليست مكونات منسجمة او مترابطة فهي قد ادمجت مع بعضها بالقسر والاكراه من خلال المشروع البريطاني السابق وهي لا تريد العيش المشترك بقدر ما تريد استغلال هذا العيش لتحقيق اقصى استفادة ممكنة بانتظار الحصول على العتق السياسي عندما ينهار العراق من الداخل وهو الامر الذي تراهن عليه هذه المكونات او على الاقل المكونات التي لا تمسك بالسلطة السياسية، ولكن خيار التقسيم يصطدم بشعور وطني قوي وبواقع اقليمي رافض لذلك فدول جوار العراق لا يمكنها ان تقبل تقسيم العراق الذي قد يمهد إذا ما حصل لتقسيم بقية دول المنطقة او على الاقل خلق اضطرابات قوية فيها، ولذا عملت دول الجوار منذ التغيير وإلى الان إلى عقد مؤتمرات دورية لمراقبة الوضع العراقي تمهيدا للتدخل فيما إذا وجدت هذه الدول ان هذا الواقع يسير باتجاه مخالف لمصالحها، فتقسيم العراق غير ممكن أو لعله غير ممكن في ظل الظروف الحالية .
2 - خيار الفدرالية وهو خيار طرح بطريقة عجيبة ففي البداية طرح من قبل بعض الاطراف الشيعية على الرغم مما قد يسببه هذا الخيار من اضعاف للسلطة المركزية التي كان الشيعة مؤهلون لامتلاكها من خلال الانتخابات التي جرت تحت مظلة من المخاوف الطائفية، والغريب ايضا ان غالبية الاطراف السياسية الممثلة للسنة كانت من اشد المعارضين لها على الرغم من انهم قد يستفيدون منها للتخلص من سيطرة المركز، وقد اعتقد البعض انهم ربما يتأملون عودة الامور إلى سابق عهدها لذلك لا يرغبون في تغيير ما هو مؤقت، والطريف في الامر ان هذه المعادلة قد تبدلت بعد ذلك فأخذت الكثير من الكتل السياسية السنية تطالب بالفدرالية فيما اخذت غالبية الكتل الشيعية بالمناداة برفضها، وبغض النظر عن الاسباب التي تقف وراء تبدل المواقف في ما يخص مشروع الفيدرالية فأن هذا المشروع يبدو ابعد من ان يكون حلا ناجحا للمشكلة العراقية التي تعاني كما قلنا من مشاكل بنيوية خطيرة، وما العلاقة بين حكومة المركز واقليم كردستان إلا دليل مباشر على صعوبة انشاء علاقة فدرالية متوازنة بين المركز والاقاليم التي يمكن ان تنشأ على اسس جغرافية او قومية او مذهبية .
3 - خيار المركزية وهو الخيار الذي بدأ يظهر الان بعد ان اخذت شدة الخيارات الاخرى بالتضاؤل وبعد ان ثبت عدم امكانية ايجاد حلول عملية متكاملة للمشاكل البنيوية الخطيرة التي تنهش بالجسد العراقي، ففي هذه الحالة يبدو ان العراق سائر نحو استعادة التجربة السابقة ولكن هذه المرة من افق ديمقراطي، ولكن خيار المركزية يواجه تحديات كبيرة من اخطرها تحدي انحراف العملية السياسية من الاتجاه الديمقراطي إلى الاتجاه الدكتاتوري وهذا إذا ما حصل يعني اعادة البلاد إلى ما قبل المربع الاول هذا ناهيك عن التحديات الاخرى سواء الداخلية والخارجية .
إذن امام العراق طريق طويل حتى يشعر بأنه يسير في الطريق الصحيح، فمشاكل العراق لا يمكن ان تحل بالقرارات السياسية ولا بمؤتمرات تعقد على عجل ولغايات مصلحية بحتة انما لا بد من معاينة طويلة الامد للخيارات المتاحة ليتم اختيار ما يمكن ان يلائم الواقع العراقي على المدى البعيد .

