الثلاثاء، 29 مايو 2012

صفقة لذات ضائعة

 
باسم محمد حبيب
والان اكتملت الصفقة ، لم يبقى سوى التوقيع على عبوديتي التي تتجاوز الجسد الى الذات ، أيقررون استلابي ام انني غدوت خاضعا ً للأستلاب بعد ان فقدت علائمي ؟ لم ادرك حينها انني لم اعد

ذلك الذي يسمونه كريم بل رجلا ً آخر يحمل اسم سامي ،  لم اكد افتح عينيّ حتى وجدت نفسي محاطا ً بوجوه غريبة بدت لي كمن خربت ملامحها ، لم اكن اعلم انني انا الذي صرت بلا ملامح وان الوجوه الاخرى ليست الا انعكاسا ً لظلمتي ، لم افطن اول الامر الا لرجل طوحته السنون يجلس امامي بصمت ووقار ، الى جانبه صبي يبدو البله في عينيه يمسك يد الرجل بقوة كمن يخشى التيه  ،وفي الجانب الآخر لمحت وجها ً لصبية بدى على ملامحها الذعر والخوف ، ولأنني لم افقد احاسيسي رغم شدة الجروح فقد شعرت أن من يجتمعون حولي ليسوا من عائلتي التي اتذكر منها جيدا ً أمي وزوجتي ، أيكون هناك شيء في ملامحي جعلهم يتوهمون انني سامي ذلك الاسم الذي يرددونه بأستمرار ؟ لم ادرك حينها ما يعنيه لي لذا انشغلت عنهم بمراجعة نفسي عسايّ اعثر على شيء يعينني على فهم ما يحصل حولي ، حاولت تذكر ما حصل قبل فقداني الوعي ، عادت بيّ الذكريات الى تلك اللحظات الصعبة حين دوت الانفجارات لتضع حدا ً لسكوننا ، اسرع الجنود حينها لأرتداء ملابسهم واعداد أسلحتهم لمواجهة الخرق المعادي ، كان سامي المتباطئ دائما ً آخر المستيقضين .
أسرعت قبله لأعداد ما يلزمنا للمعركة وبسبب الاضطراب لبس كل منا ملابس الآخر متعجلين الوصول الى الساتر ، وفجأة دوى انفجار شديد لم اشعر بعده بشيء حتى وجدت نفسي في هذا المكان ، لا بد ان اقول لهم انني لست سامي لا شك ان ذلك هو الفعل الصحيح وقبل ان اقوم بذلك حقا ً اختلط امر علي ّ ولم اعد اشعر بشيء سوى الظلام ، لكنني لم انسى رغبتي في قول الحقيقة حتى خلال نوبات الالم التي تنتابني وتنسيني تارة ً كل الذكريات وتارة ً تذكرني بالعديد منها ، ولأنني ادركت ضرورة البوح بما يعتصر قلبي فقررت تنفيذ رغبتي عند اول لقاء قادم مع الزائرين .
وصل بعضهم عند انقضاء فترة الظهر الحارة ، ادرت رأسي مؤملا ً رؤية اهلي ، فوجئت بغرباء آخرين امرأة ورجل وصبي عرفته قبل وقت قليل اخذ يقبل وجهي بنهم مرددا ً كلمات مبهمة مشفوعة بنحيب حاد اثارت هياج الرجل الذي داهمه بضربات متتالية آلمت الصبي وزادت من بكائه ، اصدرت صوتا ً ينم عن الغضب توقف على اثره الرجل مراقبا ً زوجته التي تطلعت اليّ بأندهاش وريبة مما اثار خوفي في ان يكونا قد تعرفا علي ّ !!
لا ادري لماذا شعرت بالخوف لهذا الهاجس رغم انني كنت ابغيه قبل قليل ؟ على كل حال قررت حينها تأجيل التصريح بالحقيقة الى حين استجلاء مصير سامي ،
لم يبقيا الرجل والمرأة طويلا ً ولم يتكلما الا قليلا خرجا بعدها صامتين ليشعلا في داخلي الخوف والرهبة خصوصا ً وقد علمت ان المرأة اخت سامي والرجل زوجها الذي يبدو كمن يضمر شيئا ً ، لا بد أن ارد وقفة سامي لحظة اصابتي في ساحة القتال عندما رفض تركي واصر على حملي رغم كثافة النار الموجهة اليه .
