السبت، 26 مايو 2012

زيارة الاربعينية .. وقفة تقييم

باسم محمد حبيب
لم أستغرب الارقام التي طرحها البعض عن أعداد الذين أدوا مراسيم زيارة الاربعينية ولا الارقام التي تناولت مقادير ما صرف في أيام الزيارة لتغطية نفقات الطعام والشراب والنقل ، فقد قدر عدد الذين أدو مراسيم الزيارة بما يقرب من (16) مليون زائر ومقدار ما صرف من الاموال بما يزيد على (50) مليار دينار .
وبصرف النظر عن حقيقة الارقام أعلاه أو دقتها فأن تقييمنا لزيارة الاربعينية يجب أن يأخذ بالحسبان هذا الامر بالذات ، فالارقام كبيرة ولا شك لكن هل نقف عند هذا الامر ونتجاهل أنعكاساته على الواقعين الاقتصادي والامني ؟ أم لابد من وضع تقييم يناسب ضخامة الحدث وأهميته ، فقبل سنتين تقريبا كتبت موضوعا عن زيارة الاربعينية وطالبت بوضع تقييم لها وقبل أيام قرأت بعض المقالات التي أبرزت الحاجة إلى وضع تقييم نفهم من خلاله ما يمكن أن نفيد منه أو نتجنبه لننجح ونتطور.
أن هناك اسباب عديدة تدفعنا إلى وضع تقييم لهذا الحدث البارز لعل من أهمها أن الحدث خلف الكثير من النتائج التي من الضروري تسليط الضوء عليها حتى نستطيع أن نتجاوز ما خلفه من سلبيات ونطور ما أنتجه من إيجابيات ، ثم أن التقييم لا يتنافى مع مكانة الحدث أو قدسيته عند من يحييه ما دام هناك هدف إيجابي يقف وراء هذا الامر .
فأرقام كهذه إذا ما صحت تدل على أن البلد كان وخلال مدة الزيارة في حالة شلل كامل بعد أن فرغت الدوائر الحكومية من موظفيها وترك أصحاب الاعمال والمصالح أعمالهم ومصالحهم فيما أقفلت المدارس والمعاهد والكليات أبوابها أو كادت بعد أن غاب عنها معظم طلابها ومدرسيها .
ولذا لا غرابة أن تتوقف مجريات الحياة في البلد ويعم الشلل معظم مفاصل الاقتصاد وتفرغ المؤسسات من موظفيها والمدن من قاطنيها حتى تبدت وكأنها مدن أشباح لا أثر فيها للحياة أو الحركة يملؤها سكون مقفر .
هذا وقد شهدت أيام الزيارة أستنفارا أمنيا كبيرا بعد أن كشر الارهابيون عن أنيابهم معلنين حربهم غير المقدسة على افواج المشاة من الزوار بهدف قتل اكبر عدد منهم لإثارة بلبلة طائفية تعيد البلاد إلى حالة الاقتتال التي كانت عليها في فترة الحرب الطائفية ، ولان عدد الزوار كبير جدا فقد واجهت الجهات الامنية صعوبة كبيرة في السيطرة على الموقف وتوفير العدد الكافي من القوات الامنية التي تسبب سحبها من بعض الاماكن في احداث فراغ أمني أستغله الارهابيون لتنفيذ عمليات إجرامية ضد الآمنين أو ضد مؤسسات الدولة والقوات الأمنية نتج عنها سقوط عشرات الضحايا والمصابين في مشهد دموي بات يتكرر سنويا ، من جانب آخر كانت الطرق ملآى بمجموعات المشاية التي تسببت في اختناقات مرورية خطيرة نتج عنها الكثير من الحوادث المميتة والأضرار الكبيرة ، فقد أدت حوادث السير التي سببها الزحام الشديد إلى موت وإصابة العشرات بعضهم من الاطفال ، ونظرا لقلة الكوادر المتبقية في المستشفيات والمراكز الصحية فلم يتسنى تقديم الرعاية الصحية الكافية للمصابين ناهيك عن المرضى مما تسبب في العديد من الوفيات .
أما الطرق فقد أمتلئت بمئات المخيمات التي تسابقت الاحزاب السياسية والعشائر والمواكب ودوائر الدولة على أحيائها لتكون مكانا لاستراحة الزوار مزودة بمختلف أنواع الاطعمة والأشربة وعلى مدى أيام عدة بحيث يكفي ما تم صرفه في تلك المخيمات لإشباع ملايين الجياع .
لقد قدمت الزيارة وبلا شك مثالا حيا للمثابرة والإبداع الانساني وأبرزت قدرة العراقيين على مواجهة الصعاب وتحديهم للمخاطر كما ابرزت التلاحم والكرم وحب الخير المستوطن في أعماق الشخصية العراقية من خلال المثابرة على تقديم الطعام والشراب ناهيك عن توفير النقل والمسكن والرعاية الطبية التي تقدمها فرق صحية حكومية أو متطوعة ، إلا أن ذلك لا يجب أن يمنعنا من رؤية الجانب المعتم من القضية فقد شل الاقتصاد الوطني وتعرضت مصالح البلد للخطر وتوقفت مجريات الحياة اليومية وتعطلت المدارس والدوائر الحكومية الامر الذي تسبب بخسائر مادية كبيرة ، أما الواقع الامني فقد شهد انتكاسات خطيرة بفعل الاستنفار الذي سببته الزيارة والذي أحدث خللا وأرتبكاً في الخطط الامنية أستغله الارهابيون لإحداث خروقات أمنية خطيرة .
أن علينا أن نقف ونتسائل ماذا أن لم يكن العراق بلدا نفطيا ، هل يمكن لنا أن نعيش يوما واحدا بدون عمل ؟ وهل يمكننا أن نؤدي الزيارة بهذه الكيفية الكرنفالية ؟ لا شك أننا لن نستطيع ذلك لان للرزق أولويته ، إذن لماذا لا نأخذ العبرة من الشعوب غير النفطية تلك التي تعمل وتكد من أجل أن تعيش فسيأتي يوم نكون فيه مثلهم بعد أن تنضب مكامن النفط في بلدنا .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969