الاثنين، 2 أبريل 2012

الحداثة بين سلطة الموروث وحاجة المجتمع

باسم محمد حبيب:
كثيرا ما ينشب جدال بين الاسلاميين والليبراليين بشأن مشروعية كل منهم لا سيما في ظل المتغيرات الدولية التي اخذت تؤثر في بنية المجتمع الاسلامي تبرز صراعا جدليا بين القديم الذي يستقي سلطته من الموروث والجديد الذي يبني اجندته على وفق مبادئ التحديث والعصرية لكن السؤال الذي يجب طرحه هو: هل بقاء القديم على قدمه يتماشى مع مصلحة الاسلام؟
ام انه يتماشى مع مصلحة العائشين على الالذا وجدنا انهم يغربلون القيم الاسلامية لصالح قيم السلطان ومصالحه لان اهدافهم ليست دينية بل مصلحية ومن ثم لا نستطيع ان نسلم باي مصدر اسلامي عدا القرآن الكريم، واذا اردنا ان نسلم بمصادر اخرى علينا ان نضع الشروط لذلك، لان الجدل بشأن صدقية تلك المصادر سوف لا ينحصر ضمن نطاق التمذهب او التناشز بين الفئات الاسلامية الكثيرة انما سنجد لذلك اثرا حتى في الصراع مع غير المسلمين، لان الكثير من المتبنيات الاسلامية قد جرى تخريبها تبعا لحاجة الحكام او لاجتهادات رجال الدين وما وصلنا من الاسلام ليس هو الاسلام بحد ذاته لعلنا سنواجه معضلة كبيرة عند محاولتنا الفصل بين ما هو من صميم الاسلام وما درج على ذلك لذا ينبغي التمييز بين مضمون الاسلام الحقيقي وبين التقاليد والقيم المحلية الموروثة اجتماعيا كونها متصلة بسياقها الظرفي والتاريخي فيما درجت المؤسسة الدينية الاسلامية على تغليف الكثير من التأويلات بهالة من القدسية بحيث يصعب علينا خلالها تقرير اي منها يصح ان نعده مقدسا فعلا مع ان مسألة التقديس ليست في جلها مسألة دينية انما هي متصلة بالظروف المكانية والحضارية، إذ تمثلت اخيرا في الدين لانه يمثل البعد الاكثر قوة او خطورة في الشخصية ولعل حرب التغليف قد اخذت حيزها في الواقع الاسلامي حتى بلغت مديات بعيدة لا سيما في وسط المذاهب الفرعية المتصادمة حتى اصبحت القاعدة كلما توسعت الفروع زاد التقديس حتى لاح اخيرا من ينبذ التقديس لكنه بالمقابل يؤيد خنق الاخر وتحطيمه اي انه يرى انه الحق وما عداه باطل، ولعل مكمن الخطورة هنا ان هذا ينطلق من رؤية قرن واحد هو القرن الاول الهجري، فيما يرى في كل التاريخ اللاحق مجرد ظلال لذلك القرن وهو لا يبتعد كثيرا عن الآخرين الذين يرون ضرورة سحل ذلك التاريخ حتى يواكب اي تاريخ نصل وامام هذين الرأيين يقف رأي الليبرالي الذي يرى في اية محاولة لعرقلة التحديث عملية عقيمة يراد منها تحطيم المجتمع وليس خدمة الاسلام كما قد يتصور البعض لان من مصلحة الاسلام ان يكون المجتمع في اعلى مراتب التطور ولو لاحظنا التجربة الغربية لوجدنا فيها خير دليل على ان نماء المجتمع يصب في مصلحة الدين لاننا لم نشهد اي تغيير في تقدير الناس للمسيحية حتى في اكثر البلدان الاوروبية تطورا بل على العكس تماما هنالك انتشار مسيحي جديد لا سيما بعد ان نزلت الكنيسة الى المستوى الذي يعيشه عامة الشعب بعد ان كانت متقوقعة في بروجها العاجية.