 عندما اخذوني الى البيت طلبت مرآة ارى فيها ما حل بيّ شعرت انني كالاخرين ايضا ً لا اميز نفسي بعدما لمحت اختفاء علائمي ، ادركت انني فعلا ً كنت اشبه سامي ، سطوة الغموض والرهبة جلجلت فرائصي رغم ما يحيط من مظاهر الفرح ، وجدت مكانا ً مريحا ً آوي اليه اسلمت نفسي فيه للرقاد ، لكنني شعرت بيد تمسد شعري فتحت عيني لألمح والد سامي يجلس عند رأسي وينظر ألي بحنان ، اردت ان اجلس احتراما ً له فمنعني بوضع يده على صدري ودفعني برفق لأعود الى نومي . رفع يديه يدعو الله بحفظي وشفائي .
كانت زفرات صوته الباكي تدغدغ مقلتاي وتسيل دموعها خشوعا ً لهذا الحنان الصافي ،
اكمل قراءة ادعيته وقبل جبهتي ثم نهض يجرجر قدميه داعيا ً الآخرين لتهيئة ما يلزم لأستقبال الزائرين الذين اخذوا يتوافدون لتهنئتي بالسلامة ، كنت ارد عليهم بالشكر والامتنان واعود لأخوض في عالمي الباطن محللا ً ما حل بيّ .
لاحظت شقيق سامي يبتسم ببلاهة لي كان يريد الاقتراب لكنه يخشى من زوج اخته الذي يترصده ، دعوته للجلوس قربي بعد ان ادركت رغبته في مجالستي ، لبى دعوتي بأمتنان واسرع لمعانقتي ،  اخذت الاطفه واحكي له النكت والنوادر وهو يتطلع بي بفرح وزهو ، لم يشأ مفارقتي حتى حل المساء وأوتي بالعشاء الذي تناولناه معا ً ، نظرات الحقد والازدراء ما زالت تلمع في عيني الصهر اللئيم الذي لم يتوانى عن اهانة الصبي وضربه كلما وجد الى ذلك سبيلا ، ولما كنت اراقبه عن كثب فقد نهرته واعلمته أن ذلك يزعجني وانسحب ناقما ً متذرعا ً بالعودة الى البيت مع زوجته التي نصحت والدها بالمبيت معي وعدم تركي حتى يكون قادرا ً على تلبية حاجاتي ، وبعد ان انصرفت وزوجها تسائلت نفسي أأكون زوجا ً بلا قيود وأبنا ً يعتمر لقبا ً ابديا ً ، لم تكن خلوتي تحمل نفس الطنين المزعج لهوسي ، اذ تركت وحيدا ً مع صبية تتألق زهوا ً وجمالا ً جلست تلاطفني برقة ودلال كدت معه اقع تحت سطوة اغرائها لولا انني وفي اللحظة المناسبة تذكرت سامي ، انحنيت فزعا ً لهذه الحقيقة المرعبة ولتصرفي الوقح ، لكن الفتاة لم تتركني رغم صدودي لذا واصلت بدأب محاولة اغرائي بما تملك من فتنة وجمال ، اندفعت نحوي محاولة ً جذبي الى ألقها ، كادت تحطم ارادة الاخلاص التي اتشبث بها بكل قواي ، مما جعلني اصرخ بها ( اتركيني انا لست سامي ) .
انذهلت الفتاة وتراجعت بذعر الى الخلف ، حاولت ان تقول شيئا ً لكنها لم تمتلك الشجاعة لذلك ، ولأنني لم أشأ التراجع بعد دخول والد سامي وشقيقه الى الغرفة ، فقد واصلت التصريح بهذه الحقيقة متجنبا ً التطلع الى وجوههم ، قلت : (( آسف لأن اقول انني ومنذ ذلك الانفجار لم اسمع شيئا ً عن سامي وانا بالحقيقة ليس سوى صديقه الذي يشاطره المأكل والمشرب والمكان ، لقد تسبب لبس كل واحد منا ملابس الآخر بسبب الاضطراب وتشوهي نتيجة الاصابة حصول هذا الاشتباه )) اخذ الرجل يردد : سامي ... سامي فيما بان الفزع في عيني الصبي .
