الاثنين، 28 مايو، 2012

وهم الضربة الأميركية لسوريا

باسم محمد حبيب
هل يمكن أن تتعرض سوريا لضربة أميركية ؟ هذا هو السؤال الذي اعتقد أن الكثيرين منشغلين به ، على أساس أن سوريا تمثل احد الأنداد التقليديين للسياسة الأميركية في المنطقة ، والدولة الوحيدة التي لا زالت تعاند فكرة السلام مع إسرائيل ، لكن لو درسنا المسالة دراسة جدية وعاينا أبعادها بشكل كامل ، لوجدنا أن سوريا هي من أخر الدول التي يحتمل أن تتعرض لضربة أميركية ، ليس لان أميركا تحب النظام في سوريا أو لا تريد له أن يسقط ، وإنما لان أي ضربة توجهها لسوريا سوف تحسب على أنها هدية أميركية لإسرائيل أو تدخلا أميركيا مباشرا في النزاع السوري – الإسرائيلي ، ما يقلل من إمكانية تحقيق الوصفة الأميركية للسلام في المنطقة .
وبالتالي فان المخاوف من احتمال تعرض سوريا في أي وقت من الأوقات لضربة أميركية ، هي مخاوف غير واقعية ولا تنطلق من قراءة سليمة لأوراق الصراع القائمة في المنطقة ، ولا ادري أن كانت الحكومة السورية تدرك ذلك بشكل مباشر أم لا ، فالسياسة السورية تكاد تشير إلى وجود شعور من هذا النوع ، نكاد نلمس أبعاده في جملة من السلوكيات السورية الجريئة والتي عدت أحيانا على أنها نوع من التهور أو التصرف غير الموزون ، وإلا كان يمكن لأميركا أن توجه ضربة عسكرية لسوريا على خلفية اتهامها بمساعدة التمرد في العراق ، سيما وهي وتدرك وفق حساباتها أن ضربة من هذا النوع سيكون لها اثر مباشر على استقرار وجودها في العراق ، لكن أميركا فضلت استخدام أساليب الضغط غير المباشرة ، على أمل ثني القيادة السورية عن تقديم الدعم اللوجستي للمتمردين في العراق والاستمرار في هذا الضغط إلى النهاية .
إن الهاجس الأساس للإدارة الأميركية في مجال العلاقة مع سوريا ، هو في دفع الحكومة السورية لقبول مشروع السلام مع إسرائيل ، وبالتالي هي تعمل جاهدة لتحقيق هذا الهدف وعدم تعكير ذلك بأي مواجهة عسكرية مع سوريا ، فنجاحها في لعب دور الوسيط يتطلب منها الوقوف على مسافة مناسبة من أطراف النزاع في المنطقة ، وهي تدرك أن عملا عسكريا تجاه سوريا سيدمر هذا الهدف الأميركي الذي تتوق له بكل جهودها .
لكن هل نجحت السياسة السورية في الاستفادة من هذا الوهن الأميركي في تحقيق أيا من أهدافها الإستراتيجية ومنها هدف السلام العادل المنصف مع إسرائيل ؟ الجواب : أن القيادة السورية ربما فشلت في دفع الإدارة الأميركية للعب دور أكثر فاعلية في هذه القضية الشائكة ، لكنها من جانب أخر نجحت نجاحا منقطع النظير في إبقاء القيادة السورية الحالية على سدة الحكم في سوريا ، فلعل هذه القيادة تدرك أن بقائها مرهون بتوفر ظروف معينة ليس اقلها الاحتفاظ بدور محوري في واقع الصراع الدائر في الشرق الأوسط ، وعدم تخليها عن الأوراق التي تمارس من خلالها دور القطب في أهم قضية تواجه المنطقة وهي قضية فلسطين المحورية ، فسوريا لا تريد أن تلعب دور القطب الإقليمي أو العربي بقدر ما تريد المحافظة على هيمنتها كطرف محوري من أطراف النزاع مع إسرائيل ، فامتلاكها لهذه الميزة ربما تتيح لسلطتها الحاكمة ضمان وجودها لأطول فترة ممكنة ، لا سيما وهي تدرك أنها تمثل هدفا للمشروع الطائفي المضاد لها ، والذي يمكن أن تنساق له سوريا في يوم من الأيام .
إذن من المحتمل أن سوريا ستبقى في مأمن من التعرض لضربة أميركية ما دامت تمثل قطبا في النزاع العربي – الإسرائيلي ، هذا هو الذي يجب أن ندركه في موضوع العلاقة الأميركية مع سوريا .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969