الأربعاء، 20 يونيو، 2012

الدور السياسي للمثقف

باسم محمد حبيب
هل يمكن للمثقف ان يؤدي دورا سياسيا دون التحول إلى سياسي ؟  ابتداءا يطرح  هذا السؤال أمرين مهمين اولهما ان من واجبات المثقف ان يكون له دور سياسي لا سيما وان البلد بحاجة ماسة لهذا الدور الذي يشكل جزءا اساسيا من الفعالية الثقافية اما الامر الثاني الذي يطرحه هذا السؤال فهو ضرورة ان ينئى المثقف بنفسه عن العمل السياسي المباشر على الاقل خلال مدة أدائه لواجب التوعية والتثقيف حتى لا يوصم جهده بعدم البراءة الذي ينتج من ربط الدورين معا ( الدور السياسي والدور الثقافي )  .
ان أولوية الدور الثقافي للمثقف تنبع من حاجة المجتمع الكبيرة لهذا الدور الذي يمثل عاملا اساسيا من عوامل نجاح العملية الديمقراطية فهذه العملية لا تحتاج إلى سياسيين بقدر حاجتها إلى مثقفين يمكنهم ان يرسخوا المباديء الديمقراطية ويدعموا السلوك الديمقراطي المنشود بالقول والفعل فيساهموا في توعية المجتمع بحاجاته وضروراته وتثقيف المواطن بالسبل التي يمكن من خلالها التأثير في العملية السياسية وتوجيهها لصالحه .
وبالطبع لا ينبع الدور السياسي ( التثقيفي ) للمثقف من الواجب الثقافي المنوط به وحسب بل و من حداثة التجربة الديمقراطية  التي تنطوي على الكثير من الممارسات السلبية التي تستمد حضورها من حالة التخلف التي يعيشها المجتمع ومن الارث الاستبدادي السابق فهي لم ترسخ بعد سلوكياتها وممارساتها التي بقيت بعيدة عن التطبيق الفعلي ناهيك عن عدم تأثيرها في الطبقة السياسية يضاف إلى ذلك امتلاء البلد بالتيارات السياسية المتصادمة وتعرض المواطن للتضليل المقصود او غير المقصود  .   
ان بأمكان المثقف أداء هذا الدور أما من خلال المؤسسات والمنابر الثقافية او من خلال العمل الميداني أي بأتباع نفس اسلوب السياسيين ولكن لاغراض ودوافع مختلفة فنزول المثقف إلى الشارع ووصوله إلى المحافل الاجتماعية المختلفة سيكون كفيلا بأنجاح مسعى المثقف وتحقيق الاهداف التي ينشدها بشكل اكثر تأثيرا مما لو اتبع الاساليب التقليدية المعتادة .
ان ابرز دليل على اهمية هذا الاسلوب وامكانية تحقيقه للاهداف المنشودة ينبع من وجود امثلة حية سواء من ارثنا التأريخي أو ارث الشعوب الاخرى فالدور الذي مارسه المفكرون الاسلاميون في بناء الدولة الاسلامية واضح من خلال الشواهد التأريخية ونفس الشيء للمفكرين الاوربيين فقد مثل دورهم الثقافي الكبير طليعة التغييرات السياسية التي شهدتها اوربا في بداية العصور الحديثة  ولنا في الدور الذي لعبه المفكرون الفرنسيون قبيل الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر خير برهان على ما يمكن ان يقدمه المثقف لصالح تطوير وتحسين الواقع السياسي للمجتمع ولم يتوقف دور المثقفين الاوربيين حتى في القرنين التاليين اللذان شهدا تطورات سياسية واجتماعية مهمه كان للمثقفين دور اساسي فيها ولذلك يمكن ان يكون للمثقف العراقي دور مماثل شريطة ان يقتدي بهم .
لكن قد يشكك البعض في امكانية نجاح المثقف العراقي وامكانية حذوه حذو الاوربيين في ارساء دور سياسي ( تثقيفي ) كبير لما بين النموذجين من فوارق كبيرة ولأختلاف الظروف والبنى الثقافية وجوابنا ان التشكيك المبدئي بدور المثقف هو قبل كل شيء استهانة بالإمكانيات والطاقات الكامنة في المثقف ناهيك عما يمثله من نكران لحقنا في التجريب والمحاولة هذا بالاضافة إلى اننا لا يجب ان نقارن وضعنا بوضع اوربا في الوقت الحاضر بل بما كانت عليه في تلك الفترة الحرجة من تأريخها فضلا عن ان دور المثقف يمكن ان يتصاعد تبعا للتحديات التي تعترض سبيله وما يواجهه المثقف في العراق يمكن  ان يكون دافعا لآداء دور كبير ومتميز .
ان الصعوبات التي تواجه العملية السياسية والمخاطر التي تواجه البلد ناهيك عن الاخطاء التي ارتكبها السياسيون تجعل الوضع مواتيا لدخول لاعب كبير لاعب لا يمكنه ان يتقيد بقواعد اللعبة السياسية التي حاكها السياسيون بل بقواعد اللعبة الثقافية الاكثر ارتباطا  بالاسس الاجتماعية العميقة حيث يمكن لهذا اللاعب ان يؤدي دورا خارجا عن المألوف ويصنع حضورا قويا يزعزع به الثوابت ويحرك السواكن ليؤسس واقع جديد من الحركة والتغيير .
لكن ضرورة الدور السياسي للمثقف ربما يدفع بعض القوى السياسية للتحالف ضد هذا المسعى الذي قد يجدوه مهددا لمصالحهم ومؤثرا على حضوضهم في المنافسة السياسية وقد يعمد هؤلاء لوضع معرقلات قد تقف حائلا امام ممارسة المثقف لدوره وفيما إذا حصل هذا وهو امر تحتمله وقائع الامور والاوضاع الراهنة في البلد فأن على المثقف ان لا يخضع لهذا التحدي بل ان يزيده اصرارا حتى يحقق ما يصبو إليه .
فالعملية السياسية التي نشطها السياسيون بحاجة ماسة للمسات المثقف الذي يستطيع بما يملكه من ادوات ثقافية ورؤى وأفكار ان يغير من مجرى العملية السياسية بحيث يدفع بها إلى مديات ارحب حيث التطلع  إلى مستقبل سياسي اكثر استقرارا وانشط حراكا وأقوى دعائما مما تؤسسه هذه العملية للحاضر فالنجاح السياسي لا يحصل دائما بيد السياسيين الذين قد لا ينظرون إلى ما هو ابعد من الراهن السياسي انما لابد من دور يلعبه المثقف لكي يكون النجاح ممكنا وأكيدا .

الاثنين، 18 يونيو، 2012

لا تنتهكوا خصوصية المسيحيين العراقيين

باسم محمد حبيب
تناقلت بعض وسائل الإعلام خبرا مفاده قيام دائرة الوقف الشيعي في محافظة نينوى بالتخطيط لبناء جامع وأكاديمية للتعليم الديني في مدينة برطلة التي تسكنها غالبية مسيحية الأمر الذي أثار غضب واستنكار أبناء الطائفة المسيحية في العراق الذين عدوا مثل هذا الأمر انتهاكا لخصوصيتهم ولحقهم  في الحياة الآمنة المستقرة .
إن أول ما لفت انتباهي في هذا الخبر هو الأسلوب السلمي الذي اتبعه الأخوة المسيحيين في مواجهتهم لهذا الأمر فهم لم يستخدموا العبوات الناسفة ولا السيارات المفخخة لمنع هذا العمل كما لم يرفعوا السلاح أو يحضوا على العنف والكراهية إنما اكتفوا بالتنديد وإبلاغ السلطات بموقفهم  الرافض لأي تجاوز يستهدف حقوق مكونهم .
 أما الأمر الثاني الذي لفت انتباهي فهو إقامة مسجد ومدرسة دينية شيعية في منطقة يغلب عليها الطابع المسيحي ! فالمعلوم أن بناء المساجد أو المدارس الدينية يأخذ بالاعتبار وجود من يؤمهما وإلا لن يكون لها أي أهمية اللهم إلا أن تكون لها دوافع أخرى لا نحسبها حاضرة في أذهان من يتولى مثل هذا الأمر .
إن من حق الأخوة المسيحيين الاعتراض على إقامة ما يتنافى مع خصوصيتهم الدينية ليس لخطورة ذلك على استقرارهم وأمنهم وحسب بل ولتعارضه مع معيار العدالة الذي يفترض أن يكون للمسيحيين مثل ما للمسلمين من حق أي أن يسمح لهم ببناء أديرة وكنائس في المناطق التي يتواجد فيها المسلمون .
لقد تحول العراق وبفضل دستوره  الهجين واجتهاد قادته السياسيين من دولة تحتمل الطابع المدني إلى دولة مفتوحة على الخلافات والمشاحنات الدينية والطائفية فبدل أن تبنى في العراق دولة المواطنة التي يتساوى فيها جميع الناس أمام القانون بنيت عوضا عن ذلك دولة المكونات الدينية والطائفية والقومية بكل ما تحمله من مخاطر وتهديدات لتجانسنا الوطني وأمننا الاجتماعي .
 فالعراق إما أن يكون بلدا مدنيا أو لا يكون لأنه عندما يؤدلج أو تنفى عنه الصفة المدنية يغدو بلدا مستحيلا لا يمكن للمكونات أن تأتلف فيه ما يجعله عرضة للانهيار والتحول إلى دولة فاشلة .
إذن لنقول وبصوت واحد : لا لأي انتهاك يطال الأقليات العراقية لا لأي تمييز بين العراقيين  لا لاي تجاوز لحقوق المسيحيين ابناء العراق الاصليين .   