ولأنني لم اتحمل هذا الموقف المؤلم فقد آثرت الاسراع بترك المكان وقبل ان اقوم بذلك وجهت لهم كلمات اخيرة : (( آسف لك يا عم وانت يا صغيري آسف لأنني لست اخوك ، قد يشعركم ذلك بالألم لكنني اجده افضل من ان ادعيه طويلا )) اكملت كلامي وانطلقت الى خارج البيت ، سرت بسرعة حتى بلغت مرآب المدينة ، كنت املك بعض المال الذي يمكنني من السفر الى مدينتي ، استأجرت سيارة صغيرة اقلتني الى المدينة التي قضيت بها معظم ايام طفولتي ، مرت عدة ساعات قبل ان المح من بعيد اطراف مدينتي ومساكنها المألوفة لي ، كنت اشعر بالحزن لما جرى وما سوف يجري لعائلة سامي لكنني كنت ايضا ً في شوق لمعرفة ما حل بأمي وزوجتي ، شعرت بالرهبة من كل خطوة اخطوها بعد ان نزلت من السيارة متجها ً الى بيتي الذي بانت معالمه لي ، كان الوقت صباحاً عندما بلغت عتبته ، داهمني التردد فجأة وشعرت انني لا املك القدرة على طرق الباب ، لكنني استجمعت شجاعتي وبادرت الى طرق الباب طرقا ً خفيفا ً ، سمعت على اثره صوتا ً لم آلفه من قبل ، لما فتح الباب وكنت آمل ان ارى امي فيه لاح لي شقيق زوجتي الذي جفل لمرآي لكنه لم يبدي اي علامة على انه يعرفني سألني : (( هل لديك حاجة ما )) أجبته (( الا تعرفني ؟ ) اخذ يتمعن في ملامحي كأنه يريد ان يستجلي منها شخصيتي ، لكن عبثا ً يحاول فقد انطمرت كل ملامحي خلف سحنة لم يبقى منها سوى آثار الحروق ، لذا اراد ان يداري فشله بأفتعال الشدة فأجابني بحدة .
ـ (( لم يسبق لي رؤيتك على الاطلاق !))
ـ (( اين أم كريم ؟))
اجاب بنفاذ صبر : (( لقد ماتت اثر سماعها خبر استشهاد ولدها كريم ))
صعقت لهذا الخبر الذي جعلني اشعر بالدوار ولم اعد قادرا ً على اسناد جسدي وبالكاد تشبثت بالحائط الذي منع وقوعي على الارض ، قلت بصوت ضعيف :
ـ (( ارجوك نادي على زوجتي ))
تأملني بنظرات متسائلة ممعنا ً النظر بوجهي المتفحم واجاب بصوت غاضب :
ـ (( من زوجتك ؟ ))
ـ (( انني كريم ألم تفهم ؟ ))
جفل الرجل وهو يسمع هذه الكلمات المثيرة لكنه أستجمع امره قائلا ً :
ـ (( كيف وقد استشهد كريم قبل ايام ؟ ))
ـ (( لم يستشهد والدليل انه امامك الان ))
تطلع بوجهي بأرتباك منادياً زوجتي التي اظهرت رأسها من خلف الباب متطلعة اليّ بأهتمام . قالت :
ـ (( ماذا يريد الرجل ؟ ))
ـ (( يقول انه زوجك كريم ))
فتحت الباب على مصراعيه واخذت تتأملني بأرتباك ثم قالت :
ـ (( ما هذا الهراء لقد مات زوجي وقمنا بدفنه قبل ايام ؟ ))
اجبتها :
ـ (( لم يمت انه امامك كما ترين ))
ـ (( لا اصدق ))
ـ (( بل صدقي ))
ثم حاولت الدخول الى البيت فمنعني شقيقها وحدث شجار بيني وبينه تقاطر على اثره عدد من الناس لم اشعر بعده الا وانا في السجن .
قضيت في السجن بضعة ايام موقوفا ً مع المجرمين بعد ان وجهت لي الشرطة تهمتين الاولى اقتحام بيت ليس فيه سوى أمرأة والثانية انتحالي شخصية صاحب البيت المتوفى قبل ايام ، وبناءا ً على الدعوة المقدمة من قبل زوجة كريم ، اجرت الشرطة تحقيقا ً حول ملابسات الحادث استبعدت فيه تحليل بصمات الاصابع لتشوهها كليا ً لكنها استدعت عدد من الشهود الذين ايدوا جميعا ً ادعاء المدعية ، ولأنني كنت مصمم على التصريح بكوني كريم فقد شرحت لضابط التحقيق الظروف التي ادت لهذا الالتباس ، مبينا ً له ان الجثة التي جيء بها على انها لكريم كانت في الحقيقة جثة سامي وان السبب عدم التعرف عليها نابع من تشوهها كليا ً نتيجة الانفجار ، اما وجود اوراق ومستمسكات تعريفية عائدة لكريم في ملابس الجثة ، فقد جاء نتيجة خطأ سببه تسرعنا وارتباكنا ، حيث لبس كل منا ملابس الآخر اثناء احتدام الهجوم المعادي .
ارسل ضابط التحقيق بعد ان اخذ افادتي بطلب بعض معارفي لغرض الاعتماد على شهادتهم بعد مواجهتهم بي ، فجاء ثلاث اشخاص نسيت اسماء اثنين منم وعرفت اسم الثالث ، حيث اوضح احدهم ان هناك شبه بالطول والصوت بيني وبين كريم ، الا انه اردف انه لا يستطيع بعد التشويه الذي خرب كل ملامح الوجه القول بشكل حاسم انني كريم ، اما الثاني فقد حاول ان يتملص من اعطاء اي اجابة محددة بشأني واكتفى بالقول انني ابدو من بعض النواحي شبيه كريم ، اما الثالث الذي اعرفه جيدا ً ، فقد اوضح انه بعد التشويه الذي دمر كل ملامح الوجه لا يمكنه الا ان يتكل على بعض الذكريات التي يمكن ان تفيد في ادراك الحقيقة ، عارضا ً بعض المواقف التي جمعته بكريم طالبا ً مني ذكر تفاصيلها .
