الخميس، 31 مايو 2012

النبي محمد (ص): هل كان يتقن اليونانية؟

باسم محمد حبيب
هل كان الرسول محمد (ص) يتقن التكلم باللغة اليونانية؟ هذا السؤال ربما يفاجئ البعض لأنه يقفز على ذلك الفهم الشائع لدى المسلمين بأن النبي أمي لا يقرأ ولا يكتب، لأن عدم إتقان الرسول للقراءة والكتابة بلغته سوف
يجرنا حتمًا إلى نفي إتقانه لأية لغة أخرى غير لغته الأم. لذا سنحاول أولاً إثبات إتقان الرسول للقراءة والكتابة بلغته قبل تناول ما نود طرحه في هذه الدراسة حول إتقانه اللغة اليونانية. ولنبدأ بمناقشة لفظة الأمي التي ورد ذكرها في عدد من آيات القران الكريم مقرونة مع اسم النبي محمد (ص)، فهل تعني هذه الكلمة ما تعنيه في العادة لفظة الأمي؟ أم أنها تعني شيئًا آخر يرتبط بالسياق الذي يمثله معناها العام، فالذين يؤيدون الرأي الأول، وهم يمثلون السواد الأعظم من المسلمين، يؤكدون كلامهم هذا بجملة من الآيات، من أمثلتها الآية التالية:
الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلُّ لهم الطيبات ويُحرِّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروهُ ونصروهُ واتبعوا النُّور الذي أُنزل معه أولئك هم المفلحون[1].
وكذلك في الآية المكملة لها:
قُل يا أيُّها الناسُ إني رسول الله إليكم جميعًا الذي له مُلكُ السماوات والأرض لا إله إلا هو يُحيي ويُميتُ فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوهُ لعلكم تهتدون[2].
هذا بالإضافة إلى الحوار الذي جرى بين جبرائيل والرسول محمد (ص) عند تلقيه الوحي لأول مرة، حيث تشير الرواية إلى أن جبرائيل خاطبه بكلمة (اقرأ) فيما كان رد الرسول عليه (ما أنا بقارئ). وهنا لا بد لنا من وقفة حول هذه العبارة: هل عنى الرسول بها أنه لا يحسن القراءة؟ أم أنها جاءت بطريقة التساؤل، بمعنى ماذا أقرأ؟ فهناك الكثير من الدلائل التي تشير إلى أن الرسول كان يقرأ ويكتب، ومن أبرز تلك الدلائل تلك الآيات التي نفت أن يكون للرسول كتاب سابق تلاه أو خطه بيمينه حتى يتهموه بتأليف القران:
وما كنتَ تتلو من قبله من كتابٍ ولا تخطُّهُ بيمينك إذًا لارتاب المبطلون[3].
فالنفي هنا ليس للقراءة والكتابة بل لتلاوة وتأليف كتاب معين، والفرق واضح بين الأمرين. وهناك رواية وردت في السيرة الحلبية تسند هذا القول حيث تشير الرواية إلى ما حصل بين الرسول وسهيل بن عمرو، ممثل قريش، عند كتابة عهد الحديبية بعد اعتراض بن عمرو على كتابة عبارة "محمد رسول الله" في مقدمة الصلح، ورفض الإمام علي بن أبي طالب مسح ما كتبه، حيث تشير الرواية إلى قيام الرسول بمسح العبارة بنفسه ثم كتب بخط يده اسمه واسم أبيه[4]. ومع أن هذه الرواية كانت متداولة آنذاك إلا أن المسلمون تجاهلوها وحاولوا تحريفها بشكل ما، حيث تجاهلها ابن هشام تمامًا في كتابه عن السيرة النبوية[5]، فيما حاول بعض الكتاب، ومنهم ابن خلدون، عد ذلك معجزة ربانية لأن الرسول كتب وهو لا يحسن الكتابة[6]. فكيف نفسر مثل هذا التناقض إذا لم يكن بودنا أن نقبل بوجهة النظر الأخرى التي ترى أن الرسول كان يقرأ ويكتب لكنه أخفى ذلك عمدًا لكي يبعد عنه تهمة تأليف القرآن؟ الجواب على ذلك أن تلك الآيات، بقدر ما نعلم، لم تشر إلى عدم معرفة الرسول بالقراءة والكتابة بدليل الآيات الأخرى التي وردت فيها هذه اللفظة حيث كانت واضحة في دلالتها بأن المقصود من ذلك هو نسبة الرسول إلى أمة الأميين أي الذين ليس لديهم كتاب مقدس كما هو الحال مع غيرهم من الأمم الأخرى كاليهود والمسيحيين والزرادشتيين:
ومن أهل الكتاب من إن تأمنهُ بقنطارٍ يُؤدِّه إليك ومنهُم من إن تأمنهُ بدينارٍ لا يُؤدِّه إليك إلا ما دمت عليه قائمًا ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيلٌ ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون[7].