السبت، 16 يونيو، 2012

طالبوا بحقوقكم قبل أن تؤدوا طقوسكم


باسم محمد حبيب  

 هناك سؤال أعتقد ان من الضروري طرحه على من يعنيه الامر وهو : لماذا ننتفض ونستنفر طاقاتنا وقوانا عند احياء الطقوس والشعائر الدينية ولا نفعل مثل ذلك عند المطالبة بحقوقنا لا سيما وبشكل خاص حقوقنا الاساسية ؟ ثم ايهما اهم وأوجب الحقوق ام الطقوس ؟

لقد انتابتني هذه الاسئلة وأنا ألاحظ ما ألاحظه من الاقبال المليوني على اداء مراسم الزيارة لمرقد الامام الكاظم في ذات الوقت الذي تزداد فيه الخروق الامنية ويشهد الواقع السياسي ارتباكا كبيرا و يتراجع مستوى الخدمات إلى ادنى مستوى ممكن .

ان اهم ما في هذه الاسئلة ان اجوبتها تفسر لنا الاشكالية القائمة الان على اكثر من مستوى سياسي واقتصادي واجتماعي وامني فليس هناك شك في ان الكثير مما نعانيه يرتبط في الغالب بتلك الاشكالية الخطيرة الممسكة بخناقنا والتي تقدم الطقوس على الحقوق والدين على الدنيا والتي ترتبط بوعي خاطيء ونظرة عاجزة عن فهم الحقيقة .

فالعلاقة بين الدين والدنيا هي اشبه ما يكون بالعلاقة بين الروح والجسد كل منهما يكمل الآخر ان لم يكونا تعبيرين مختلفين لمعنى واحد فلا يمكن للروح ان تعيش بدون الجسد ولا يمكن للجسد ان يحيى بدون الروح ونفس الشيء بالنسبة للدين فهو صنو الدنيا أو الحياة لا انفصام بينهما إذ لا اهمية للدين بدون الحياة ولا امكانية للحياة بدون الدين او الاعتقاد بشيء ما .

ان العلاقة بين الدين والحياة تتطلب اهتماما بشؤون الحياة يضاهي الاهتمام بشؤون الدين حتى يستقيم الدين ويغدوا معبرا عن معنى الحياة وإلا فأن المعادلة لن تكون متوازنة أو تأخذ منحى طبيعيا .

فما نشاهده الان من اهتمام غير عادي بالطقوس والشعائر الدينية وإهمال غريب وغير مسبوق للحقوق الانسانية هو تجاهل لتلك العلاقة المنطقية التي يجب ان تربط الدين بالحياة او تجعلهما معبران عن المنحى الطبيعي للحياة البشرية في سعيها الحثيث والدؤوب لبلوغ الواقع الافضل .

وبغض النظر عن الاسباب التي تدفع إلى ذلك ان كانت سياسية ام دينية فأن المطلوب هو تصحيح هذه المعادلة الخاطئة حتى تستقيم الحياة وتأخذ قرارها ويبجل الدين ويأخذ منطقه الطبيعي وهذا لن يتم بدون اعطاء الحقوق الانسانية اولوية خاصة وتقديمها على ما عداها فقبل ان نؤدي طقوسنا وواجباتنا الدينية وقبل ان نمارس شعائرنا المقدسة لا بد ان نطالب بالأمن والاستقرار السياسي ضمان الديمقراطية وتحسين مستوى المعيشة والارتقاء بمستوى الخدمات وغير ذلك من المطالب لأنه بدون ذلك قد لن نكون قادرين على التعاطي مع الدين بطريقة صحيحة ومتوازنة فنقع فيما لا يحمد عقباه .


الأربعاء، 13 يونيو، 2012

زيارات ام حمامات دم


باسم محمد حبيب

في واقعة باتت تتكرر باضطراد تحولت زيارة الامام الكاظم الاخيرة إلى حمام دم بعد ان سقط اكثر من ثلاثمائة شخص بين صريع وجريح في سلسلة من الهجمات التي طالت الزوار في مناطق مختلفة من البلاد وبشكل خاص في مدينة بغداد التي تضم ضريح الامام الكاظم .

لقد اصبح تكتيك استهداف الزوار يعد من التكتيكات المحبذة للمجموعات الارهابية العاملة في العراق لما يسببه من نسبة عالية من الضحايا والأضرار المادية والمعنوية بحيث لا تمر زيارة إلا وتشهد مثل هذا النوع من الهجمات الدموية .

ان اخطر ما في هذه الهجمات انها اخذت ترسخ نوعين من المعتقدات احدهما و تعتنقه طائفة من المؤمنين المتحمسين فيرى ان الدماء التي تسيل اثناء اداء مراسم الزيارة هي دماء مقدسة مكان اصحابها في عليين يقابله معتقد يرى ان اراقة دماء الزوار وترويعهم هو من الواجبات المقدسة التي تستحق اجرا عظيما وبالتالي نجد هؤلاء يصرون على القتل وأولئك  يصرون على الموت .

ان مجموع الارواح التي ازهقت خلال اداء مراسم الزيارات تقدر بآلاف ناهيك عن الجرحى والمعاقين الذين يقدرون بأضعاف ذلك هذا عدى عن الأضرار المادية والمعنوية التي قد تصل تقديراتها إلى ارقام فلكية .

