الاثنين، 28 مايو 2012

ما بين العقل العربي الإسلامي والعقل العراقي

باسم محمد حبيب
من اكبر الأوهام التي هيمنت على الساحة الفكرية لمنطقتنا ذلك الوهم الذي أشاعه بعض المفكرين عن ارتباط المنطقة بعقل عمومي واحد اسماه المفكر محمد عابد الجابري بالعقل العربي واسماه المفكر محمد أرغون بالعقل الإسلامي انطلاقا من عاملي اللغة والدين فالحقيقة التي يجب أن ندركها جميعا هو انه لا يوجد ما يمكن تسميته بعقل عربي أو إسلامي لان إطار هذا العقل المفترض هو السمات الشكلية المتحكمة بالثقافة وليس المضمون المرتبط أساسا بالوجدان ونمط الحياة والعادات والتقاليد ...الخ وبالتالي لابد أن نفرق بين عقل يفرض ذاته بسلطة الدين والسياسة و عقل منغمس في حياتنا ووجداننا كجزء طبيعي من ميراثنا الثقافي و ذاتنا الحضارية الأمر الذي يدعونا إلى التفريق بين هذين النمطين المختلفين من العقل وقدر تعلق الأمر بالعراق هناك بالتأكيد سمات واضحة كل الوضوح ومميزة كل التميز تجعلنا بإزاء مضمون عقلي خاص له علاقة بموروث العراق وخصوصيته .. هذا المضمون هو بالتأكيد نتاج تطورات محلية طويلة الأمد وعميقة الجذور تمتد بأصولها إلى بواكير الحضارة وبداية التمدن ولذلك لا يمكن لدراسة تتناول العقل العربي أو الإسلامي أن تلبي حاجتنا إلى نقد يتناول خصوصيتنا وواقعنا بالذات سيما وان العقل العراقي يتصف بصفات خاصة ناتجة من بيئته الصعبة وظروفه المعقدة مع انه يتماثل أيضا وفي نطاق ما أوسع قليلا مع نموذج العقل العربي أو الإسلامي وبشكل اقل مع النموذج العام للعقل البشري وبالتالي وانطلاقا من هذا الأمر لابد لنا أن نكون قادرين ليس على تفكيك منظومة العقل البشري وحسب لفهم الأطر التي تشكل مشتركات عقلية عامة بل وتحديد الفروق أيضا من اجل الوصول إلى فهم حيوي يتيح لنا تفقد مساحاتنا الفكرية ومديناتنا العقلية داخل مكوننا الثقافي لان العقل هو المفسر للثقافة مثلما تمثل الثقافة الفاحص الأفضل للعقل وبالتالي يمكننا كمثال تفسير انتكاستنا الحضارية ليس من خلال فحصها ودراستها ميدانيا كما يفعل البعض إنما ومن خلال دراسة العقلية المسببة لهذه الانتكاسة لان الحضارة كما يقول شبنجلر( هي المصير المحتوم للثقافة ... وهي أكثر الحالات الظاهرية والاصطناعية التي تكون أجناس من البشرية القادرة عليها .. إنها عصارة الشيء في حاله الكينونة يتبعه الشيء في حاله الصيرورة) (1) وبالتالي ليس غريبا ما يجري لثقافتنا من انحدار أو تراجع لأنه ناتج من تشتت الفكر بين مرجعيتين عقليتين أحداهما أصيلة مرتبطة بموروثنا وأصولنا والأخرى وافدة تتحرك برقاص هيمنتها وجبروتها وبالتالي قد لا نكون مغالين إذا قلنا أن ثقافتنا نظرا لهذا التشتت لم تعد ثقافة منتجة مثلما لم يعد عقلنا عقلا مبدعا كما كان الحال عليه في عهد إسلافنا البعيدين الأمر الذي يفسر السبب الذي يجعل موقعنا الآن في أخر ركب الحضارة على الرغم من تبوأ أجدادنا صدارتها في تلك العهود السحيقة ؟ لاشك أن السبب الأساس لهذا التراجع يتصل أساسا ببنية العقل أو أسلوبه الأدائي الذي أصبح أسلوبا نمطيا يحوي كوابح فكرية وفرامل أدائية لا يمكنه بسهولة أن يحيد عنها أو يتجاوزها أي أننا في الواقع أمام عقل شبه سكوني ومتحجر ما يدعونا إلى نقده نقدا موضوعيا عميقا بما في ذلك نقد أسلوبه النمطي الاستنساخي ومحدداته الأدائية بغية إصلاح منظومته السكونية لتحويلها إلى منظومة حركية ولأننا ندرك جيدا أن أي نقد من هذا القبيل ليس بالميسور تحقيقه وانجازه بسهولة فان مرادنا هنا هو وضع إطار عام نحدد بموجبه ما يجب أن نفهمه من هذا العقل وما علينا فعله لإصلاحه محلين الأمور الأكثر شمولية إلى دراسات أخرى لاحقة أن أهم سمات العقل العراقي التي تجعله مختلفا عن سواه تتحدد تقريبا بالاتي :
1. اضطراب عملية التفكير
يعاني العقل العراقي من قصور الفكر النقدي فهو متحيز بشكل تلقائي لتدخل العوامل الانفعالية والعاطفية في عملية التفكير سيما وان العقل العراقي يميل إلى الانفعال الحاد على حساب الفعل وقد تجده ناقدا ولكن ليس بالصورة الصحيحة البناءة لان عملية النقد لديه مرتبطة دائما وبشكل كبير بالعوامل الذاتية والمزاجية على الرغم من وجود عوامل موضوعية تحركها عادة وقد تضعها في أحيان معينة ضمن إطار النقد الصريح والشفاف إلا أنها لا تكون مؤثرة لعدم دوامها واختلاطها بالمعايير الذاتية .
