السبت، 26 مايو 2012

مشاكل عمليتنا السياسية

باسم محمد حبيب
هناك نوعان من المشاكل التي تواجه العملية السياسية في العراق، النوع الاول وهو يمكن ان نصطلح عليه بالمشاكل الافقية فيتمثل بالمشكلة القومية والمشكلة الدينية والمشكلة الطائفية اما النوع الآخر فيمكن ان نصطلح عليه بالمشاكل العمودية التي تتمثل بكل من مشكلة غياب الوعي السياسي ومشكلة انحسار وتراجع المدنية و مشكلة التخلف الاقتصادي وبالتالي فأن أي معالجة للمشاكل التي تواجه العملية السياسية يجب ان تأخذ بالحسبان معالجة هذين النوعين من المشاكل في اطار من المعالجة الشاملة حتى تكون المعالجة صحيحة وناجحة:
أولا : المشاكل الافقية
يكاد التنوع الاثني ان يكون قاعدة ثابتة في الكثير من بلدان العالم حيث تتألف بعض هذه البلدان من مئات الاثنيات التي تتمايز عن بعضها في اللغة والديانة والثقافة وغيرها ولكن كثيرا من هذه الدول نجحت في هضم التنوع الاثني الذي يضمه نسيجها واستطاعت ان تبني اساس الدولة المدنية التي يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات والسؤال هنا: لماذا نجحت بعض الدول في هضم تنوعها الاثني فيما فشلت في ذلك دول اخرى؟ وللإجابة على ذلك نقول ان تلك الدول قد التفتت لمعالجة هذه المشكلة بالتوافق مع معالجة النوع الآخر من المشاكل التي يشكل كل منها جوهر المشكلة السياسية التي قد تواجه بلدا من البلدان وتنقسم المشاكل الافقية من وجهة نظرنا إلى:
المشكلة القومية
لقد عانى العراق من هذه المشكلة منذ تأسيسه في عشرينات القرن الماضي بعد ان قررت بريطانيا الحاق ولاية الموصل الغنية بالنفط بالعراق الخاضع لنفوذها وعلى الرغم من ان الاكراد هم الذين ايدوا الانضمام للعراق من خلال الاستفتاء الذي اجرته عصبة الامم لمعرفة رأي سكان ولاية الموصل في الطلب البريطاني إلا ان هذه المشكلة قد ظهرت وتفاقمت بعد ذلك بفعل جملة من العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية الامر الذي جر على البلد الكثير من الويلات التي ذهب ضحيتها آلاف الابرياء ناهيك عن الوان المعاناة التي رافقتها ولان هذه المشكلة مرتبطة بالمشاكل العمودية المار ذكرها فأن الوصول إلى حل لها مازال بعيد المنال على المدى القريب حيث يعيش العراق مرة اخرى ظروفا من الاحتقان القومي قد تؤدي في لحظة ما إلى مواجهة جديدة قد لا يخفت أوارها بسهولة.
المشكلة الدينية
لم تكن هذه المشكلة وليدة التأسيس الحديث للعراق فقد كان العراق وعلى الدوام متضمنا لتركيبة دينية معقدة فهناك العديد من الديانات التي يحتفظ كل منها بتأريخ طويل من التواجد على ارض الرافدين وعلى الرغم من ان ما يقرب من ثلاثة ارباع البلد يدينون بالديانة الاسلامية إلا ان انقسام هؤلاء إلى مذهبين كبيرين بل وإلى فروع اخرى ضمن المذهب الواحد جعل المشكلة الدينية تزداد عمقا وخطورة واليوم وبعد ان ضمن الدستور الجديد الاعتراف بالفروق الدينية التي يتضمنها المجتمع العراقي فقد اصبح لهذه المشكلة سند قانوني حيث يتوجب على المشرع عند تشريعه للقوانين الاخذ بالحسبان وجود اغلبية دينية من جهة ووجود تنوع ديني من جهة اخرى الامر الذي يؤدي إلى فتح نافذة جديدة من الصراع الديني ساحتها هذه المرة القوانين والقرارات التشريعية.