والحقيقة انني بعد اصابتي البالغة هذه لم اعد قادرا ً على تذكر الكثير مما يخصني ، لذا لا غرابة في انني نسيت مجمل ما ذكرني من مواقف ، فكان ذلك في الواقع سبب كاف لرد دعواي وتمشية الدعوة التي رفعت ضدي ، حيث لم ينقذني من السجن الا تقرير الطبيب الذي بين انني مصاب بفقدان الذاكرة الجزئية نتيجة تعرضي لأصابة بالغة في المخ ادت الى تلف بعض الانسجة المسؤولة عن التذكر ، لذا قررت المحكمة الافراج عني ونقلي الى المدينة التي يقع فيها بيت سامي .
ولأنني لا اريد ان استلب من جديد فقد مضيت بالتصريح بأني لست سامي ، مبينا ً لضابط التحقيق في المدينة الظروف التي تسبب في حصول هذا الالتباس ، ولأنه كان متفهما ً لوضعي اكثر من الاخرين ، فقد اوضح انه سوف يطلب تحليل الحامض النووي (
DNA ) للتعرف على شخصيتي فيما اذا مضيت في دعوى اني كريم وليس سامي .
ولقد مضت اجراءات عديدة قبل ان يأتيني زائر من اهل سامي ، حيث وقفت شقيقة سامي تتأمل ملامحي بسكون وصمت غريب ، كنت آمل ان تعثر في هذا الجسد المشوه على ما يعينها في معرفة الحقيقة لنتخلص معا ً من هذ اللبس المزعج ، لكن بعد اطالتها الوقوف بدون كلام أردت استجلاء ما ينتابها بشأني وقلت :
ـ (( ماذا تعتقدين في ّ بعد كل الذي قلته ؟ ))
ـ (( وهل تعتقد انني لا اعرف الحقيقة ؟ ))
بدت على ملامحها ابتسامة عذبة وأردفت :
ـ (( منذ أول نظرة اليك ))
أثارت عبارتها استغرابي فماذا يعني كل هذا ؟؟؟
ـ (( لماذا لم تقولي حينها انني لست سامي ؟ ))
ـ (( لم اكن استطيع ان اقولها في تلك اللحظة خوفا ً على ابي ولسبب آخر اهم ؟ ))
ـ (( ما هو ؟ ))
ـ (( سأحاول ان اشرح لك بأيجاز : ان لوالدتي املاك كثيرة ورثتها عن جدي ، بعد وفاتها آلت املاكها الى ورثتها الشرعيين ابي واخوتي وانا ، ولأن اخي الاصغر متخلف عقليا ً ، فقد حدث نزاع بين زوجي وسامي حول الوصاية على حصته ، حيث تذرع زوجي بقلة حصتي ، لذا اقترح ان توضع حصة اخي المتخلف عقليا ً تحت اشرافي حتى يحصل التوازن ، وهذا ما لم يقنع سامي وابي فأصروا على وضع الحصة تحت وصاية سامي بحكم كونه اخيه ، الأمر الذي اغضب زوجي وجعله يتشاجر مع سامي ويضغط عليّ لكي اقف بوجهه ، ولما لم اكن مقتنعة بما يفعل شعرت ان من واجبي الوقوف بوجهه ، لذا لم احاول التشكيك بكونك سامي رغم معرفتي بأنك لست هو فعلا ، فقد آثرت التريث لحين التفكير بما سيحصل مستقبلا ً ، وكيف يمكن معالجة ما سوف ينجم عن موت سامي ؟
ـ (( اي انك اجلت الامر لبعض الوقت ))
ـ (( هذا ما اردته في حينه ))
ـ(( ماذا تعنين ؟ ))
ـ (( اعني انني بدلت موقفي الان خصوصا ً وقد لمست طيبتك واخلاصك لسامي ))
ـ (( لم افهم ))
ـ (( اطلب منك ان تقوم بعمل لم يقم به احد من قبل ، عملُ تنقذ به حياة شيخ محطم وصبي متخلف لا حول له ولا قوة ، ان تأخذ دور سامي بل ان تكون انت هو في كل ماله من حقوق وما عليه من واجبات تجاه ابيه واخيه وزوجته التي ستكون زوجتك بالشرع )) .



ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969