2. قصور عمليات التحليل والتركيب
يعاني العقل العراقي من عجز كبير في عمليات التحليل والتركيب التي تكون مرتبكة إلى حد كبير بما في ذلك عجزه عن الغوص في التحليل إلى مديات مناسبة تؤدي إلى فهم مجمل أبعاد الظاهرة المعنية بالتحليل أو معاينة مختلف جوانب المسائل التي تواجهه حيث يبقى التفكير انطباعيا أو شكليا قاصرا عن بلوغ ما هو مطلوب وهو ما يشير إلى خلل كبير يضع العقل العراقي في مستوى العقول المتخلفة لأنه ما لم يمتلك العقل قدرة عالية على التحليل والتركيب لن يكون بمقدوره السيطرة على الواقع وفرض أنساقه عليه سيما وان الاكتفاء بالمظاهر السطحية يعني البقاء بعيدا عن الحقيقة وبالطبع فان اعتلال عملية التحليل يعني أيضا اعتلالا في عملية التركيب مثلما يصح العكس لأنهما مرتبطان ببعضهما ارتباطا وثيقا ولا يمكن فصلهما إطلاقا وبالتالي قد يقترن بالتحليل المعمق القدرة العالية على إعادة التركيب أو اعاد تصنيع الشكل من خلال إعادة ترتيب العلاقات .
3. ضعف المثابرة على التفكير
من مميزات العقل العراقي انه يبدأ عملية التفكير بحماسة كبيرة وقد يحقق فيها نجاحات معينة لكنه سرعان ما يفقد حماسته بالتدريج حتى تذوي العملية إلى لا شيء أو إلى أمور لا قيمة لها ولذلك ينعدم أو تقل لديه عملية التخطيط للغد أو للمستقبل فهو يريد الوصول إلى النهاية بدون أن يبذل جهدا لذلك ويلتمس في ذلك مختلف الوسائل التي تمنحه هذا الأمر بما في ذلك التعكز على الدين أو التماس الحلول السحرية والخرافية وهناك في الواقع إيمان حتى لدى الفئات المتعلمة بان مسيرة الحياة لا تخضع للمنطق الطبيعي غالبا ولا يمكن مسايرة ظروفها بدون الاتكال على ممارسات ما ورائية مختلفة . بحيث نجد ميلا كبيرا لدى العقل العراقي إلى التماس مبدأ التقديس الذي بدا وكأنه أمر عام تشترك فيه معظم الطوائف العراقية إذ تمتد على عموم الأرض العراقية مراقد لشخصيات من أديان وطوائف مختلفة ما يدل على تفشي هذه النزعة لدى العراقيين التي لم تأت نتاجا للجهل وحسب إنما وبشكل خاص نتاجا لرؤية فكرية مغلقة وثقافة مترهلة وشخصية قلقة(1)
4. انعدام الدقة والضبط
اعتاد العقل العراقي نظرا لعصور التخلف التي مر بها على التهاون والتراخي واللامبالاة في التعاطي مع الأشياء المختلفة إذ يقل التزام الإنسان العراقي بشكل كبير سواء لدولته أو لمسؤولياته وتعهداته وواجباته المختلفة الأمر الذي يضعه أمام واقع تنعدم فيه المعايير الموضوعية وتتلاشى فيه القواعد الصارمة لصالح قانون الهرج والمرج فالعبارة الأثيرة لدى العراقيين عامة عندما يواجه المجتمع خطب ما هو قولهم (الأمر لا يخصني) أو (شعليه) وهو على ما يبدو جزء من النظرة اللاجسدية التي امتازت بها حضارة وادي الرافدين عبر مختلف حقبها الزمنية إذ امتازت نظرة العراقيين للجسد بشكل خاص ولعموم الواقع المعاش بشكل عام بالعبثية واللامبالاة انسجاما مع نظرتهم المتشائمة للحياة .