وفي ظل هذه الارقام المهولة لابد لنا من التساؤل عن الدافع الذي يدفع البعض إلى اداء الزيارة بطريقة تسهل على الارهابيين التعرض لهم واستهدافهم أليس في ذلك هدر للأرواح وتسهيل لمخططات الارهابيين وإضعاف لقدرة الدولة على اداء واجباتها بسبب تشتيت جهودها وتوزعها على مناطق جغرافية مختلفة .

ان اداء الزيارة يجب ان يأخذ بالاعتبار امورا كثيرة اهمها الوضع الامني الذي يجب ان يكون مستقرا ومسيطرا عليه حتى لا تأتي الزيارة بأي مفاجآت كالتي تحصل الان فيما يجب ان ينظر أيضا للجانب الخدمي حتى لا تحصل اختناقات مرورية او ضغوطات مادية و خدمية .

فالزيارة ليست في الوصول إلى المزار وممارسة طقوس ما في حضرته بل في مراعاة الاصول والأعراف التي تتطلبها الزيارة حتى لا تكون عبئا على المزار  ونقمة على الزوار أيضا .

الاثنين، 11 يونيو، 2012

تحية لآخر اليهود العراقيين الباقين في العراق

باسم محمد حبيب

افرحني خبر ورد في احدى التقارير التي قدمتها احدى المنظمات الانسانية التي تتعامل مع الشأن العراقي حول بقاء فرد واحد ينتمي إلى الطائفة اليهودية في العراق إلا انه وكإجراء احترازي يخفي ديانته عن المحيطين به اتقاءاً لما قد يتعرض له من عنف ، لكن هذا الخبر بقدر ما افرحني وضعني في خوف ووجل من ان يكون سببا في نفس الوقت لفقداننا لهذا الاخ اليهودي بعد ان تطاله موجة العنف لا سيما بعد كشف التقرير لهويته هذا ان لم يقرر هو مغادرة العراق خوفا على حياته  .

وبعيدا عن  هذا الاحتمال الاخير أي فقدان آخر ممثلي الطائفة اليهودية في العراق لابد ان نفرح ونبتهج لان الطائفة اليهودية لم تختفي تماما من العراق على الرغم من رمزية هذا الوجود وعلى الرغم من انه ( أي الخبر ) قد يعد في نفس الوقت اعلانا بأن العراق يكاد يخلوا من وجود اقدم الطوائف الساكنة فيه والتي يصل عمر وجودها  إلى ما يزيد على (25 ) قرنا .  

ان هناك ضرورة وطنية وإنسانية لاتخاذ اجراءات تعيد لليهود العراقيين ما سلب من حقوقهم وأول شيء هو اعادة الجنسية العراقية لمن يرغب في استعادتها والسماح بعودة من يرغب منهم إلى العراق أو زيارته مع تمكينهم من استعادة حقوقهم المسلوبة من بيوت وعقارات وأموال وليس هذا وحسب بل يجب ان يقدم لهم الاعتذار عن كل ما واجهوه من عنف وظلم طوال الفترة الماضية لا سيما وبشكل خاص السنوات القليلة التي سبقت هجرتهم من العراق .

كذلك لابد ان نوجه تحية إلى اخونا المواطن اليهودي الذي ذكره التقدير متمنين ان ينعم بحياة هانئة سعيدة بعيدا عن كل ما ينغص له حياته مطالبين في ذات الوقت  الجهات الرسمية العراقية بذل كل ما في وسعها من جهد لرعايته والاهتمام به ليس لأنه مواطن عراقي وحسب بل ولأنه احد الشجعان الذين قاوموا بصبر شتى الاهوال والتحديات وكل ذلك من اجل ان لا يغادر العراق .

تحية لك منا ايها اليهودي الشجاع ايها العراقي الشجاع فأنت رمز حقيقي للوطنية .

وأن كانوا يهودا ؟!

باسم محمد حبيب
الحوار المتمدن / العدد  (3677 ) في 42 / 3 / 2012
من اكثر الاشياء التي تثير عجبي تلك المواقف المتناقضة التي يبديها البعض من بعض القضايا والتي تؤكد اننا مازلنا نعاني من الارث الشوفيني ومن داء العنصرية المقيت وإلا بماذا نسمي التعاطي الغريب مع جريمة تولوز التي قتل فيها عدد من تلاميذ احدى المدارس اليهودية في فرنسا لمجرد انهم يهود وان القاتل جزائري مسلم .

ان موقف العرب والمسلمون من جريمة تولوز قد انحصر في اتجاهين اتجاه السرور والغبطة لاستهداف اليهود والنظر إلى ما حصل على انه عمل بطولي يستحق صاحبه الاشادة والتكريم واتجاه التجاهل وكأن ما حصل لا يعنينا بشيء وفي كلا الحالتين نحن نتناقض مع ابسط القيم الانسانية التي ترفض استهداف الاطفال الابرياء ودور العلم .

فالغبطة والسرور التي قد يبديها البعض اتجاه هذا الحدث هو نوع من المشاركة في الجريمة لأنه يبرر فعل المجرم ويعده من الاعمال البطولية ونفس الشيء فيما يخص تجاهل الحدث فهو أيضا بمثابة استهانة بالطفولة وتشويه للمشاعر الانسانية التي تفترض أن الانسان يتألم لما يصيب اخيه الانسان لاننا جميعا من اصل واحد .

وبالتالي لا بد ان ندين هذه الجريمة مثلما يجب ان ندين اي جريمة مماثلة وان ننظر للضحايا كما ننظر لضحايانا فالاطفال هم الاطفال سواء كانوا اطفالنا ام اطفال اليهود ولابد ان نتألم لما يصيبهم .

إذن لنعلن بصوت عال لا لقتل الابرياء لا للعنف غير المبرر لا لأستهداف الآمنين ايا كان اصلهم او دينهم .

الجمعة، 8 يونيو، 2012

في العراق هل القانون حقا فوق الجميع ؟

باسم محمد حبيب


في الدول المتقدمة اصبح القانون أخيرا فوق الجميع بحيث يتساوى الجميع في خضوعهم له ووقوعهم تحت طائله دون اي حسبان لمكانتهم ونفوذهم ويشمل هذا الامر ايضا طائفة عريضة من الدول الاقل تقدما بما في ذلك وبشكل خاص غالبية الدول النامية .

