الاثنين، 28 مايو، 2012

العراق ليس بغداد وحسب...

 باسم محمد حبيب
هناك ظاهرة ربما من الضروري بحثها هنا ، لأنها تكاد تمثل ظاهرة فريدة وغريبة وتختص بالعراق دون سواه ، فمن بين كل دول العالم لا توجد دولة تطغى عليها مدينة من مدنها مثلما هو الحال مع العراق ، حيث نجد أن اسم بغداد يكاد يطغى على اسم العراق بل يكاد يكون بديلا عنه أيضا ، وكلنا يتذكر الأغنية الكلثومية الشهيرة ( بغداد يا قلعة الأسود ) ، أو أغنية فيروز الشهيرة ( بغداد والشعراء والصور ) ، هذا ناهيك عن المئات من الأغاني والأشعار التي طغى فيها اسم بغداد على اسم العراق أو صادره تماما .
لقد اعتاد الخطاب السياسي والثقافي والإعلامي العراقي على التركيز على بغداد دون بقية أنحاء العراق ، وكذا الحال بالنسبة للجهد الاعماري والخدمي فهو يركز على بغداد دون سواها ، الأمر الذي دفع الكثير من الناس إلى ترك مناطقهم الأصلية والهجرة إلى بغداد ، فالأغاني والإشعار والخطب الحماسية لا تتردد في الإشارة إلى بغداد على أنها هوية لجميع العراق ، حتى أصبح اسم بغداد مرادفا لاسم العراق في غالب الأحيان ، وبطبيعة الحال قد يكون لمكانة بغداد السياسية والتاريخية دور في إعطاء بغداد منزلة هامة بين المناطق العراقية الأخرى ، لكن ليس بان تتضخم لتغدوا أعلى مقاما من العراق نفسه ، فللقاهرة مكانة لا تقل شانا عن مكانة بغداد ولاسطنبول كذلك ، لكن لم تكن منزلتهما يوما أرجح من منزلة بلديهما ، فلا القاهرة ولا الإسكندرية ساوتا مصر في المنزلة أو قدم اسميهما على اسم مصر ، وبالتالي فان هناك أسباب أخرى لهذه الظاهرة ، وليس ببعيد أن يكون للعامل السياسي ابلغ الأثر فيها بعد أن تحول العراق من مجموعة ولايات إلى دولة موحدة ، وكان من الضروري نظرا لدمج بيئات ثقافية مختلفة مع بيئة الأصل ، أن ظهرت الحاجة إلى خلق مركز مرجعي يمكن للإطراف الأخرى أن تامن إليه وتنصاع لهيمنته ، ولابد أن يكون هذا المركز المرجعي مرتبط بسلطة البلاد السياسية ، وبالضرورة التي يتحتم من خلالها دمج تلك البيئات أو الثقافات في بيئة واحدة تمثل مرجعا لها جميعا . لكن هذا لا يعني أن يتم تجاهل قلب البلاد النابض ومصدر هويتها المنطقة السهلية من العراق ، فإذا كان في العراق بيئات ثقافية مختلفة فليس من الصحيح جمعها قسرا ، كما لا يمكن خلق هوية مرجعية جامعة لجميع البلاد بالاستناد على العامل السياسي فقط ، ليس لان هذه الطريقة عقيمة وفاشلة وحسب ، وإنما لأنها تعزل العراق عن أصله وماضيه ، فالعراق لم ينشا مع الفتح العربي أو مع مجيء الإسلام كما يوحي بذلك البعض ، وهو لم يخترع اختراعا كما زعم بشكل مطلق ونستون تشرشل رئيس وزراء بريطانيا المعروف ، إنما هو بلد قديم تعود جذوره الحضارية إلى عدة آلاف من السنين ، وبالتالي ليس من السليم تجاهل هذا الماضي لان في هذا الماضي توجد هوية العراق الحقيقية .
إن ارتباط العراق مع ماضيه أو أصله ، لا يعني قطع صلته ببيئات البلاد الأخرى ، بل على العكس هو يعني أكثر من ذلك ، أن يكون لتلك البيئات حريتها ضمن أنطقتها الجغرافية ، فللأكراد تراثهم الخاص النابع من تكوينهم المستقل وبيئتهم الجبلية ، وكذا الحال بالنسبة للبدو الذين لا يختلف اثنان على اختلافهم النابع من أصلهم البدوي وانتمائهم الصحراوي ، أما ما يسمى بتراث بغداد الذي يحاول البعض تعميمه ليمثل التراث الجامع للعراق بأسره ، فما هو إلا نسخة هجينة من تراث السهل الذي كان على الدوام قلب بغداد النابض ومصدرا للكثير من قيمها وتقاليدها ، دون نكران بالطبع لتأثير البيئات الأخرى التي كان لها بالتأكيد تأثير ما في تراث بغداد وان ليس بدرجة تأثير السهل .
إن ابلغ الأدلة على هذا التأثير السهلي القوي و المتواصل استخدام البغداديون للزي الجنوبي التقليدي أي لبس اليشماغ ، مع اختلاف بسيط وهو أن الجنوبيون يلبسون اليشماغ مع العقال فيما يلبسه البغداديون بلفه حول الرأس أي طريقة ( الجراوية ) ، وهي أيضا طريقة يعتمدها سكان الجنوب ولكن على نطاق ضيق ، وأقدم إشارة إلى استخدامها من قبلهم تعود إلى العصور السومرية ، حيث يوجد تمثال ل كوديا أمير لكش وهو يلبس اليشماغ بطريقة الجراوية ، أما الغناء المشهور بالمقام العراقي فهناك أدلة كثيرة تؤكد على جذوره السهلية ، منها احتوائه على سمة الحزن التي يشتهر بها الغناء الجنوبي وأطواره المختلفة وارتباطه بمعاناة الناس آنذاك ، فمثلما يعبر الغناء الجنوبي عن معاناة الناس وآلامهم يعبر الغناء البغدادي عن رغبة الناس في الإفضاء عما يؤلمهم ويثير شجونهم ، حيث تبدأ اغلب الأغنيات البغدادية بكلمة (أمان ) التي يراد بها إشعار الناس بالأمان وبان هناك فسحة متاحة للراحة والاطمئنان تكفي الجميع ، هذا ناهيك عن سمات أخرى يدركها المختصون ، كذلك من الأدلة على ارتباط الشخصية العراقية بالنموذج الجنوبي ، التعاطي الدرامي مع هذا النموذج واعتماده أكثر من سواه في التعبير عن طبيعة الشخصية العراقية النمطية . وبالتأكيد فان هذه المعلومات ليست نابعة من ملاحظات عابرة ، بل قد أكدها أيضا أشهر علماء الاجتماع العراقيين ( الدكتور علي الوردي ) ، منوها من خلالها إلى هذه الحقيقة التي غفلها كثيرون للأسف الشديد .
وبالتالي لابد إذا أردنا أن نؤسس لبناء عراقي متين من أن نغير تلك الصورة الخاطئة ، وان نحيل بغداد إلى الأصل وليس العكس أي أن نحيل الأصل إلى بغداد كما جرت العادة ، فليس من العدالة ولا العلمية تجاهل تلك الحقائق أو التنكر لها ، ففي تجاهلها نكران للعراق نفسه وهذا أمر لا نتمناه في مرحلة البناء هذه .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969