الاثنين، 28 مايو، 2012

العشائرية تبتلع العراق

باسم محمد حبيب
رغم عد العراق احد أقدم الدول المدنية التي عرفها التاريخ استنادا إلى سجله الحضاري المديد إلا انه كان أيضا خاضعا ولفترات طويلة لهيمنة القيم العشائرية فقد مثلت العشائرية جزءا مهما من مسار التاريخ العراقي منذ فجر التاريخ والى الآن نظرا لمجاورة العراق لهضاب كبيرة شكلت أهم مصادر سكانه وعاملا مهما من عوامل عدم استقراره الأمر الذي حدا ببناة المشروع العراقي الحديث إلى عدها أهم تهديد يواجه مشروعهم وهدفا من أهداف الإصلاح الذي وضعوه لهذا البلد لكن يبدوا أن البناة الجدد لم يلتزموا بهذا المنحى وقد يكون لذلك بعض المبررات إلى أن القضية لاتحتمل التصرف بمعايير مزدوجة أيا كانت الأسباب الداعية لذلك لان العشائرية هي نقيض للمجتمع المدني وتتناقض بالتاكيد مع أي رؤية سليمة لهذا المجتمع .
واي مجتمع تشيع فيه العشائريه لابد ان يكون مجتمعا عليلا و لايعقل ان يصنف العراق ضمن منظومة البلدان النامية وهو يعاني من هيمنة العشائرية فالاشكال هنا لاينحصر بما تمثله قيم العشائرية من تراجع وانكماش في سلم التطور الاجتماعي انما بما تشكله من خطر على بناء البلد او على مسيرته الديمقراطية فلا يختلف اثنان على ان العشائرية هي نقيض للديمقراطية لان الاخيرة مبنية على سلطة القانون فيما العشائرية تتجاهل القانون المدني وتعده نقيضا لها وهي بالتالي تعتمد على منظومة من السنن البدائية المبنية على مبدا التغالب او التنافس وبالطبع تثير العشائرية جوا من الاضطراب بعد ان تضع نفسها كمواجه لسلطة القانون وربما تمارس دورها في اضعاف القانون كلما سنحت الفرصة لذلك وهذا ماشهدته البلاد في غابر تاريخها وربما مثلت العشائرية طوال تاريخها الطويل اخطر منافس للدولة بل و العامل الأساس في سقمها المزمن الأمر الذي دفع الولاة العثمانيين الى بذل جهود كبيرة لمواجهة العشائرية حيث لم تمر سنة واحدة الا وشهدنا حربا هنا وصراعا هناك بين هذه العشيرة او تلك او بين العشائر والدولة حتى وصل الامر الى ان تغدو المدن العراقية اشبه بجزر في وسط بحر من العشائر
ولولا حملات العثمانيين المتكررة لربما اصبح العراق مجرد غابة من العشائر القوي فيها ياكل الضعيف ونفس الشيء حصل عند مجيء البريطانيين الذين حاولوا ترويض العشائر لكنهم واجهوا ردة عنيفة كادت تقوض وجودهم في العراق وربما افشال اهم مشروع لتمدين العراق منذ قرون لولا ان البريطانيون قد ركنوا الى مسالمة العشائرية بدل مواجهتها حتى انهم ساعدوا على خلق تجمعات عشائرية جديدة لم تكن موجودة سابقا بعد ان فتت التحالفات القديمة وارست تحالفات جديدة لصالح بعض الرموز التي تعاونت معها او شكلت محورا في الواقع العشائري لكن الوجود البريطاني في العراق كان في الواقع اهم عامل من العوامل التي ساعدت على تراجع العشائرية بعد ذلك لان بريطانيا لم تهادن العشائرية إلا من اجل تامين مشروعها التمديني الذي اخذ يسير بشكل تدريجي نحو تحقيق غاياته فخفتت الثورات العشائرية او كادت واخذت العشائر تنشغل بمشاكلها الداخلية لاسيما الصراع التقليدي بين الشيوخ والفلاحين او بين الشيوخ بعضعهم مع بعض