وبالطبع ليس معنى ذلك ان الدول الاخرى التي مازال القانون يواجه فيها تحديات دينية واجتماعية واقتصادية تتعاطى مع القانون بوتيرة واحدة فكثير منها يعترف بعلوية القانون ولكن مع وجود صعوبات في التطبيق المشكلة في تلك الدول التي مازالت تنظر إلى القانون من منظار مصالح طبقاتها المتنفذة سواء اعترفت بعلوية القانون ام لم تعترف وهذه الدول ليس بالامكان ضمها إلى العالم المعاصر لانها مازالت تعيش اجواء العصور البالية بكل ما تحمله من جهل وتخلف  .

لقد وضعت الدولة العراقية منذ عشرينات القرن الماضي قاعدة (القانون فوق الجميع) وعملت على تطبيقها جهد الامكان لكنها عمليا لم تستطع تطبيقها إلا على البسطاء من ابناء الشعب إذ بقي الشيوخ ورجال الدين والسياسيين غالبا بمنئى عن الخضوع لهذه القاعدة ونفس الشيء يصح بالنسبة لعهد النظام السابق الذي نظر إلى القانون على انه مجرد أداة لدعم توجهات السلطة التنفيذية فكان القانون يطبق على البعض دون البعض الآخر  . 

اما الان وبعد ان اصبح للسلطة القضائية دورها المستقل وصلاحياتها الخاصة وفق ما حدده الدستور لها فقد اصبح لزاما تطبيق هذه القاعدة حتى يتطابق الفعل مع القول ويغدوا الجميع خاضعين لولاية القضاء وسلطة القانون .

وعلى الرغم من الصلاحيات التي حددها الدستور للسلطة القضائية والاعتراف بعلوية القانون وخضوع الجميع له إلا ان هناك جملة من الصعوبات التي قد تواجه تطبيق هذا الامر ان لم تعيقه تماما فرجال الدين مازال ينظر لهم على انهم رموز لا يأتيهم الباطل من بين ايديهم أو خلفهم كما ان للانقسام الطائفي دور في اعطائهم مصل وقاية من الخضوع للقانون مثلما له دور في تجنيب الكثير من السياسيين الخاطئين الخضوع للمسائلة القانونية إلى جانب المحاصصة السياسية ولدينا الكثير من الامثلة على ذلك ونفس الشيء يصح فيما يتعلق بشيوخ العشائر والوجهاء وغيرهم إذ لا يمكن للقانون أن يطالهم بنفس الكيفية التي يطال بها الآخرون .

إذن القانون في العراق ليس فوق الجميع وان تم النص على ذلك في الدستور فهو عمليا فوق البسطاء من الناس وتحت المتنفذين منهم هؤلاء الذين يملكون الكثير من الاوراق التي يمكنهم بها التحايل على القانون أو التخلص منه بشكل أو بآخر على اننا لا ندعي ان ليست هناك جهود حثيثة لفرض القانون على الجميع لكن هذه الجهود تبقى في طور المحاولة إلى ان يسود القانون الجميع بشكل فعلي .
           

الخميس، 7 يونيو، 2012

النفط والفقر

باسم محمد حبيب
الصباح العراقية  / الخميس  7 حزيران 2012
العراق من البلدان القليلة التي تعيش الازدواج بين امتلاكها موردا اقتصاديا كبيرا وارتفاع معدلات الفقر بين سكانها فلو تمت مقارنة البلد بمعظم ذات الموارد وبالذات الدول النفطية لوجدنا فارقا واضحا في مستويات المعيشة وفي نسب الفقر بين العراق وهذه البلدان وهذا ما يعزى إلى عوامل كثيرة من ابرزها الاضطرابات السياسية والحروب العسكرية التي شهدها البلد في المرحلة الاخيرة.
لقد كان المعول ان يحدث تغيير كبير في مستوى معيشة غالبية ابناء الشعب العراقي وان تتراجع نسب الفقر لتصل إلى ادنى مستوياتها في غضون فترة قصيرة بعد التغيير لانتفاء الاسباب المؤدية إلى ذلك لكن الظروف التي مر بها البلد وانتشار ظاهرة الصراع السياسي والازمات المصاحبة له أدت إلى تأخير هذا الامر ومن ثم بقاء ظاهرة الفقر بل واستفحالها أكثر.
ان حل مشكلة الفقر يعد من صميم اهداف العملية السياسية ولابد ان يجري حل هذه المشكلة وفق سياقات سليمة تأخذ بالحسبان حاجة البلد إلى الايدي العاملة التي تحتمها كثرة المشاريع التي تنتظر التفعيل والانجاز انسجاما مع سنة التطور وحاجة الواقع العراقي للمشاريع الاعمارية والخدمية والانتاجية فضلا عن حجم الموارد التي يمتلكها البلد.
ان وجود ظاهرة الفقر في بلد محدود الموارد بل وحتى في البلدان الرأسمالية التي تتساوى فيها الفرص وتختلف الامكانات لا يعد امرا غريبا بل يشار له في الغالب على انه جزء من واقع الحال إلا ان وجودها وبمعدلات عالية في بلد يعد فيه النفط ملك للشعب هو ما يثير الغرابة ويبعث على الاندهاش.
وبالتالي فوجود اية نسبة من الفقر يعد تناقضا صارخا مع الواقع الاقتصادي للبلد وانتهاكا لمبدأ المساواة التي تفرضها الملكية العامة للنفط ما يحتم بذل جهود حثيثة لانهاء هذا التناقض الصارخ والخروج بالبلد من واقع الازدواج إلى الحالة الطبيعية والمنطقية وهي حالة انعدام الفقر أو تقلص مستوياته إلى ادنى حد ممكن.
لكن هل يمكن تحقيق ذلك في ظل واقع البلد الحالي والمشاكل التي تعانيها بنيته السياسية والاجتماعية ؟ للاجابة نقول: ان تحقيق ذلك قد لا يمكن ان يتحقق دفعة واحدة وقد يحتاج إلى سنوات من العمل والصبر لكن يمكننا ان نسعى إليه ونعمل عليه من الان فأول الغيث قطرة كما يقولون.