وهذه الآية، كما هو واضح من نصها، تعتبر الأميين نقيضًا لأهل الكتاب، أي أنها لا تعطي معنى عدم القراءة والكتابة التي يصر غالبية المسلمين على نسبتها إلى الرسول، وهذا ما تشير إليه أيضًا الآية التالية:
ومنهُم أمِّيُّون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنُّون[8].
إذ إنها تفصل بين أهل الكتاب الذين يفهمون كتبهم وبين الذين لا يفهمونها فهؤلاء أميون لأنهم يجهلون كتبهم وليس لأنهم لا يقرأون أو يكتبون، ولعل الآية التالية تؤكد ذلك بشكل مباشر حيث تقول:
هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويُزكِّيهم ويعلِّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبينٍ[9].
فهذه الأدلة جميعًا تؤكد لنا معرفة الرسول بالقراءة والكتابة، فهذا الأمر لا يتناقض مع ما لدينا من نصوص حول هذه اللفظة، فمعرفة النبي بالقراءة والكتابة، أو طلبه العلم قبل النبوة أو بعدها، لا تقلِّل من أهمية ما قام به أو تنفي عنه النبوة بل على العكس هو تأكيد على أن الرسول جدير بهذا الأمر لأنه يملك مؤهلات لا توجد لدى سواه. وهذا ما يجرنا إلى الموضوع الذي نود أن نثيره هنا حول معرفة الرسول لليونانية، فإذا كان الرسول يقرأ ويكتب بلغته فمن الطبيعي أن يكون قادرًا على تعلُّم لغة أخرى، خصوصًا مع ما يملكه من فطنة وذكاء تشهد عليه سيرته، لا سيما وهو يعيش في مدينة تجارية مهمة كانت آنذاك ملتقى القوافل بين بلاد الروم واليمن بعد توقف طريق الحرير التقليدي عبر فارس والعراق نتيجة الحروب البيزنطية–الساسانية، التي واكبت سيادة قريش على مكة، وبفعل ثراء أهل مكة نتيجة التجارة المربحة فقد تهيأ للكثيرين منهم شراء العبيد الذين يقومون بخدمتهم، ومن بين هؤلاء عبيد أجانب لا بد أن يكون لهم تأثير على سكان مكة، لا سيما التجار الكبار منهم لأنهم يحتاجون إلى التحدث بهذه اللغات عند السفر إلى البلدان المجاورة. لكن ما هو الدليل على أن النبي قد تعلم هذه اللغات وبالذات اللغة اليونانية؟ فوجود أجانب أو يونانيين في مكة لا يعني أن جميع أهل مكة يعرفون اليونانية أو اللغات الأجنبية الأخرى، فهناك بالتأكيد من لا يلقي بالاً لذلك، لكن الرسول، بحكم سعيه إلى طلب العلم، كان يجد في هؤلاء فرصة لمعرفة العالم الذي يعيش فيه، لا سيما وهو معروف بتأمله وتفكيره في هذا العالم؛ فقد روي عن عبيد الله بن مسلم: أن غلامًا كان لحويطب بن عبد العزى قد أسلم وحسن إسلامه، اسمه عاش أو يعيش، وكان صاحب كتيب، وقيل هما اثنان جبر ويسار كانا يصنعان السيوف في مكة ويقرآن التوراة والإنجيل بالعبرية واليونانية والسريانية، فكان رسول الله إذا مر عليهما وقف يسمع ما يقرآن. فكيف يسمع وهو لا يعرف هذه اللغات!؟ إذن، فقد كان النبي محمد يسمع ما يُقرأ في الكتب بلغة غير اللغة العربية ويفهم ما يُتلى عليه منها. كما روي عن ابن إسحاق أن النبي كثيرًا ما كان يجلس عند المروة إلى سبيعة – غلام نصراني يقال له جبر – عبد لبعض بني الحضرمي، ويؤكد ذلك أيضًا ما روي عن ابن عباس من:
أن النبي كان يزور وهو في مكة رجلاً أعجميًا يقال له بلعام كان المشركون يرونه يدخل عليه ويخرج من عنده.
