السبت، 7 أبريل 2012

القضاء العراقي بين الصمت والاحكام المتهاونة

باسم محمد حبيب

في النظام الديمقراطي القضاء سلطة مستقلة لها الحق في محاسبة اية جهة تجدها مقصرة او منتهكة للقانون فيما يكون العكس في النظام الدكتاتوري حيث يكون جزءا من تركيبة النظام وسلطته التنفيذية وبالتالي يكون مقيداً بارادتها ومشيئتها وبما ان النظام في العراق هو نظام ديمقراطي فان من واجبات القضاء محاسبة اية جهة يرى انها قد انتهكت القانون.



لكن ما يجري الان في العراق لا يبرر ذلك ربما لان السلطة القضائية لم تتعود بعد على صيغة الاستقلال او بسبب نقص الملاك القضائي او قلة خبرته وسواء كان هذا او ذاك او اي سبب اخر فان الامر يعد بمثابة تقصير تتحمل جميع الاطراف مسؤولية فيه فيما تتحمل السلطة القضائية المسؤولية الاكبر لكونها المعنية بهذا الشأن ولو عاينا الوضع العراقي لوجدنا ان اداء القضاء ليس بالمستوى المرجو سواء في اتخاذه الاجراءات القانونية بحق الارهابيين والمجرمين او في محاسبة السلطة التنفيذية او اداء دور الفيصل في المنازعات بين السلطات فمن بين آلاف الذين تم القاء القبض عليهم لم تتم احالة الا القليل منهم الى المحاكم ومن بين هؤلاء لم تتم محاكمة الا اقل القليل حيث صدرت بحق اغلبهم احكام متهاونة لا تتناسب مع حجم او نوع ما اقترفوه من جرائم يندى لها الجبين، الامر الذي يشجع المجرمين على اقتراف المزيد من الجرائم ناهيك عن ان بقاء الموقوفين بالسجون دون محاكمة يعد انتهاكاً لحقوق الانسان لا تتحمل جريرته السلطة التنفيذية وحسب انما السلطة القضائية ايضا وقد تكون مسؤولية الاخيرة اكبر اذا جاء التأخير بسببها. وبعيداً عن هذا الجانب الذي يمثل هم البلد ككل وجدنا القضاء عاجزاً تماما عن فرض سلطة القانون تاركا الامر لجهات اخرى كالدين والعشائر متذرعا بالظروف الصعبة للبلد وسوء وضعه الامني فيما نجد ان القضاء قد ترك انشغاله بالواقع من خلال تجريد نفسه من صلاحية المقاضاة وجعلها بعهدة الجهات الاخرى اذ لم نسمع ابدا انه او الادعاء العام العائد اليه قد حاسب جهة ما بمحض ارادته وكأنه ينتظر ان يتنازل المذنبون طواعية ويسمحوا له بمقاضاتهم مع ان الدستور اتاح له محاسبة اي طرف ينتهك القانون ايا كان موقعه او مكانته في الدولة. لذا من الضروري بحث الاسباب التي ادت الى هذا القصور لاجل وضع العلاج المناسب له واذا كان الامر يتعلق بعدم تعود او قلة كادر او نقص خبرة فان المسألة سهلة لكن يخشى ان تكون هناك اسباب اخرى كما اوضح مثل ذلك السيد عبد الحسين شندل وزير العدل عندما اجمل اسباب القصور بـ:
1 ـ تعرض القضاة لتهديدات ومضايقات اي انه يشير ضمنا الى تأثرهم بها من خلال اصدار احكام مخففة تقلل من المخاطر التي تواجههم .
2 ـ عدم اصدار الدستور الذي يمكن ان يركنوا اليه في قراراتهم القضائية ومع ان الدستور قد اقر الا انه لم يتم العمل به او تفعيله ليكون مرجعا لعمل القضاء العراقي .
3 ـ وجود ممانعة دولية للاحكام المتشددة لاسيما تطبيق عقوبة الاعدام.
لكن لو حللنا هذه الاسباب والقينا عليها نظرة فحص دقيقة لوجدنا انها لو صحت فانها اكبر ادانة لعمل القضاء العراقي الضعيف وشبه المشلول لانها تؤكد لنا ان القضاء العراقي لا يعمل بشكل صحيح وبالتالي فهو يخالف القانون ايضا لان من مسؤولية القضاء اصدار القرارات القانونية دون اي حساب للمضايقات والتهديدات واي شيء بخلاف ذلك يعد جرما مشهودا وفق نصوص القانون العراقي لانه لا يجوز للقاضي اصدار احكام تتنافى مع مضمون النصوص القانونية او مرتبطة بمؤثرات معينة واذا كان القانون قد غفل الاشارة الى ذلك بالنص فيجب استغلال اعادة كتابة الدستور لصالح تضمينه بنودا تحدد عمل القضاء العراقي او تضع طريقة لمحاسبته مع ضرورة ان لايكون ذلك على حساب استقلاليته وفاعليته. كذلك لايجوز الانتظار لحين العمل بالدستور لان القانون هو القانون والمواد القانونية تكاد لا تختلف من دستور الى دستور” ماعدا عقوبة الاعدام“ التي لا تقرها بعض الدساتير وبالتالي ليس من الصحيح تأجيل المحاكمات لحين تفعيل الدستور لان المسألة لا تستلزم ذلك بالضرورة فيما لا يجوز قانوناً ـ ليس انسانيا بالطبع ـ ربط مسألة عقوبة الاعدام بالتحفظ الدولي ازائها لا سيما ان الوضع في العراق هو وضع استثنائي يتطلب اسلوباً خاصا يتعاطى معه لان عدم محاسبة الجناة او اصدار اشد العقوبات بحقهم سيساعد على ادامة الفوضى ويزيد من سعير الوضع بعد ان تنبذ الاطراف الاحتكام للقانون لتبدله بالاحتكام للسلاح اتقاءً لشر بعضهم البعض الامر الذي يدفع نحو حرب اهلية عارمة سوف لن يسلم منها احد .
