الاثنين، 28 مايو 2012

الدين في ذمة السياسة

باسم محمد حبيب
اعتدنا عند تناولنا للتاريخ العربي الإسلامي على التطرف في تمجيد هذا التاريخ وتفخيم شخوصه ، إلى درجة تغيب فيها صفاتهم البشرية أو أخطائهم أو سلبياتهم ، مكتفين بتناول ماقاموا به من بطولات وأعمال مشرفة وعدها الحقيقة الوحيدة في حياتهم ، الأمر الذي أدى إلى خلق هوة كبيرة بين التاريخ في حقيقته أو مادون منه والمتداول من هذا التاريخ ، لتنشا من ذلك تقاليد اعتادت على ممارستها أجيال متسلسلة من المؤرخين الإسلاميين ، الذين اخضعوا التاريخ لسلطة الميثولوجيا أو جعلوه في خدمة السلطان ، ومن الطبيعي بعد ذلك أن نعتقد أن ماوصلنا من هذا التاريخ قد اختلط فيه الحقيقي والمزيف الصحيح والملفق ، استنادا لنهج الحكومات التي تعاقبت على هذه المنطقة ‘ والتي وضعت مصالحها السياسية أساسا لقراءاتها الدينية والتاريخية ، فأصبح الإسلام منعزلا عن صورته الأولى مرتبطا بدرجة ما بنهج وقراءة الحكومات المتعاقبة و المتعادية حتى التكفير ، وإذا كان التغيير في الحكم الإسلامي كان على الدوام تغييرا عنيفا ودمويا
فليس هناك مايمنع هؤلاء من أن يغيروا في الدين بما يطيب لهم ، لتظهر لنا نسخ بعضها يكفر بعض وقراءات تحول التأويل فيها إلى سلاح بيد هذه الفئة أو تلك أو هذه السلطة وتلك الطائفة ، لان ( القران حمال لأوجه ) والنص في ذمة السلاطين إن شاءوا أبقوه وان شاءوا طمسوه بحسب ما يتوافق مع آرائهم ومصالحهم ، فظهرت لنا نسخ مزجت بين ما أراده الإسلام وما يريده السلطان أو أي فئة من الفئات الأخرى ليقع المسلمون في فخ السياسي والمؤول من الدين ، ومن اجل أن يغدو الإسلام مستوعبا لطروح السلطة ومصالحها لابد أن يتحور بما يناسب رؤية السلطة ونهجها , ومن الطبيعي أن ينتشر الدس ويكثر التلفيق تبعا لرؤى المتخالفين ورغبتهم في التمايز أو إنتاج هويات مختلفة ، فلقب أمير المؤمنين الذي حمله حكام الأمة الإسلامية ردحا طويلا ليس مجرد لقب سياسي يراد به ممارسة الحكم أو جمع المسلمين تحت لواء واحد ، إنما هو لقب يعني من بين ما يعنيه أن الشخص الذي يحمله يحمل صفة فوق بشرية ، كون الإيمان حالة عالية من التواصل بين الإنسان وربه ، وأمير هؤلاء يعني انه القيم على هذه العلاقة الخاصة والوصي عليها ، وبالتالي امتلك هؤلاء كل السلطات التي يوفرها الدين ليقوموا باخصاء رعاياهم وإعلان أبوتهم لهم ، ليتحول الدين إلى أداة خصي فهو الوسيلة التي يمارس فيها الخاصي سلطته على مخصييه ، وأي رفض أو تمرد من هؤلاء سيكون عاقبته التكفير أو التفسيق ، وهذا ماحصل مع معظم معارضي السلطة بغض النظر عن منزلتهم كما هو الحال مع الحسين بن علي حفيد الرسول (ص) ، حينما عد من قبل السلطة مارقا أراد شق صفوف المسلمين فكان جزاءه - بنهج السلطة - الموت والتمثيل .