5. الخضوع لسيطرة النظرة التجزيئية
أي العيش في الحاضر والعجز عن النظر ابعد من دائرة ضيقة هي حدود واقعه المباشر الذي يجعله في حالة نكوص مستمر وبدلا من أن يعتاد العقل على الشمول واستشراف أفاق بعيدة يأخذ بالانسحاب نحو الماضي أو نحو أعراض طفلية وبدائية تفقد الذهن صفائه وتوثبه مكتفيا بالملموس عن الغائب والمجرد ولذلك نجد فشلا كبيرا في تبني أفكار مبتكرة وأراء جريئة أو تحقيق حالة من النضوج العلمي وبلوغ مرحلة الاختراع فالعقل العراقي والعقل العربي أو الإسلامي ميال في الغالب إلى الانغلاق على قيم وأفكار وممارسات معينة متوارثة من الماضي ولذلك فهو لا يعد الفشل أمرا احتماليا يحتاج إلى محاولة جديدة لتجاوزه بل هو بنظره إما أمرا خارجيا سببه المؤامرة أو داخليا سببه الخيانة فيما لا يعد النجاح نتاج المثابرة والجهد المبذول بل نتاج توفيق وهبة إلهية إما أطروحاته فعادة ما تكون مجتزأة ومكررة يقول المفكر الإيراني دار يوش شايغان في توصيف حي لهذا الأمر : (حين تنتصر الثورة يرمى الماضي إلى مزبلة التاريخ وحين تؤسلم الامبريالية تتحول إلى استكبار عالمي وأخيرا حين تتعلمن المسيحية تتحول إلى حتمية تاريخية)(1) ولذلك لا نجد لعقلنا من مهمة إلا استدرار المفاهيم الشائعة والدوران في حلقة مفرغة وكأن الإجابات تتكرر ولو اختلفت الأسئلة ورغم أن العقل العراقي هو عقل عاجز في مواجهة الأحداث والظروف المحيطة به إلا انه يمتلك مقدرة كبيرة على التبرير الهزيمة مبررة لأنها نتاج خيانة والخضوع للمستبد مبرر لأنه مراوغة وصيانة للحياة .
6. شيوع النزعة الجدالية وقصور التفكير الجدلي
يختلف الجدال عن الجدل في أن الأول لا يكون منظما في العادة أو مثمرا إنما يرتبط غالبا بأهداف ذاتية محضة عكس الثاني الذي يهدف إلى الارتقاء والسمو بالعملية المعرفية من خلال ممارسة الجدل البناء وبالطبع فان الجدل كما طرحه هيغل هو التعامل مع الأشياء على أنها جزء من جدلية عامة بحيث لا يسعنا في النهاية فصلها عن بعض فيما تبرز الجدالية كشيء مناقض تماما لأنها تفصل الأشياء بعضها عن بعض وتنظر لعلاقاتها على إنها علاقات سببية محضة ما يجعلها بالتالي قاصرة عن الإمساك بالواقع الذي تتفاعل فيه الظواهر زمانيا ومكانيا وتتبادل التحديد والتأثير كذلك يعجز الجدالي عن فهم قيمة الجدال وإيصاله إلى هدفه المعرفي فهو بنظره ينطوي على بعد ذاتي عكس الجدلي الذي ينظر للجدل على انه عملية تكاملية تضع الأشياء على نسق واحد وتدفعها نحو غاية واتجاه معين هو في الغالب الهدف المعرفي الذي يحكم العملية الجدلية كذلك يبرز اختلاف المفهومين من خلال نظرتهما العامة للأشياء فبينما لا يفهم الجدالي التناقض إلا على انه اختلاف صميمي يضع المختلفين على طرفي نقيض نجد عكس ذلك لدى الجدلي الذي يراهما متفاعلين ومتأثرين بعضهما ببعض إما رؤيتهما إلى مستوى الأشياء فتكاد تكون مختلفة كليا لان الجدالي عكس الجدلي يعجز عن إدراك الفارق بين الأساسي والثانوي بين المحوري والهامشي بين المركزي والطرفي ويستمر مسلسل الاختلاف إلى أمور مهمة أخرى كفهم العلاقة بين الزمان والمكان أو النفاذ إلى كافة مستويات وجوانب البنية (الظاهرة بمختلف أشكالها) .
7. طغيان الذاتية على الموضوعية
إن من الأمور الأساسية للعقل الطبيعي هو التوازن بين الذات والموضوع لان على ذلك تترتب أمور كثيرة وبخلافها سنجد غياب التوازن بين الفعل والانفعال وسيادة النزعة العشوائية والاعتباطية في التفكير والممارسة وتعطيل التجربة العقلية التي تشمل تدهور الأداء العقلي واضطراب مستوى الحوار وسيطرة الأحكام المثالية والتبسيطية مع سيطرة التفكير الغيبي والخرافي لتخفيف الآلام من خلال التماس الأوهام والخزعبلات وهذا الأمر نابع من بساطة الذهنية العراقية التي لم تتجاوز حالة الإدراك الساذج أو البسيط حيث كثيرا ما تقع الممارسة العقلية في فخ التبسيط أو التعميم وإغرائهما الجدالي وعندما يريد العقل العراقي مناقشة حادثة ما دائما ما يستسلم لتفسيرات مبسطة وسطحية .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969