ان بلوغ الدين مرحلة التوافق والالتصاق بالواقع الشخصي يعد في الحقيقة مكسبا عظيما لا يمكن تحقيقه باسلوب الفرض او الهيمنة لان معظم التراجعات التي مني بها الاسلام نبعت من هذا الامر لاننا لم نعد نجد في الاسلام تلك العلاقة الخاصة التي تربط الفرد بربه بل علاقة تسلطية تفرض هيمنتها بالاوامر القاطعة وبالموروث ولذا نجد ان معظم المجتمعات التي تطبق مفهوم سلطة الدين مطعونة في ايمانها ولعلها اكثر انغماسا في المحرمات من سواها كما هو الحال مع دول الخليج العربي وايران فيما نجد العكس في الدول التي تحيده إذ نجدها وقد اصبحت بؤرة اسلامية كبيرة كما هو الحال مع تركيا وماليزيا اللتين تمتازان بنظامهما العلماني. ولعل الاستبداد الديني هو اشد انواع الاستبداد واكثره قساوة لانه يؤثر في الوجدان ويحرك المكامن وربما يجر البلاد الى اختلاف لا حد لمداه إذ اشار المفكر الاسلامي عبدالرحمن الكواكبي الى ان الاستبداد بجميع انواعه الديني والسياسي والاقتصادي اساس جميع الفساد وان عاقبته لا تكون الا للاسوأ فيما يشير جمال الدين الافغاني الى ان الارادة الحرة للشعب الحر هي القانون اي انه يرى ان اي مجتمع يمتلك زمام نفسه قادر على التعاطي مع واقعه بالطريقة المناسبة ولعل خير مثال على ذلك ان امه كبيرة من امم العالم هي الامة الانكليزية تحكم نفسها من دون دستور اي هي مكتفية بسليقتها الواعية وبحسها الفطري للنظام وهذه الامة وعت طريقتها ليس بالقهر والاستبداد بل بالرفاه والحرية وتأمين الحرية لا يتم من دون عقل حر وواثق لان الايمان بالعقل لا بد ان يتقدم على اي ايمان اخر حتى الايمان بالدين لان العقل هو الذي يدلنا على ما نؤمن به لاننا لا نستطيع ان نؤمن من دون عقل ولا نستطيع ان نتأكد من صدقية ايماننا من دون الوثوق بالعقل ولقد بين ابن رشد ذلك عندما قال: (اذا كان النص الديني متفقا مع العقل فلا اشكال واذا كان مختلفا معه فنحن نأوله حسب العقل لانه سبحانه لا يمكن ان يعطينا عقولا ويعطينا شريعة مخالفة للعقول!؟).
لكن الخلاص من الوصاية لا سيما الوصاية الدينية بنوعيها النصوصي (اي الخضوع للنص) او وصاية رجل الدين لا يتم من دون اجراء تغيير جذري لمنظومتنا الفكرية بحيث يمكننا من خلالها الاعتماد على العقل وهذا اذا ما اردناه في واقعنا صعب المنال لان من شروط الخلاص اجراء تقييم جديد للدين تتمثل به كامل الجرأة والشفافية وهو امر لا تستوعبه الذهنية الاسلامية الضيقة (المقصود هنا ذهنية الافراد المسلمين) لا سيما الذهنية الاسلامية المؤسساتية لان اي تقييم حر قد يمهد لنسف كلي للمصالح ومن ثم يفقد الرباحون ارباحهم التي اغدقها عليهم الدين ليس ذلك الذي يمثل النهج الصافي الصحيح انما متبنياته الموروثية التي اصبحت للرأي كالضباب الذي يمنع عنه رؤية الافق كذلك من شروط اي مجتمع ينشد الحرية محاولته التحرر من جميع القيود التي تمنع ممارستها ومجتمعنا هو اكثر المجتمعات خضوعا للقيود بحكم ارتباطه بسنن واعراف موروثة حافلة بكل ما هو محبط ومربك إذ نجد ان معظم المجتمع لا سيما الشباب منقاد بوعي او من دون وعي لسلطة الموروث او تأثيراته لان لهذا الموروث قدرة تنموية كبيرة لانه مشبع ولاقصى مدى بالمحاذير والمحرمات التي تجعل فرائص كل فرد ترتجف خوفا ورعبا اذا ما اعتقد انه قد حاد عن الطريق اي ان المنطق الذي يكسب الموروث قوة الفرض يتمثل بالتخويف إذ جبل على ارسائه رجال المؤسسة الدينية في مختلف العصور والدهور لان فرض وصاية النص سيكون بالتحديد الاساس لتحجير النص ومن ثم يغدو من غير المستطاع الانعتاق من سطوته ما دام موصوفا بالقداسة فيما يغدو لرجل الدين سلطة فوق سلطة الدين نفسه وهو امر قد تصل تبعاته حد تهميش الدين ما دام الاساس في ذلك النظر الى الدين من منظار النصوص والاجتهادات.
