الأحد، 27 مايو، 2012

هل تتحول بلاد النهرين إلى بلاد بلا نهرين

باسم محمد حبيب
من الأمور المعروفة والمؤكدة تاريخيا ، أسبقية حضارة وادي الرافدين ودورها الكبير في نشر الحضارة الإنسانية ، حيث وقفت عوامل عديدة لتحقق هذا الأمر، أبرزها بالتأكيد وجود النهرين العظيمين دجلة والفرات ، الذي أتاح لسكان هذه البلاد استثمارهما في الزراعة ، التي أصبحت الركن الأهم في اقتصاديات البلاد ، وجعلت بلاد الرافدين واحدة من أهم الدول الزراعية في العالم وجنة من جنان الأرض ، لذا ليس غريبا أن عدتها الشعوب المجاورة إحدى الجنان التي يذهب إليها الإنسان بعد الموت .
لقد أطلق على بلاد الرافدين تسميات لها علاقة بجغرافيتها النهرية ، فالبعض اسماها بلاد الرافدين ، والبعض الأخر أطلق عليها بلاد النهرين ، أما الإغريق فقد أسموها (ميزوبوتاميا ) أي بلاد ما بين النهرين دلالة على أهم الظواهر الجغرافية الموجودة فيها ، حيث بقيت هذه التسمية هي المفضلة عند الإشارة للبلاد حتى في العصور المتأخرة ، وبقيت رغم تغلب التسمية الحالية متداولة لدى جمهور كبير من الباحثين ، لا سيما المعنيين بتاريخ العراق القديم .
لقد مثل هذان النهران الكبيران عصب الحياة بالنسبة للبلاد ، لذا لاغرابة أن تكون تسميتهما عراقية قديمة ، حيث استمرت هذه التسمية ملازمة لهما إلى الوقت الحاضر ، وإدراكا لأهمية هذين النهرين ، فقد حرص ملوك وادي الرافدين على فرض السيطرة السياسية العراقية على منابع النهرين ، ابتداء من حملة الملك (شار – كين ) الاكدي ، مرورا بغزوات سلالة أور الثالثة وحمورابي والأشوريين ، بل حتى في العهود التي أصبحت فيها البلاد خاضعة لسيطرة سلالات أجنبية حاكمة .
واليوم يتهدد هذا التاريخ النهري الكبير خطر ماحق ، إذ تشير التقارير الدولية إلى تعرض منسوب النهرين من المياه إلى انخفاض كبير ، قد يؤدي إلى جفافهما في وقت ما من المستقبل ، بل أن احدث التقارير الرصينة ، أشارت إلى احتمال جفاف النهرين في زمن لا يتجاوز عام 2040 ، إذ تواظب تركيا بلد المنبع منذ زمن على إنشاء العديد من السدود على النهرين ، كجزء من برنامج إروائي طويل الأمد ، وبالتأكيد فان إنشاء هذه السدود لم يتم من خلال التنسيق مع العراق وسوريا شريكتا تركيا في مياه النهرين ، ولم يجري تشييدهما انطلاقا من معايير القسمة العادلة للمياه ، فالقوانين الدولية لا تسمح لأي دولة الإضرار بالدول الأخرى المتشاطئة معها ، وتعد عملا من هذا القبيل انتهاكا للقانون الدولي .
يبدو لي أن العراق كعادته سابقا غير مهتم كثيرا بهذه القضية الخطيرة ، فهو مشغول بأمور يجدها أكثر إلحاحا من قضية المياه ، لأنها ترتبط بواقعه المباشر ، كما لا يمكن أن ننسى التجاذبات السياسية ودورها في إضعاف كفاءة العراق السياسية . الأمر الذي قد يتيح لتركيا الاستمرار بهذه السياسة المميتة للعراق ، فالجيران في تركيا لا يدركون أن عملا كهذا سوف يؤدي إلى الحروب والنزاعات طال الزمان أم قصر .
لذا على العراق إذا أراد تجنب كارثة كبيرة الالتفات إلى هذا الأمر ، فبإمكانه عمل الكثير بالتنسيق مع سوريا ، من بينها نقل هذا الملف إلى أروقة مجلس الأمن ، واهم شيء هو التركيز على هذا الملف عند فتح ملف العلاقات بين الطرفين ، ولابد أن يستخدم العراق أوراق الضغط التي لديه وأهمها الورقة الاقتصادية ، حتى يرغم تركيا على الالتفات إليه ، حيث تحصل تركيا لاستضافتها أنبوب النفط العراقي الذاهب إلى ميناء كيهان على البحر المتوسط ، على مئات الملايين من الدولارات التي لا غنى لها عنها في تنظيم واقعها الاقتصادي .
إن علينا أن نبذل الكثير من الجهود من اجل تلافي حصول مواجهة عسكرية ، فاستمرار أزمة المياه لابد أن يساهم في زيادة التوتر في المنطقة ، ودفع الأطراف المعنية إلى ضمان حقوقها بالقوة المسلحة .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969