ومن اجل ان تعطي للمشايخ سلطة ما عملت على استثناء نزاعات العشائر من القانون المدني وتركت حل المشاكل العشائرية بعهدة شيوخ العشائر ونفس الحال حصل عندما تسلمت الدولة العراقية زمام الامور من بريطانيا اذ انها لم تشا ان تتجاهل العامل العشائري فمارست نفس السياسة التي مارستها بريطانيا وربما زادت على ذلك بعد ان غدى للشيوخ نفوذا سياسيا كبير الى جانب ما يمتلكونه من نفوذ اجتماعي واقتصادي كبير الأمر الذي جعل الدولة تعيش شيئا من الاستقرار النسبي على الاقل في الواقع العشائري لكن سياستها التمدينية لم تخلق مجتمعا مدنيا تاما بل تحولت المدينة الى ساحة تتصارع فيها قيم العشائرية مع القيم المدنية الامر الذي انعكس على الواقع السياسي للبلد فاخذ هذا الواقع يعيش حالة من الفلتان وتهيمن عليه الحركات العشوائية والعبثية التي جعلت الشارع العراقي كالحلبة يموج بمختلف التيارات والاحزاب المتناقضة والمتنازعة الى ان جائت احداث 14 تموز 1958 التي وضعت البلاد امام مفترق طرق ولعل اهم ما انتجته اصلاحات هذه الحركة العسكرية المثيرة للجدل ضرب الطابع العشائري للبلاد وتوزيع الاراضي الزراعية على الفلاحين
ولكن التغييرات الاجتماعية الكبيرة لم تمر دون مخاض فقد انزلقت البلاد الى ما يشبه الحرب الاهلية واخذت الصراعات تستعر في كل مكان من شمال العراق الى جنوبه ومن شرقه الى غربه بين الاكراد والحكومة بين الاكراد والتركمان بين السنة والشيعة بين القوميين والشيوعيين بين الاسلاميين والشيوعيين بين العشائر بعضها مع بعض بين العشائر والدولة ...الخ ثم سقط النظام الذي خلق هذه الحركة ليبرز بدلا عنه نظام اكثر حدة واخذت العشائرية تتسرب الى مفاصل الدولة وزواياها المختلفة حتى فرضت نفسها على واقع البلاد عندما سيطرت القيم العشائرية على واقع البلد ومع ان العشائرية خفت قليلا ابان فترة السبعينات الا انها سرعان ماعادت لتشكل دعامة لحماية السلطة وقد راينا كيف قربت السلطة العشائر و اعطتهم الكثير من الامتيازات عقب حرب الخليج الثانية بل وصل الامر حد اقامة مؤتمرات عشائرية تحضرها رموز السلطة انذاك ومع ان الدولة ضمنت الى حد ما ولاء العشائر الى انها لم تضمن مساندتهم لها اثناء موجهتها للهجوم الاميركي فسرعان ما راينا هذه العشائر وهي تنضوي ضمن هيكل الدولة الجديد بل وتشارك في المؤتمرات وفي معضم مفاصل الدولة العراقية ولاول مرة في تاريخ العراق يتولى احد شيوخ العشائر رئاسة الدولة هو الشيخ غازي عجيل الياور اضافة الى تضمين الدستور بندا يدعم وجود العشائرية على الرغم من وجود تكملة تؤكد ان لاتعارض بين هذا الوجود ومشاريع بناء مجتمع مدني في العراق
وفي هذه الحالة وفي ظل هذا الالتباس التشريعي سوف تبقى هذه المادة تحت رحمة التاويل وستكون واحدة من المواد المرنة في هذا الدستور وربما مثلت الصحوات اهم ظاهرة عشائرية شهدتها الدولة الجديدة وكان موقفها ايجابي بعد ان وقفت موقفا حازما من الارهاب وادت واجبا انسانيا ووطنيا كبيرا عندما انقذت الناس من سطوة الارهابيين و من ممارساتهم الهمجية التي وضعت البلاد على كف عفريت واذا كانت العشائرية قد قدمت مثالا ايجابيا على دورها وطبيعتها الاجتماعية فانها في المقابل قد اوجدت لها نفوذا داخل اطار الدولة وارست رباطا جديدا بين السلطة والعشائر حيث اخذت السلطة بمهمة تاهيل العشائر او تنظيمها لتغدوا سندا للدولة وعاملا من عوامل استقرارها وربما يمكننا من خلال ذلك تفسير ميل حكومة المالكي لتاسيس مجالس الاسناد التي تشبه الى حد ما مجالس الصحوة الى انها تختلف في ان مهامها غير واضحة لانها موجودة في مناطق يسود فيها الاستقرار او تنعم بقدر عالي من الهدوء وفي هذه الحالة ربما تشكل هذه المجالس عبئا على الدولة سواء من حيث صرفياتها او علاقتها بالسلطات المحلية اما اقامة مؤتمرات للعشائر يحضرها رئيس الوزراء فهو اشبه بتبني حكومي لهذه المؤتمرات او تكريسا لهذا النوع من التواجد وبالرغم من الصفة الامنية لهذه التحركات تبقى القضية في طور التجاذب وربما الجدل حول جدوى او لاجدوى هذه النشاطات لكن قد لانستطيع ان ندرك الجواب قبل ان نلمس ذلك على صعيد الواقع وهذا ما قد نراه في وقت ما .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969