ان بناء اسس رؤيوية لمنطق ديني صحيح يتطلب اعادة اكتشاف الدين وقراءة الوحي قراءة جديدة لان الوحي في السابق ليس هو الوحي الآن وخطاب النص القرآني ليس هو نفسه دائما وعندما يخاطب المكذبين في السابق بقوله (افلا ينظرون ـ الى الابل كيف خلقت؟) لا يعني ان المكذبين الآن يحملون الهاجس نفسه انما يقصد بذلك ان القرآن عندما يروم نشر افكاره لا يكون ذلك من دون ان يواكبه تحريك للذهن لوضع اخر امام وضع يحكم به خياراته ومن ثم يستطيع ان يضمن لنفسه الاجابة المطلوبة وهو ما يعني ان القرآن يرسي منطقا تحرريا عماده التساؤل المستديم والنقاش المستفيض اي انه يرفض التحجر والجمود الامر الذي يضعنا امام رؤية جديدة تنبذ النصوصية (اي الالتزام بالنص كما هو) انما تتقبل المداولة التي تضعنا امام آفاق رحبة للنص لان رؤية المضمون لا تتم بمعزل عن وقعه في النفس واي مضمون لا يثير وقعا مناسبا يغدو بلا قيمة او معنى انما لا بد من حصر دلالات النص في ضوء منطقه الاسلوبي وقيمته العملية وقت قراءته ومن ثم لم يعد الاسلام نفسه متناشزا مع التناغم العصري للواقع انما بناؤه الموروثي وحسب الامر الذي يضعنا امام تيار جديد عماده ليس التجديد الديني او الملاءمة بين العصري والديني انما ضرورة التخلص من كل الافكار الدينية ذات الطابع الموروثي والنظر الى الاسلام على انه تنغيمة يمكن ان تعبر عن نفسها باي شكل او اتجاه ولقد بين رسول الله (ص) معنى المسلم بقوله (المسلم من سلم الناس من لسانه ويده) ولذا ليس الاسلام طقوسا او شعائر وليس نصوصا او موروثا انه السلوك الصحيح نفسه واذا حقق الانسان بلوغ ذلك فانه قد حقق هدف الاسلام. ان هذه الرؤية لمنطق الاسلام اي كونه الطريق السالك لبلوغ الصحيح تجعلنا ننظر للاسلام نظرة رحبة ومن ثم علينا تثوير النصوص الى اي مدى تتطلبه الحداثة وليس تقنين الحداثة حسب النصوص كما هو متبع غالبا.سلام وحسب وبعبارة اخرى: هل في مصلحة الاسلام ان يبقى المجتمع متخلفا وضعيفا؟ وهل من الضروري تجنب الجديد لمجرد انه من مصدر اجنبي او يضع مبادئ الاسلام في خانة التمييع؟ ان الاستناد الى ثوابت موروثية لا يعني ان تلك الثوابت اسلامية اي من وحي مبادئ الدين الاسلامي بل على العكس لعل الاسلام نفسه قد تعرض للعبث في ظل سيطرة وعاظ السلاطين وتأويلاتهم المغالية والمنسجمة مع طابعهم الموروثي .








ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969