من يقتل اللاجئين العراقيين في سوريا ؟

باسم محمد حبيب
المدى / الخميس 7 حزيران 2012
في خبر عاجل نقلته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان نقلا عن نظيرتها السورية ، أن شابا عراقيا مسيحيا تعرض للقتل في ريف دمشق المضطربة أمنيا بعد تصديه لمجموعة مسلحة حاولت اقتحام الدار التي يقطن فيها مع والدته وأخواته الثلاث .
هذا في ما يتعلق بنص الخبر الذي أوردته الشبكة أعلاه أما تحليل ما ورد فيه من معلومات فلدينا جملة من التساؤلات حول سبب وجود هذا اللاجئ العراقي في سوريا وأيضا عن الجهة التي قامت بقتله ، فالخبر اتهم صراحة أجهزة الأمن الحكومية بأنها تقوم بأعمال عنف مريعة ضد المدنيين في المناطق التي تشهد اضطرابات أمنية .
ففي ما يخص الإجابة على التساؤل الأول لا يحتاج الأمر إلى ذكاء كبير حتى نعرف أن هذا الشاب وعائلته هو -على الأرجح- من ضحايا العنف الطائفي الذي شهدته وتشهده الساحة العراقية الآن والذي استهدف المسيحيين كما استهدف سواهم من الأقليات الدينية الأخرى ، ومن الطبيعي بعد الفظائع التي ارتكبها الإرهابيون والمجرمون أن يحاول بعض أبناء الأقليات البحث عن ملجأ آمن يقيهم التعرض لهذا العنف الأهوج ، ولأن سوريا هي أحد البلدان المجاورة للعراق فمن الطبيعي أن يقصدها بعض اللاجئين العراقيين طلبا للامان وبحثا عن سبيل للهجرة إلى دول أخرى .
أما التساؤل الآخر أو قل ما يوحيه الخبر من تساؤل عن الجهة التي تستهدف اللاجئين العراقيين ، فلدينا احتمالان يحمل كل منهما ما يدعمه من شواهد أو معطيات ،الأول هو الذي طرحه الخبر نفسه عندما اتهم السلطات السورية بأنها هي التي تقف وراء قتل الشاب انطلاقا من معلومات معينة أو لأنه قتل في منطقة تنتشر فيها القوات الحكومية ، أما الاحتمال الثاني الذي لا نستبعده أيضا فهو احتمال أن يكون القتلة من المجموعات الإرهابية التي وجدت في قتل الشاب تنفيسا عن عقدها الدينية المتطرفة ليكون الشاب من ضحاياها العديدين .
إن مقتل هذا الشاب يعيد إلى الأذهان عديد الاستهدافات التي تعرّض لها اللاجئون العراقيون في سوريا ، وهي استهدافات تتكرر بين فترة وأخرى سواء بالاغتيالات أو الإعدامات أو التفجيرات الانتحارية ،وإن ذلك يؤكد تشابك الوضع في سوريا وخطورته الشديدة على اللاجئين العراقيين .
إن من الضروري بمكان العمل على حماية اللاجئين العراقيين القاطنين في سوريا والبحث عن حلول عاجلة لوضعهم الإنساني الخطر ، وهذا الأمر يتطلب تعاونا جادا من الحكومة العراقية والمنظمات والهيئات الدولية المتخصصة بقضايا اللاجئين ، فالحكومة العراقية بصفتها المسؤولة المباشرة عن أوضاع المواطنين العراقيين مطالبة بالعمل على تمكين هؤلاء اللاجئين من العودة إلى وطنهم من خلال توفير الأجواء المناسبة لعودتهم ،كالأمن والمعيشة والخدمات ، أما المنظمات الدولية المتخصصة بقضايا اللجوء بشقيه السياسي والإنساني فعليها واجب النظر بسرعة في طلبات اللاجئين في الانتقال من سوريا إلى بلد آخر حتى يكونوا بمأمن من الأخطار التي تحيق بهم .

الأربعاء، 6 يونيو، 2012

لماذا يفقر الناس وبلدهم غني ؟

باسم محمد حبيب
لدي مشروع لا ادري أن كنت قادرا على تنفيذه أم لا ويتعلق بكتابة مؤلف يتناول تاريخ الفقر في العراق فأهمية هذا الموضوع تكمن في حقيقة أن العراق وعلى مدى تاريخه الطويل كان بلد غني زاخر بالثروات الهائلة سواء الزراعية أو النفطية وكان المفروض أن ينعكس ذلك على واقع الناس وعلى ظروفهم وأحوالهم المعاشية فيعيشوا في وضع أفضل مما هم عليه الآن أو ما كانوا عليه في مختلف تلك الفترات وبالتالي سيكون السؤال : لماذا يفقر الناس وبلدهم غني؟ وهو سؤال لا يقتصر على بلد بعينه إنما هو يصلح لكل زمان ومكان. إذن ستكون أمامنا قراءة تاريخية لظاهرة الفقر في العراق التي لم تنحسر يوما عن حدها العالي.
فالعراق الذي عاش عدة حقب تاريخية بارزة كان على الدوام بلد المسؤول والمتنفذ الذي بيده السلطة والمال حيث تتنعم طبقة الحكام والمسؤولين وزبانيتهم بالحياة الهانئة والعيش الرغيد فيما ترزح غالبية الناس تحت ضلال الفقر والعوز فمنذ جلجامش كان الشعب مقسم بين أتباع مخلصون يتمتعون بالغنى والرفاهية وفقراء معوزون يواجهون القهر والجوع ولم يكن لهؤلاء أي حق في الاعتراض على أرادة الحاكم وجبروته فيعد عملهم مروقا وتجديفا ضد سنن الكون وأعراف الحياة وكذا الحال بالنسبة للإصلاحات التي تبعت ذلك أي إصلاحات اورو انمكينا حاكم لكش الذي يعد أول مصلح في التاريخ كان أثرها مؤقتا ومحدودا أيضا إذ عاد الفقير إلى فقره والغني إلى غناه حتى القوانين التي جاءت بعد ذلك وأهمها قانون حمورابي لم تغير من الأمر شيئا بل رسخت معادلة الفقر والغنى التي باتت وكأنها معادلة كونية مطلقة .
وإذا كان هذا حال الفقير في العهود الوطنية فما البال مع فترات الحكم الأجنبية التي أضافت إلى حمل الفقير حملا أخر وبات يجاهد الفقر والتسلط معا ورغم مجيء الإسلام وتبشيره بالمثل الإنسانية إلا أن ما طبق كان غير ذلك إلى درجة تحول الفقير إلى ما يشبه العبد أو القن حيث عاث المستغلون فسادا في الأرض وأمعنوا في الظلم والطغيان فكان للفقر صولاته وجولاته التي لا تنسى فله في العراق حكايات رهيبة لا يسعنا إلا بالوقوف عندها وقفات طويلة لأنها افضع شهادة على ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

كل صيف والكهرباء ليست بخير



باسم محمد حبيب

يذهب صيف ويأتي آخر ومشكلة الكهرباء باقية دون حل حتى اصبح انهاء مشكلة الكهرباء من الاماني الغالية عند المواطن العراقي .