المشكلة المذهبية
على الرغم من ان المشكلة المذهبية قديمة في العراق وهي تمتد إلى المراحل الاولى لانتشار الاسلام فيه إلا ان نشوء الدولة العراقية الاولى في عشرينات القرن الماضي قد اعطى شكلا جديدا لهذه المشكلة فبريطانيا التي كانت تعمل على بناء دولة خاضعة لنفوذها في بلاد ما بين النهرين لم تجد بدا من الالتجاء إلى احدى الطائفتين الاسلاميتين الرئيستين في العراق لان الطائفة
الاخرى وبفعل التهميش الذي واجهته من العثمانيين كان خضوعها الروحي اعلى واكبر بمراحل من خضوعها السياسي ما وضعها
خارج نطاق الحسابات البريطانيا ونظرا لتجربة بريطانيا المريرة مع ثورة العشائر الجنوبية في العام 1920 وخوفها من ان يدفع المجتهدون ابناء هذه الطائفة إلى عدم موالاة بريطانيا فقد حولت بريطانيا المشكلة من مشكلة بريطانية – عراقية إلى مشكلة عراقية – عراقية حتى تتفرغ لمهامها الاخرى في هذا البلد، وبالتالي فقد استمرت هذه المشكلة وتعمقت حتى غدت احدى اشكاليات الواقع العراقي والمهدد الاكبر لوحدته ومازالت الآن تشكل احد تبريرات الصراع السياسي القائم في العراق.
ثانيا: المشاكل العمودية
من الطبيعي ان يكون افق الحل في البلدان التي تعاني من مشاكل افقية او عمودية اكبر بكثير من تلك التي تعاني من مشاكل افقية وعمودية لان البلدان التي تعاني من نوع واحد من المشاكل لا تعاني من اختلال موازينها وتبعثر مجهودها بين هذا النوع او ذاك بل هي دول ممسكة بزمام مشاكلها من خلال ما يتوافر عندها من امكانات وطاقات فائضة فيما يحصل العكس في البلدان التي تعاني من النوعين معا فهي دول مشتتة الجهود مبعثرة الطاقات والإمكانات وتعاني من عجز شبه دائم في القدرات السياسية اما اهم المشاكل العمودية التي تعاني منها دولة كالعراق فأهمها:
غياب الوعي السياسي
اساس الوعي السياسي هو شعور المواطن بأنه بحاجة إلى سلطة قادرة على التعاطي مع واقعه وحل مشاكله بشكل حكيم وهذا ما يندر في البلدان التي تعاني من مشاكل افقية إذ غالبا ما ترى هذه البلدان في السلطة بأنها مجرد وسيلة للانتصاف من الآخر ولذلك عاش العراق انماطا دكتاتورية مقيتة وضعت البلد في اطار من الازمة السياسية المستمرة وهو ما تكرر ايضا عندما اخذ البلد بتطبيق الديمقراطية فقد تحولت الديمقراطية إلى وسيلة لخلق الرموز التي تعمق الاختلاف وتزيد التباعد بين ابناء البلد الواحد بدل ان تؤسس لنموذج المشاركة الذي يضمن للجميع مشاركة عادلة في الحكم.
انحسار المدنية
من مستلزمات نجاح اي نظام ديمقراطي هو هيمنة الطابع المدني على النسيج الاجتماعي العام ونظرا لان العراق عانى خلال المدة الماضية من آفتين خطيرتين هما الطائفية والعشائرية فقد هيمنت عليه انساق ما قبل الدولة التي حولته إلى دولة بالية حيث يسهل القضاء على مثل هذه الدولة المنخورة من الداخل والواقعة تحت سطوة اشتباكات قيمية متناقضة وهو ما حصل عندما هوت الدولة التي يمثلها النظام الدكتاتوري السابق بسرعة تجاوزت المتوقع في اول احتكاك حقيقي يهدد وجودها إلا ان هذا السقوط السريع كان ينذر بمشاكل مماثلة عند تأسيس دولة جديدة وفعلا وقعت العملية الديمقراطية اسيرة انحسار الطابع المدني وتراجعه المضطرد امام الطابعين الريفي والبدوي بما يحملانه من قيم متخلفة.
التخلف الاقتصادي
كثير من الدول نشأت بفعل العامل الاقتصادي فدول الغرب التي تمثل اليوم قمة العالم الصناعي مدينة بتفوقها ونجاحها لتطورها الاقتصادي الذي منحها قدرا من المرونة في التعاطي مع مشاكلها البنيوية فعلى الرغم من كثرة ما تحتويه هذه البلدان من فئات اثنية مختلفة ومن عدم وجود تجانس في نسيجها الاجتماعي إلا ان هذه البلدان امتلكت وسيلة لاذابة الاختلافات والفوارق بين مجموعاتها الاثنية من خلال الاعتماد على منظومة اقتصادية فاعلة ومتطورة تربط الفرد ربطا محكما بهذه المنظومة ما يجعله بعيدا عن الوقوع تحت تأثير الانظمة القبلية (انظمة ما قبل الدولة) وهو ما عجزت عنه بلدان اخرى بقيت اسيرة انماط اقتصادية متخلفة كالنمط الريعي الشائع في العراق.
وهكذا على العراق التعاطي مع نوعين من المشاكل في اطار عملية البناء التي يشهدها في الوقت الحاضر إذا اراد لهذا البناء ان ينمو ويتطور .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969