وبالتالي جاء اتهامهم له بأن النبي يأخذ العلم من رجل أعجمي، حيث أشار القرآن إلى ذلك بقوله:
ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر! – لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين[10].
فهذه الآية تقدم لنا أهم دليل على إتقان الرسول للغة أخرى غير العربية. فإذا كان هذا الرجل أعجمي، بنص الآية وبحسب ما يعرفه القرشيون عنه، فهذا يعني أن الرسول لا يمكن أن يتحدث معه إلا بلغته، فهذه الآية لا تنفي وجود ذلك الرجل ولقاء الرسول به بل كل ما تؤكده أن القرآن لم يكن نتاجًا للقاءات الرسول مع ذلك الرجل لأنه أعجمي ولا يمكنه أن يساعد في تأليف القرآن المكتوب بلغة عربية مبينة.
يبدو من خلال الروايات المتداولة أن الرسول كان يلتقي بالكثير من الأجانب القاطنين في مكة، وأنه كان يتعرف من خلالهم على تراث الشعوب وأخبار الأمم الأخرى، ما يؤكد ربما معرفته بأكثر من لغة. وقد أكد القرآن الكريم ذلك بإشارته إلى اتهام المشركين للرسول على أنه يأخذ علمه من جماعة من الناس قائلاً:
وقال الذين كفروا: إن هذا أفك افتراه، وأعانه عليه قوم آخرون[11].
فالوحي لم ينزل على الرسول إلا عندما بلغ الأربعين من العمر وقبل هذا لم يجد الرسول مناصًا من التعلم لإشباع رغبته من المعرفة.
إن ما يؤكد معرفة الرسول باليونانية رحلاته التجارية إلى الشام، سواء مع عمه أبو طالب أو في تجارة خديجة، لأن اللغة الرسمية في الشام كانت اليونانية، ومن المرجح أن اختياره من قبل خديجة لقيادة تجارتها إلى الشام جاء بسبب إتقانه اللغة اليونانية التي يحتاجها التجار عند دخولهم أرض الروم. ومن خلال زواجه بخديجة تعرف على ابن عمها القس ورقة بن نوفل الذي كان يجيد اليونانية على ما يرجح بدليل مواظبته على قراءة الإنجيل الذي لم يكن مترجمًا إلى العربية آنذاك[12].
وهكذا نجد أن الرسول لم يكن متعلِّمًا يتقن القراءة والكتابة بلغته وحسب بل وبلغات أخرى أيضًا، لا سيما وبشكل خاص اللغة اليونانية، وهو أمر نجده مهمًا وضروريًا لقراءة الإسلام قراءة موضوعية وإبعاد الكثير من اللبس عن أحداثه لأن معرفة الرسول بهذه اللغات لا يقلل من دور الرسول بل على العكس يجعلنا أكثر فهمًا لهذا الدور لأنه يفتح أعيننا على صفحات منسية أو مخفية من حياة الرسول نحن بأحوج ما يكون إلى معرفتها لنرى كل أبعاد تلك السيرة العظيمة.

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969