لا يمكن تجاهل القيمة الكبيرة للكهرباء والتأثير الخطير لغيابها في صيف كصيف العراق تصل فيه درجات الحرارة الى اعلى مستوياتها المعروفة كما لا يمكن تصور المعانات التي يعيشها المواطن العراقي في ظل الانقطاعات الطويلة والمتواصلة للتيار الكهربائي ناهيك عن الآثار الخطيرة لغيابها على الواقعين الصناعي والخدمي  .

ان اخطر ما في مشكلة الكهرباء انها بدت وكأنها عصية على الحل إذ انه ورغم المدة الطويلة للاشتغال عليها ورغم ما بذل لاجلها من مال وجهد لم يحدث اي تطور مهم ما خلا الوعود والتصريحات التي تطلق من جانب هذه الشخصية او تلك حول تحسينات مستقبلية في واقع الكهرباء .

ان ما يثير الغرابة ويبعث على الاندهاش ان قضية كقضية الكهرباء لا تعد في الغالب من القضايا الصعبة التي تواجه حكومة من الحكومات فهي في الاعم الاغلب تعد من القضايا التي يسهل مواجهتها شريطة توفر السيولة النقدية الكافية والعراق بما يملكه من موارد هائلة لديه بالتأكيد القدرة على حل هذه المشكلة .

فالفشل في حل مشكلة الكهرباء قد يشعر المواطن بأن الحكومة أو القوى السياسية بشكل عام لا تهتم لشؤونه وحاجاته بقدر اهتمامها بالمكاسب والامتيازات التي تحققها لها العملية السياسية فالمواطن لا يهتم بالتوافقات والشراكات التي تجاهد لتحقيقها القوى السياسية بقدر اهتمامه بتحصيل حقوقه واشباع حاجاته وضمان معيشته .

ان مشكلة بهذه الخطورة والاهمية تستدعي استنفارا كبيرا من جانب الحكومة لا ان توضع في آخر الاهتمامات الحكومية فقضية الكهرباء ليست قضية عادية بحيث يمكن القفز عليها وتجاهلها انما هي قضية اساسية قد يقف عليها تقييم اداء الحكومة او حتى نجاح العملية السياسية .

ان حل مشكلة الكهرباء هو امر ضروري ليس لاشعار المواطن بأهميته ضمن سياق العملية السياسية وحسب بل ولاثبات قدرة القوى السياسية الناشطة على مواجهة الصعوبات وحل المشكلات التي تواجه البلد فتتعزز الثقة بها وبقدرتها على تحمل المسؤولية .

الثلاثاء، 5 يونيو، 2012

الذين يستهدفون المسيحيين في العراق : هل هم مجرد مجرمين ؟

باسم محمد حبيب
رغم استمرار استهداف المسيحيين في العراق وإعلان الجهات الأمنية المتكرر عن أجراء تحقيقات حولها إلا أننا لم نعرف حتى الآن الجهات التي تستهدفهم أو غرضها من ذلك ؟ فقد أصبحت هذه القضية وكأنها لغز من الألغاز أو رهن الاجتهادات والتصريحات السياسية والصحفية فكل ما نعرفه عن مرتكبي هذه الجرائم أنهم مجرمون أو خارجون عن القانون أما من هم ؟ والى أي جهة ينتسبون ؟ فهذا ما بقي طي الغيب والاجتهادات حتى هذه اللحظة .
إن من أهم واجبات العمل الأمني حسب ما يصرح الامنيون أنفسهم ليس القبض على المجرمين والتصدي لهم وإفشال خططهم وحسب بل وكشف الجهات الممولة والداعمة والممارسة للعمل الإجرامي لان من شان هذا الكشف إبراز هذه الجهات أمام الرأي العام وإشهارهم كمجرمين أو وضعهم على لائحة الإرهاب حتى يمكن التصدي لهم وإفشال مخططاتهم الإجرامية أما أن تبقى هذه الجهات مجهولة وغامضة فهذا ما يساعدها على العمل بحرية وممارسة المزيد من الإجرام والإرهاب بعد أن تدرك أنها بعيدة عن المراقبة والمحاسبة .

ولا ندري ما الذي يبقي الجهات الأمنية صامتة تجاه الكشف عن هذه الجهات هل هو عجز عن معرفتها والوصول إلى خيوط الإرهاب والإجرام ؟ أم هو الخوف من أن يؤدي هذا الكشف إلى أضرار ما ؟ فإذا كان السبب عجز القوى الأمنية عن كشف هذه الجهات وعدم قدرتها على الوصول إلى الأطراف المتورطة على الرغم من مرور هذه الفترة الطويلة التي يفترض أن تزيد فيها خبرة القوى الأمنية وتزداد وتتطور قدراتها الأمنية والاستخباراتية وعلى الرغم من تواصل الجرائم وتصاعدها يوما بعد يوم فهذا يعني أن هذه الجهات غير مؤهلة لممارسة هذا الواجب الوطني والإنساني وتتحمل تبعات ضعفها وفشلها أما إذا كان السبب الخوف من حصول أضرار ما كان تكون سياسية أو دينية أو ما إلى ذلك فالقضية ستكون اعقد واخطر لان من واجب القوى الأمنية حماية الناس لا حماية المنظومة السياسية والدينية وغيرها .

لذا لا سبيل أمام الجهات الأمنية لكي تكون صريحة وواضحة إلا أن تعلن احد أمرين :
إما أنها عاجزة عن معرفة هذه الجهات بسبب ضعفها أو محدودية قدراتها أو أنها تتعمد إخفاء المعلومات لدواعي أو أسباب سياسية أو دينية وبالنتيجة عليها أن تتحمل عواقب هذا الصمت لأنها الطرف الوحيد المسؤؤل عن امن الناس .
إننا ندرك تعقيدات الوضع العراقي والصعوبات التي تواجه المؤسسة الأمنية لكن أرواح الناس تتطلب تفانيا عاليا وتصرفا مسئولا فأمنهم وسلامتهم أمانة في أعناق كل من يتصدى للعمل الأمني ولا سبيل لتجاهل ذلك .

.