لذا لابد من محاسبة السلطة القضائية استنادا لمبدأ ان الشعب هو مصدر السلطات وان من حقه محاسبة اي سلطة ومن بينها السلطة القضائية سواء بتفويض ذلك لممثليه او بتوجيه شكوى جماعية الى محكمة يشكلها بنفسه لا تكون خاضعة لولاية مجلس القضاء الاعلى. وبالطبع لا يخشى من هذه المسألة ان تكون سبيلا للنيل من خصوصية القضاء العراقي واستقلاله لانها مرتكنة على اجراءات شعبية استثنائية وهي مرتبطة بارادة الشعب مصدر كل السلطات الامر الذي يجعل القضاء العراقي تحت طائلة ارادة الشعب التي هي مصدر القانون وبالتالي سيتحسن عمله بعد ان يدرك ان وراءه من يحاسب . لكن مسألة البرود والتهاون ليست هي الوحيدة التي يتطلب علاجها انما لابد من تغيير منظومة الاجراءات والسلوك القضائي لان مجملها يكاد يكون موروثاً من الحقبة السابقة وهي تتناقض مع مبادئ حقوق الانسان ولو رصدنا بعض تلك الاجراءات لوجدنا ما يلي:
1 ـ في المحاكم العراقية لا يكون المتهم بريئاً حتى تثبت ادانته بل مجرما حتى تثبت براءته وسيعامل بمقتضى ذلك مادام متهما .
2 ـ في غرفة القضاء لا يوجد احترام للفرد الذي سيكون خاضعا لسطوة القاضي وجبروته ومن ذلك التعرض للاهانات والكلام الجارح .
3 ـ المتهم وحتى البريء احيانا لا يسمح له الجلوس امام القاضي بل يبقى واقفا حتى ولو دامت المحاكمة ساعات .
4 ـ اعتماد القضاة لالية تنقل النزاعات بعيدا عن الحقل القضائي كالحقل العشائري مثلا من اجل بلوغ تسوية تجنب القاضي مشاق او مخاطر اصدار الحكم.
5 ـ بعض القضاة او العاملين بالحقل القضائي لا يؤمنون بدور القانون ولا يجدون انه قادر على حل مشاكل المجتمع .
لذلك من الضروري اصلاح هذه المؤسسة المهمة التي ستكون عونا للانسان العراقي وللديمقراطية التي نسعى لترسيخها الامر الذي يتطلب جملة امور اهمها:
1 ـ توجيه القضاء بضرورة التعامل مع المتهم بحسب لائحة حقوق الانسان العالمية وعده بريئا حتى تتم ادانته .
2 ـ من الضروري احترام الانسان الماثل امام القضاء وعدم السماح باهانته او توجيه اي كلام غير لائق اليه وان يسمح له بالجلوس لحين لحظة النطق بالحكم وان يسمح او يوظف موظف يراقب تعامل القضاء مع المراجعين على ان يكون ناشطا في مجال حقوق الانسان .
3 ـ عدم التهاون مع القضاة الذين لا يؤدون واجبهم بشكل صحيح او الذين يسعون الى نقل النزاعات خارج دائرة القضاء من خلال السماح للمدعى عليه باقامة دعوى ضد المدعي حتى ولو لم يكن هناك ما يدعمها لاجل اخافة المدعي وبالتالي يضطر الى البحث عن مكان اخر لتسوية نزاعه .
4 ـ يجب اختيار القضاة او المدعين العامين وفق شروط خاصة اهمها الكفاءة والممارسة ناهيك عن الاتزان والايمان باهمية القضاء .
5 ـ يجب تفعيل دور المدعي العام بحيث يقوم بمحاسبة الاشخاص او الجهات من تلقاء ذاته ومن خلال معطيات يجمعها بنفسه من خلال فروعه واقسامه.
6 ـ يجب تفعيل دور المحاسبة القضائية سواء تلك التي يقوم بها مجلس القضاء الاعلى او مجلس النواب وان يكون بامكان مجلس النواب تشكيل لجنة تحقيق لمحاسبة اي جهة او اجراء قضائي تثبت ادانته او تحوم حوله الشكوك .
ان انجاح دور القضاء العراقي يتطلب تضافر الكثير من الجهود وهو مسؤولية على عاتق كل فرد او طرف عراقي لان نجاح هذا الدور سيكون له الاثر البالغ في انجاح بناء العراق وترصين مسيرته نحو الرقي والتقدم   .

ليست هناك تعليقات:

تغريدات بواسطة @basim1969 تابِع @basim1969