وبالتالي يمكن للسلطة حارسة الحقيقة أن لاتكتفي فقط بدور الحراسة بل أن تتماهى مع هذه الوظيفة أو تكون بديلا لها ، فالإسلام في العهد الأموي تحول إلى إسلام أموي ( أي برؤية أموية ) وفي العهد العباسي إلى إسلام عباسي وعند العلويين إلى إسلام علوي ، وكل من هؤلاء لم يبني نسقه أو منهجه إلا على التنافر مع الأخر والادعاء بعائديته إلى الأصل الذي ربما لم يعد له أتباع أو غدا في عداد المنقرضين ، فلم يعد بإمكاننا أن نرى من الإسلام ( لا اقصد هنا النصوص الدينية بل النسق أو الفحوى ) إلا بقدر ما أراد أن يستبقه الحاكمون ، أما المسلمون فأصبحوا أشياعا لهذا الأمير أو لذلك الحاكم ، وهم لا يؤمنون إلا بما يقره هذا من الإسلام أو ما يؤمن به ذاك ، وحتى لو كان الاختلاف طفيفا بين هؤلاء أو أولئك فليس العبرة في مقدار الاختلاف صغيرا كان أم كبيرا بل بتأثيره ونتائجه ، فالخلاف الذي يدفع إلى الذبح أو التكفير أو التفسيق هو بلا شك خلاف كبير و مهيمن ويفترض أن لاننكره حتى لا نفقد القدرة على استقصائه و مواجهته ، لأننا بفهمنا للخلاف وتشخيصنا لحجمه وتأثيره ، نكون قد حددنا موضع الداء وعرفنا حقيقة المرض ، لان النكران هو نوع من الإقصاء ( إقصاء الأخر الذي ننكره ونمتنع عن الاعتراف به ) ويحمل في نسقه معنى المكابرة ، ليتحول التاريخ إلى مجرد قراءة أحادية الجانب تغيب فيها الحقائق وتؤول الأحداث لصالح القراءة التي ترغبها هذه الفئة أو تلك ، وبالتالي لم تعد شخصيات التاريخ الإسلامي شخصيات بشرية تقاس بمقاييس البشر ، وإنما شخصيات متضخمة بتأثير الخلاف الذي جعل منها شخصيات إلهية معصومة من الأخطاء ومحصنة من الإخفاقات محلقة في سماء التنابز أو حية في ضمير المتنابزين ولن تموت إلا بموته ، الأمر الذي جعل تاريخنا مشلولا عاجزا عن إدراك وهنه وسلبياته ، فبقينا نراوح في زمن واحد هو ذلك الزمن الذي جرده الوعاظ و المؤرخون من مقاييس التاريخ وأخضعوه لسلطتهم الميثولوجية ونظرتهم الأحادية الجامدة ، لتتحول شخوص ذلك التاريخ إلى مجرد إيقونات تحرسها عباءة الميثولوجيا ورغبات المؤسسة الدينية غير المقننة .
وهكذا تحولت شخوص مثل علي بن أبي طالب وأبو بكر وعمر بن الخطاب و الحسين بن علي وغيرهم إلى شخصيات أسطورية تم تجريدها بتعسف من طابعها البشري لصالح القراءة التاريخية المؤدلجة ، فالأخطاء والسلبيات هي جزء من طبيعة كل إنسان ولايمكن أن يتجرد منها احد مهما على كعبه وزادت همته ، ومن الطبيعي أن علينا أن نتجرد من عواطفنا وأهوائنا عندما نرغب في تقييم شخصياتنا حتى نفهم سلوكها وأعمالها بشكل طبيعي ودون الانسياق خلف ضباب الميثولوجيا المضلل ،لأننا بأنانيتنا الفكرية الشديدة وغطرستنا التاريخية الفارغة لانتعاطى مع مجرد وهم يخلقه تخلفنا بل مع مرض خطير يدوخ عقولنا وينهش بجسدنا .
  

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969