العراقيون والواجب اتجاه سوريا

باسم محمد حبيب
ضبابية الموقف الرسمي وانقسام الشارع العراقي بشأن ما يجري في سوريا لا ينفي أن على العراق واجب مهم اتجاه سوريا ، ليس الواجب العادي كونه بلد جار من الضروري أن يكون مستعدا لتقديم المساعدة الممكنة للاجئين والهاربين من العنف ، وإنما لكي يقوم بدوره كبلد ديمقراطي كان وما زال يشكل ركيزة مهمة من ركائز الاستقرار في المنطقة .
وعلى الرغم من أن الموقف العراقي الشعبي منه والرسمي هو نتاج الظروف السياسية التي يعيشها العراق ، إلا أن هناك من يعيب هذا الموقف الذي بات يشكل إشكالية جديدة في العلاقة بين العراق وجيرانه وقد ينظر له على أنه من نتاج الانقسام داخل الساحة السياسية .
لقد صور البعض الموقف العراقي مما يجري في سوريا على أنه موقف طائفي لا علاقة له باللعبة أو المصلحة السياسية ، لان الطرفين الشيعي والسني في المعادلة العراقية قد تنكرا لمواقفهما السابقة عندما كان الصراع دائرا في الساحة العراقية ، ويعيد هؤلاء إلى الأذهان اتهامات السياسيون الشيعة للحكومة السورية بأنها تأوي وتدعم المجموعات المسلحة التي تقاتل النظام العراقي الجديد بل والتهديد بمقاضاتها لدى المحاكم الدولية في نفس الوقت الذي كان السياسيون السنة يرون فيها سندا وحليفا لهم ، لكن بعد حصول الانتفاضة السورية تغيرت المواقف فجأة وأخذ الطرفان يتعاملان مع الأزمة السورية من منظار مختلف ، الأمر الذي يؤكد حجم الشرخ الذي يفصل ما بين الأطراف العراقية .
لكن وعلى الرغم من وجود اختلافات في الموقف الرسمي العراقي من سوريا بل وحتى في الشارع العراقي نفسه إلا أننا لا يجب أن نفهما فهما مغايرا لطبيعتها ، ويخطأ من يظن أن كل السنة العراقيين وقفوا مع الانتفاضة فيما وقف كل الشيعة العراقيين ضدها والأمر نفسه ينسحب على السياسيين من الجانبين الشيعي والسني ، كما لا يمكن قراءة المواقف الحكومية العراقية على أنها منحازة بشكل قاطع لطرف ضد آخر ، بل كل ما يجب أن نفهمه من تلك التصريحات الرسمية العراقية من أنها تخشى من تنجر الأطراف السورية إلى صراع طائفي يزيد من سخونة الأزمة السورية وانعكاس ذلك على الواقع العراقي الهش .
وبالتالي وبمعزل عن العواطف لابد أن يكون للموقف العراقي الرسمي منه بشكل خاص وجه واحد ، هو الوقوف مسافة واحدة من الأطراف السورية المتنازعة وعدم التدخل بما يجعل العراق طرفا في الصراع ، بل عليه أن يلعب دورا أخر عماده تقديم الدعم الإنساني للاجئين والمنكوبين السوريين مع بذل شتى الجهود الممكنة لإيجاد أرضية تقي الشعب السوري مخاطر الفتنة والصراع الطائفي .
هذا الدور الذي يجب أن يلعبه العراق حتى يكون أمينا على مكانته ودوره الهام في المنطقة .

التدخل الإقليمي الطائفي في سوريا

باسم محمد حبيب


لا أغالي إذا قلت أن التدخل الإقليمي الطائفي هو الذي صب النار على الزيت في الأزمة السورية ، وهو الذي حول الانتفاضة السورية السلمية إلى حرب دموية تتلاعب بخيوطها المجموعات الطائفية في المنطقة ، التي لا تعبأ بسيول الدماء التي تنذر بها هذه الأزمة وأشكال الفضائع التي تحتملها .
فـ الاستقطاب الطائفي الذي تشكل في المنطقة منذ حرب العراق جعل قوى الاستقطاب تبحث عن جبهات تفرغ فيها شحنات طائفيتها وعداوتها ، فكان العراق ضحيتها الأولى ، حيث تسبب الصراع الطائفي المحرض من الخارج بكوارث يندى لها الجبين وصور من العنف قل مثيلها ، وبعد نشوب ثورات ما سمي بالربيع العربي أصبحت سوريا المكان المفضل لهذا الصراع وسبيلا للتنفيس عن أجندته المريبة .
أن أبرز دليل على تحول سوريا إلى جبهة للصراع بين محوري الاستقطاب الطائفي ، أن الثورات التي شهدتها الدول العربية الأخرى لم تشهد ما تشهده الساحة السورية الآن من عنف وترويع ، فـ حتى ليبيا التي شهدت مواجهات قوية بين مؤيدي القذافي ومعارضيه لم يحصل فيها ما يحصل في سوريا الآن .
وعلى الرغم من التقارير التي أشارت إلى دعم الحكم في سوريا للمجموعات التي كانت تقاتل في العراق وتقديم كل أشكال الدعم اللوجستي والمالي لها إلا أن هذه المجموعات لم تتورع عن الانقلاب عليه بعد أن سنحت لها الفرصة ، ما يعني أن للعامل الطائفي أولوية في هذه الأزمة ، وهو من الخطورة بحيث أخذ يهدد بتحويل الانتفاضة إلى حمام دم وتضييع أهدافها التي باتت مجرد غطاء لأهداف مريبة وخطيرة .
أن أسوأ ما يمكن أن يسببه التدخل الطائفي هو خلق فتنة طائفية تنساق إليها الأطياف السورية المختلفة ، وفيما إذا حصل ذلك – لا سمح الله – فأن خسارة السوريين ستكون مزدوجة خسارة الانتفاضة بكل آمالها وأحلامها وخسارة اللحمة الوطنية ، فهل هناك ما هو أسوأ من ذلك ؟ .
أن على جميع المتدخلين في الشأن السوري أدراك الخطورة التي يمكن أن يؤول إليها أي تدخل سلبي ، لان الحل لا يمكن أن يستورد من الخارج في نفس الوقت الذي يجب على السوريين فيه نبذ كل أشكال الفرقة وتدعيم لحمتهم الوطنية ، لأنها السبيل الوحيد لخلاصهم
تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969