السبت، 26 مايو، 2012

التفجيرات الطائفية

باسم محمد حبيب
رغم أن الإسلام جاء إلى العراق من جزيرة العرب ، إلا إن معظم مذاهبه وفرقه نشأت في العراق ، لاسيما بشكل خاص المذهبان اللذان يسودان العالم الإسلامي الآن المذهب الشيعي و المذهب السني ، اللذان خاضا نزاعا مريرا للهيمنة على العالم الإسلامي دام عدة قرون ، ابتداء من العهد الراشدي الذي شهد أحداث الثورة الطبقية ومصرع الخليفتين عثمان وعلي ، مرورا بالعهدين الأموي والعباسي حيث الصراعات المختلفة المتوازية ، وصولا إلى العصر الحديث الذي شهد قمة الصراعات الطائفية على الإطلاق بممثليها الرئيسيين الأتراك والإيرانيين ، حيث كان العراق احد أهم ساحات هذا النزاع ومركزا لإلهامه ، الأمر الذي جعل من الصراع الطائفي سمة من سمات الواقع العراقي ، حيث لا يخلوا عهد من هذه العهود من تجاذبات هذا الصراع ومخاضه ، وليس أدل على ذلك من استفحال وتطور العداء الطائفي الذي وصل إلى حدود خطيرة خلال الفترة الأخيرة ، حيث حرك الاحتلال الأميركي للعراق صراعا طائفيا كبيرا لم تخف وتيرته حتى الآن ، بعد أن كشف الصراع عن وجهه الطائفي الذي كان يستره ، ليتحول إلى صراع مباشر ضحاياه السنة والشيعة معا .
إن ما يميز التفجيرات التي تحصل في العراق أنها تكاد تكون موجهة لمكون واحد ، الأمر الذي يجعلها معبرة بشكل لا لبس فيه عن الهدف الماثل في أذهان فاعليها ، ومما يبدو من العدد الكبير لهذه العمليات والأساليب المتبعة فيها و التفنن بالقتل ، أن هدفها الأساس الإبادة ، بحيث يتم الإجهاز على الطرف الأخر وقتل اكبر عدد منه ، فرغم أننا لا نملك إحصائية دقيقة عن عدد التفجيرات التي شهدها العراق خلال السنوات القليلة السابقة ، إلا أننا نستطيع أن نخمن أن عددها يربوا على عدة الالاف ، وأنها خلفت مئات الالاف من الضحايا والأيتام والأرامل والمنكوبين ، ولان هذه الأحداث واكبت الغزو الأميركي للعراق ، فقد عدها البعض نوعا من المقاومة فيما عدها البعض الأخر نتيجة من نتائج الصراع بين القوى السياسية ، وقد حاول الخطاب السياسي والإعلامي العراقي ، التضليل على هذه الإعمال عندما قصرها بالجانب السياسي متوخيا استغلالها لأهداف سياسية ، فالحقيقة التي لا يمكن لأحد أن يتجاهلها ، هو أن معظم هذه التفجيرات مرتبطة بأهداف طائفية محضة ، وليس هناك أي علاقة يمكن أن تربطها بمفهوم المقاومة الوطنية ، فهذا النوع من المقاومة ( أي المقاومة الطائفية ) ليس غريبا عن العراق على الإطلاق ، لان العراق كان مركزا لهذا النوع من المقاومة لعدة قرون ، و مما يميز المقاومة الطائفية أنها لا تتوجه إلى المحتل قدر توجهها إلى الطائفة الأخرى انطلاقا من العامل الطائفي ، حيث ازدهر هذا النوع من المقاومة خلال القرون الخمسة الماضية ( حقبة الصراع العثماني – الصفوي ) ، التي نتج عنها خسائر كبيرة لا يمكن حصرها ، ففي حين ترحب إحدى الطوائف بالاحتلال الأجنبي الذي يماثل طائفتها ، تمارس الطائفة الأخرى دور المقاومة ضده ليس بدافع وطني بل بدافع طائفي ، وعادة ما يتجه القسم الأعظم من جهد المقاومة إلى الطائفة الأخرى ، بعد أن يتم اتهامها بالعمالة وتجريدها من ولاءها الوطني .
وقد تبادل سنة العراق وشيعته هذا التعاطي الطائفي الذي جعلهم مقاومين تارة ومهادنين تارة أخرى ، ففي حين عد السنة الصفويين محتلين وتعاملوا معهم على هذا الأساس ، اعتبرهم الشيعة محررين و ربما سارعوا لمساعدتهم استجابة لشعورهم الطائفي ، ونفس الشيء يصح بالنسبة للسنة ، الذين تعاطوا مع العثمانيين على أنهم محررين يتوجب مساعدتهم اتقاء لشر الطائفة الأخرى أو بغضا بهم ، الأمر الذي يمكننا من خلاله أن نفسر استمرار الاحتلال العثماني وتواصله لعدة قرون . . هذا الاحتلال الذي حتمته أحوال العراق وظروفه المعقدة آنذاك ، لاسيما بشكل خاص هيمنة العشائرية وسيادة الطائفية .
وبالتالي كان العامل الطائفي هو الفاعل الأكبر في الساحة العراقية خلال الفترة الماضية ، بحيث يمكننا توصيف الواقع العراقي في تلك الفترة بأنه واقع طائفي وبامتياز، وربما لهذا السبب عجز العراق عن بناء مجتمع متماسك وتشييد دولته الحديثة رغم توفر الإمكانات اللازمة لذلك .
لذلك لا يمكننا أن نتجاهل هذا التاريخ الطائفي المرير ونقفز على معطياته ، فالطائفية هي الداء الأخطر في الجسد العراقي والفاعل الأكبر فيه ، وتجاهلها هو نوع من الفشل أو الاستسلام للموت ، فإذا أردنا أن نبني مجتمعا سليما لابد أن نهتم بموضوع الطائفية وان نركز عليه تركيزا عاليا ، فهذا هو السبيل الوحيد الذي يمكننا من خلاله تجنب أسوا أمراض الواقع العراقي بل وأخطرها على الإطلاق مرض الطائفية المقيت .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969